إصداراتالشيخ بلال خريساتمؤسسة بيان

حين تنتكس المفاهيم في حق رسولنا العظيم – للشيخ المجاهد بلال خريسات ” أبو خديجة ” – ثبته الله –

شارك

حين تنتكس المفاهيم في حق رسولنا العظيم – للشيخ المجاهد بلال خريسات ” أبو خديجة ” – ثبته الله

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيبعده ، ثم أما بعد :

يقول الحق تبارك وتعالى :

(لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)

قال ابن عباس k :

( وَتُعَزِّرُوهُ ) يعني:[[ الإجلال]] 

( وَتُوَقِّرُوهُ ) يعني:[[ التعظيم]]

قال قتادة r:

(وَتُعَزِّرُوهُ) : ينصروه

(وَتُوَقِّرُوهُ) أمر الله بتسويده وتفخيمه]]

وهذا هو الواجب على كل مسلم اتجاه نبينا وحبيبنا محمدg من التعظيم والاجلال والتوقير .

وجاء وصف النبيg في الكتب السابقة كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص h :

[[ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ … لَيْسَ بِفَظٍّ ، وَلَا غَلِيظٍ ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ]][1]

وعرفه الصحابة رضوان الله عليهم بذلك أيضا في سيرته العطرة ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :  [[لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّابًا ، وَلَا فَحَّاشًا ، وَلَا لَعَّانًا ، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ – أي عند العتاب – : مَا لَهُ ! تَرِبَ جَبِينُهُ]] [2]

لقد سمعنا كما سمع غيرنا تلك المقولة الآثمة التي تجاسر القائل فيها على جناب النبي g بنسبة الظلم إليه .

وعلى إثر هذه المقولة الآثمة جرى نقاش بين أحد الإخوة وبين شخص متخلف آخر يدافع عن صاحب المقولة الآثمة وكان من جملة حديثه الاستدلال بحديث النبي g

ونحن هنا نذكر هذا الحديث والالفاط التي ورد بها :

(1) فعن سالِم مولى النَّصْريِّين، قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: سمعتُ رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يَقُولُ:

[[اللهمَّ إنَّما محمَّد بشَر يغضُب كما يغْضَب البَشَر، وإني قدِ اتخذتُ عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيّما مؤمِنٍ آذيتُه أو سببتُه أو جلدتُه فاجعلْها له كفَّارةً وقُربة تقرِّبه بها إليك يومَ القيامة]] [3]

(2)  عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم  قَالَ:

[[اللهمَّ إنِّي أتَّخِذ عندَك عهدًا لن تُخلفَنيه، فإنَّما أنا بشَر، فأيّ المؤمنين آذيتُه؛ شتمتُه لعنتُه جلدتُه، فاجعلها له صلاةً وزكاةً وقُربة تقرِّبه بها إليك يومَ القيامة]] [4]

(3) عن أبي سعيد الخُدري – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم:

[[اللهمَّ إنِّي اتَّخذتُ عندَك عهدًا تؤدِّيه إليَّ يومَ القيامة، إنَّك لا تُخلف الميعاد، فإنَّما أنا بشَر، فأيّ المسلمين آذيتُه أو شتمتُه – أو قال: ضربتُه أو سببتُه – فاجعلْها له صلاةً، واجعلها له زكاةً وقُربةً تقرِّبه بها إليك يومَ القيامة]] [5]

لقد علم القاصي والداني شفقة النبي g على أمته، ساعيا في تحقيق مصالحهم، والاحتياط لهم، ورغبة في كل ما ينفعهم، وماهذه الأحاديث إلا دلالة ظاهرة على صحة ما ذكرنا، وأن دعاءه هنا يقع على من كان أهلاً لذلك وكان مسلماً.

وقد يسأل سائل فيقول كيف نفهم دعائه أو سبه أو لعنه على من ليس بأهلا لذلك.

ذكر أهل العلم أن هذا الفهم له صورتان :

الأولى:

[[أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى في باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجب له، فيظهر له – صلى الله عليه وسلم – استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك، وهو – صلى الله عليه وسلم – مأمور بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر]]

الثانية:

[[ أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية]]

الأمر الآخر وهو أن ما وقع للنبي g من ذلك إنما هو النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن  g، فاحشا ولا متفحشا، ولا لعانا ولا منتقما لنفسه، وقد ثبت عنه g نهيه في أكثر من موطن عن السب والشتم واللعن والانتقام

وأنه g لم يكن يغضب أبدا إلا إذا انتهكت حدود الله تبارك وتعالى، فلم ينتقم لنفسه قط .

