إصداراتالشيخ بلال خريساتمؤسسة بيان

بيان عمدة المحتج الخبيث في بعض الأحاديث – للشيخ المجاهد بلال خريسات ” أبو خديجة ” – ثبته الله –

شارك

بيان عمدة المحتج الخبيث في بعض الأحاديث – للشيخ المجاهد بلال خريسات ” أبو خديجة ” – ثبته الله –

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي ، ثم أما بعد :

يظن البعض أن النبي صلى الله عليه وسلم وبحكم أنه من البشر فإنه يقع في حقه الخطأ وما فوق ذلك من الظلم والاعتداء ويستدل على قوله ذلك بجملة من الاحاديث، مع أن هذا الظن في حد ذاته كفر أكبر مخرج من الملة، لكن حديثنا ينصب على نقض الشبهة التي يتعلق بها المحتج .

وقد ذكر الله تعالى حال هؤلاء في قوله سبحانه وتعالى ، فقال :

(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)

وهذا الزيغ هي تلك الخبيئة الخبيثة ولذلك جاء قوله  g :

[[فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم]] [1]

هذا حال المتشابه فيكف بالذي لم يثبت أصلا،

وأما الأحاديث المعتمد عليها المحتج بها فهذا نصها :

حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [2]إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، قَالَ مُحَمَّدٌ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

 « يَا جِبْرِيلُ  نَفْسِي قَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ « ، قَالَ جِبْرِيلُ : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى  وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى[3] ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِلالا أَنْ يُنَادِي بِالصَّلاةِ جَامِعَةً , فَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ,

فَصَلَّى بِالنَّاسِ ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ , فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ خَطَبَ خُطْبَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ , وَبَكَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، ثُمَّ قَالَ :

« أَيُّهَا النَّاسُ , أَيُّ نَبِيٍّ كُنْتُ لَكُمْ ؟ » فَقَالُوا : جَزَاكَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ خَيْرًا , فَلَقَدْ كُنْتَ لَنَا كَالأَبِ الرَّحِيمِ وَكَالأَخِ النَّاصِحِ الْمُشْفِقِ , أَدَّيْتَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَأَبْلَغْتَنَا وَحْيَهُ وَدَعَوْتَ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ , فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ ,

فَقَالَ لَهُمْ : « مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ , أَنَا أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِحَقِّي عَلَيْكُمْ , مَنْ كَانَتْ لَهُ قِبَلِي مَظْلَمَةً فَلْيَقُمْ فَلْيَقْتَصَّ مِنِّي » ، فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ ، فَنَاشَدَهُمُ الثَّانِيَةَ فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ ، فَنَاشَدَهُمُ الثَّالِثَةَ :

 « مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ , مِنْ كَانَتْ لَهُ قِبَلِي مَظْلَمَةٌ فَلْيَقُمْ فَلْيَقْتَصَّ مِنِّي قَبْلَ الْقِصَاصِ فِي الْقِيَامَةِ » ، فَقَامَ مِنْ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ شَيْخٌ كَبِيرٌ , يُقَالُ لَهُ : عُكَّاشَةُ , فَتَخَطَّى الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ :

فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي , لَوْلا أَنَّكَ نَاشَدْتَنَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى مَا كُنْتُ بِالَّذِي أَتَقَدَّمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْكَ ، كُنْتُ مَعَكَ فِي غَزَاةٍ , فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ , تَعَالَى , عَلَيْنَا وَنَصَرَ نَبِيَّهُ ، وَكُنَّا فِي الانْصِرَافِ حَاذَتْ نَاقَتِي نَاقَتَكَ ، فَنَزَلَتْ عَنِ النَّاقَةِ وَدَنَوْتُ مِنْكَ لأُقَبِّلَ فَخِذَكَ فَرَفَعْتُ الْقَضِيبَ فَضَرَبْتَ خَاصِرَتِي فَلا أَدْرِي أَكَانَ عَمْدًا مِنْكَ أَمْ أَرَدْتَ ضَرْبَ النَّاقَةِ ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أُعِيذُكَ بِجَلالِ اللَّهِ , أَنْ يَتَعَمَّدَكَ رَسُولُ اللَّهِ بِالضَّرْبِ ، يَا بِلالُ , انْطَلِقْ إِلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ , وَائْتِنِي بِالْقَضِيبِ الْمَمْشُوقِ » ،

فَخَرَجَ بِلالٌ مِنَ الْمَسْجِدِ وَيَدُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يُنَادِي هَذَا رَسُولُ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُعْطِي الْقِصَاصَ مِنْ نَفْسِهِ فَقَرَعَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ :

 يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ , نَاوِلِينِي الْقَضِيبَ الْمَمْشُوقَ , فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : يَا بِلالُ وَمَا يَصْنَعُ أَبِي بِالْقَضِيبِ وَلَيْسَ هَذَا يَوْمَ حَجٍّ وَلا يَوْمَ غَزْوَةٍ ,

فَقَالَ : يَا فَاطِمَةُ , مَا أَغْفَلَكِ عَمَّا فِيهِ أَبُوكِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُوَدِّعُ النَّاسَ وَيُفَارِقُ الدُّنْيَا وَيُعْطِي الْقِصَاصَ مِنْ نَفْسِهِ ,

فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : يَا بِلالُ وَمَنْ ذَا الَّذِي تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ يَا بِلالُ , أَذِّنْ فَقُلْ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ يَقُومَانِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَيَقْتَصُّ مِنْهُمَا وَلا يَدَعَانِهِ يَقْتَصُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،