كيف لا وهو أعلى الخلق رحمة وأدبا وسموا، وقد مدحه الله تعالى في كتابه وأثنى عليه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

ثم إن النبي gكان يعامل الناس على ظواهرهم، فمن أظهر الخير جوزي به ومن أظهر الشر جوزي به، كما قال تعالى :

(قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا () وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا)

وقال النبي g:

[[إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع منه فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار]][6]

قال الشاطبي في الموافقات:

[[ فإن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما أيضا، فإن سيد البشر صلى الله عليه وسلم مع إعلامه بالوحي يجرى الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم وإن علم بواطن أحوالهم ولم يكن ذلك بمخرجة عن جريان الظواهر على ما جرت عليه]]

فمن كان أهلا لذلك الدعاء أو السب أو الجلد كان له عقوبه، والعقوبة في حد ذاتها إذا وقعت على مستحقيها كانت عدلاً وحقا وحاشاه g أن يوقع عقوبة على غير مستحقيها.

ثم إن أهل العلم قالوا أن هذا كله في حق المعين الذي تناوله اللفظ دون غيره، وأما ما وقع منه بطريق التعميم لغير معين حتى يشمل من لم يدرك زمنه  g  فقد ذهب بعض أهل العلم أن ذلك لا يشمله

وإن من كرم الله تبارك وتعالى لنبيه g ولامته أن جعل دعاء نبيه g على المسيئ رحمة له فكيف بالمحسن المتبع،

وما وقع منه g يدل على بشريته ، وأنه كغيره من الناس يغضب ولكن غضبه لا يخرجه عن الحق أو يدفعه إلى الحيف أو الظلم أو الاعتداء لذلك قال ((اللهم إن محمد بشر يغضب كما يغضب البشر ))

وغضبه g لا يقدح في عدلاته ولا يخرجه من مقام النبوة والرسالة.

وجاء في عون المعبود :

[[أن ما وقع من سبه ودعائه صلى الله عليه وسلم على أحد ونحوه، ليس بمقصود، بل هو مما جرت به العادة، فخاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه سبحانه ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمةوكفارةوقُربة، وطهورا وأجرا]]

ومعلوم أن لعن المسلم أو سبه أو شتمه حرام لقول النبي g:

[[لعن المؤمن كقتله]]

ولقوله g:[[إن اللعانين والطعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة]]

فكيف يحذرنا من الوقوع في ذلك ويقع هو فيه على وجه الحقيقة والجزاء وهذا لا يقع في ذهن إلا من انخرم عقله وانتكست فطرته .

وقد علمنا أن اللعن يقتضي الطرد والابعاد، وأن النبيg سئل ربه جل وعلا أن يحول سبه وشتمه يوم القيامة شفاعة وقربة، فكيف يستدل منتكس الفطرة على لحوق الظلم به g

وقد ذهب بعض أهل العلم أن سؤال النبي g من الله أن يحول سبه وشتمه يوم القيامة شفاعة وقربة إليه دليل أن النبي g قد يكون اطلع على عاقبة الملعون، ولذا طلب من الله ذلك.

قال ابن مفلح r :

[[فهذا يقتضي أنه كان يخاف أن يكون لعنه بما يحتاج أن يستدرك بما يقابله من الحسنات فإنه معصوم، والاستدراك بهذا الدعاء يدفع ما يخافه من إصابة دعائه لمن لا يستحقه، وإن كان باجتهاد، إذ هو باجتهاده الشرعي معصوم لأجل التأسي به]]

وقد طلب الصحابةjأن يدعو على المشركين مع استحقاقهم لذلك اللعن :

فعن ابي هريرة رضي الله عنه قال، قيل يا رسول الله ادع على المشركين ، قال :

[[إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً]][7]

هذا خلقه ورحمته مع المشركين المستحقين للدعاء، فكيف بمن آمن به وصدقه واتبعه وقتل في سبيل نصرة ما جاء به من الحق المبين .

قال المازري r :

[[ إن قيل كيف يدعو – صلى الله عليه وسلم – بدعوة على من ليس لها بأهل ؟ قيل المراد بقوله « ليس لها بأهل »  عندك في باطن أمره لا على ما يظهر مما يقتضيه حاله وجنايته حين دعائي عليه فكأنه يقول من كان باطن أمره عندك أنه ممن ترضى عنه فاجعل دعوتي عليه التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى حاله حينئذ طهورا وزكاة قال وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه ;لأنه – صلى الله عليه وسلم – كان متعبدا بالظواهر وحساب الناس في البواطن على الله]]

وهذا مبني على قول من قال إنه كان يجتهد في الأحكام ويحكم بما أدى إليه اجتهاده وأما من قال كان لا يحكم إلا بالوحي فلا يأتي منه هذا الجواب

ثم قال المازري :

[[فإن قيل فما معنى قوله وأغضب كما يغضب البشر فإن هذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب لا أنها على مقتضى الشرع فيعود السؤال فالجواب أنه يحتمل أنه أراد أن دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خير بين فعله له عقوبة للجاني أو تركه والزجر له بما سوى ذلك فيكون الغضب لله  تعالى  بعثه على لعنه أو جلده ولا يكون ذلك خارجا عن شرعه .

قال ويحتمل أن يكون ذلك خرج مخرج الإشفاق وتعليم أمته الخوف من تعدي حدود الله فكأنه أظهر الإشفاق من أن يكون الغضب يحمله على زيادة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما وقعت أو إشفاقا من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما زادت ويكون من الصغائر على قول من يجوزها أو يكون الزجر يحصل بدونها ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه فلا يكون في ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله وطلبا للاستجابة]]

وأشار القاضي عياض r إلى ترجيح هذا الاحتمال الأخير فقال:

[[ يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا منوي ولكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد للعتب لا على نية وقوع ذلك كقولهم عقرى حلقى وتربت يمينك فأشفق من موافقة أمثالها القدر فعاهد ربه ورغب إليه أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة]]

وهذا الاحتمال حسن إلا أنه يرد عليه قوله : [جلدته] فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه إذ لا يقع الجلد عن غير قصد وقد ساق الجميع مساقا واحدا إلا إن حمل على الجلدة الواحدة فيتجه ثم أبدى القاضي احتمالا آخر فقال :

[[  كان لا يقول ولا يفعل – صلى الله عليه وسلم – في حال غضبه إلا الحق لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفه وترك الإغضاء والصفح ويؤيده حديث عائشة رضي الله عنها :[[ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله]]

وهو في الصحيح قلت فعلى هذا فمعنى قوله:[[ ليس لها بأهل]] أي من جهة تعين التعجيل ]]

وعليه فإن الاستدلال بهذا الحديث الصحيح أوغيره من الأحاديث الضعيفة المهترءة المكذوبة، بجواز لحوق وصف الظلم أو الاعتداء في حق النبي g لا يخرج من مسلم عرف قدر النبيgومن ظن ذلك به فقد كفر بالله العظيم وخرج من ربقة الإسلام جملة فإن هذا الظن ازدراء بمقام النبوة الشريفة واستنقاص بصاحب الرسالة المنيفة

وتتمة للفائدة فقد ذكر أهل العلم أن هذا الدعاء خاص  بالنبي g

فقد روى الإمام مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:

[[ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ – لا أَدْرِي مَا هُوَ – فَأَغْضَبَاهُ ، فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا ، فَلَمَّا خَرَجَا قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَصَابَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا مَا أَصَابَهُ هَذَانِ . قَالَ : وَمَا ذَاكِ ؟ قَالَتْ : قُلْتُ : لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا . قَالَ : أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي ؟ قُلْتُ : اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا]]

وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

[[اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]]  [8]

فالمشارطة هنا خاصة به g وليس لأحد سواه، كما أنه جاء النهي الصريح عن سباب المسلم، كما عند البخاري ومسلم قوله g :

[[سباب المسلم فسوق وقتاله كفر]]

وقوله g كما عند الإمام أحمد :[[لعن المؤمن كَقَتْلِه]]

فدل ذلك على خصوصية النبي g

كتبنا ذلك نصرة لنبينا صلى الله عليه وسلم

فاللهم اكتب لنا أجرها واغفر لنا بها ونضر بها وجوهنا يو نلقاك

وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

——————————————-

بقلم الشيخ المجاهد :

بلال خريسات « أبو خديجة » – حفظه الله ورعاه –

الخميس 4 جمادى الأولى  1440  للهجرة  || 10 كانون الثاني  2018

——————————————-

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي


[1]       رواه البخاري

[2]       رواه البخاري.

[3]       أخرجه مسلم واللفظ له.

[4]       أخرجه مسلم واللفظ له .

[5]       أخرجه ابنُ أبي شَيبة وأحمد وأبو يعلى

[6]       متفق عليه .

[7]       رواه مسلم .

[8]       رواه البخاري ومسلم

التحميل