فَدَخَلَ بِلالٌ الْمَسْجِدَ وَدَفَع الْقَضِيبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الْقَضِيبَ إِلَى عُكَّاشَةَ ، فَلَمَّا نَظَرَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إِلَى ذَلِكَ قَامَا ، فَقَالا : يَا عُكَّاشَةُ , هَذَانِ نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَاقْتَصَّ مِنَّا وَلا تَقْتَصَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ,

فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « امْضِ يَا أَبَا بَكْرٍ وَأَنْتَ يَا عُمَرُ , فَامْضِ فَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ مَكَانَكُمَا وَمَقَامَكُمَا » ، فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ , فَقَالَ : يَا عُكَّاشَةُ , أَنَا فِي الْحَيَاةِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ تَضْرِبَ رَسُولَ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهَذَا ظَهْرِي وَبَطْنِي اقْتَصَّ مِنِّي وَاجْلِدْنِي مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَقْتَصَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ,

فَقَالَ النَّبِيُ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يَا عَلِيُّ , اقْعُدْ , فَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ مَقَامَكَ وَنِيَّتَكَ»، فَقَامَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ، فَقَالا :

يَا عُكَّاشَةُ , أَلَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّا سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَالْقِصَاصُ مَا كَالْقِصَاصِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « اقْعُدَا يَا قُرَّةَ عَيْنِي , وَلا يُنْسَى لَكُمَا هَذَا الْمَقَامُ » ،

 فَقَالَ النَّبِيُّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « اضْرِبْ إِنْ كُنْتَ ضَارِبًا » فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , ضَرَبْتَنِي وَأَنَا حَاسِرٌ عَنْ بَطْنِي ، فَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ وَصَاحَ الْمُسْلِمُونَ بِالْبُكَاءِ , وَقَالُوا: أَتَرَى عُكَّاشَةَ ضَارِبٌ رَسُولَ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟

 فَلَمَّا نَظَرَ عُكَّاشَةُ إِلَى بَيَاضِ بَطْنِ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَأَنَّهُ الْقُبَاطِيُّ , لَمْ يَمْلِكْ أَنْ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَ بَطْنَهُ وَهُوَ يَقُولُ : فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي , وَمَنْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْكَ ؟

 فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِمَّا أَنْ تَضْرِبَ وَإِمَّا أَنْ تَعْفُوَ » فَقَالَ : عَفَوْتُ عَنْكَ رَجَاءَ أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنِّي فِي الْقِيَامَةِ , فَقَالَ النَّبِيُّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا الشَّيْخِ » ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ فَجَعَلُوا يُقَبِّلُونَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْ عُكَّاشَةَ وَيَقُولُونَ : طُوبَاكَ طُوبَاكَ , نِلْتَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَمُرَافَقَةِ النَّبِيِّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

ونحن هنا ننقل أقوال أهل العلم في بيان درجة صحة هذا الحديث .

فقد روى هذا الحديث الطويل الإمام الطبراني في «المعجم الكبير» (3/58) وعنه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (4/74) ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (1/295)

قال : حدثنا محمد بن أحمد بن البراء ثنا عبد المنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه عن وهب بن منبه : عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما به .

قال الهيثمي بعد إيراده هذا الحديث (8/605) :

« رواه الطبراني ، وفيه عبد المنعم بن إدريس : وهو كذاب وضاع » انتهى .

وقال ابن الجوزي في «الموضوعات» (1/301) :

« هذا حديث موضوع محال ، كافأ الله من وضعه ، وقبَّح من يشين الشريعة بمثل هذا التخليط البارد ، والكلام الذى لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم ولا بالصحابة .

والمتهم به عبد المنعم بن إدريس : قال أحمد بن حنبل : كان يكذب على وهب. وقال يحيى : كذاب خبيث . وقال ابن المدينى وأبو داود : ليس بثقة . وقال ابن حبان : لا يحل الاحتجاج به . وقال الدارقطني : هو وأبوه متروكان .» انتهى .

وكذا ذكره في الموضوعات السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (1/257) وابن عراق في «تنزيه الشريعة» (1/330) والشوكاني في «الفوائد المجموعة» (324)

وقد احتوى هذا الحديث المكذوب جملا من الأمور :

1- فيه ذكر قصة وفاته صلى الله عليه وسلم واستئذان ملك الموت عليه ، وذكر تفاصيل غير ثابتة في تلك الحادثة العظيمة ، ومن المعلوم لدى أهل العلم أن قصة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أكثر المواضيع التي كذب فيها الكذابون ، وتناقل الناس فيها أشياء لا تثبت .

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله «البداية والنهاية» (5/256) :

« وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارًا كثيرةً فيها نكارات وغرابة شديدة، أضربنا عن أكثرها صفحا لضعف أسانيدها ، ونكارة متونها ، ولا سِيَّما ما يورده كثير من القُصَّاص المتأخرين وغيرهم ، فكثير منه موضوع لا محالة ، وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غُنيةٌ عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده ، والله أعلم » انتهى .

ولم يصح في استئذان ملك الموت على النبي صلى الله عليه وسلم لقبض روحه أي حديث وأي خبر ، وكل ما ورد في ذلك إما منكر أو موضوع ،

2- أما قصة طلب عكاشة القصاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء ما يشبهها من طريق صحيح ؛ لكن فيها أن الذي طلب القصاص هو أسيد بن حضير رضي الله عنه ، فقد روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ :

( بَيْنَمَا هُوَ – يعني أسيد بن حضير – يُحَدِّثُ الْقَوْمَ – وَكَانَ فِيهِ مِزَاحٌ – بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ ، فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ . فَقَالَ : أَصْبِرْنِي. فَقَالَ : اصْطَبِرْ . قَالَ : إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ . فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَمِيصِهِ ، فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ ، قَالَ : إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ) [4]

وهذا الحديث سنده صحيح ، صححه الحاكم وكذا الذهبي ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود .

جاء في «عون المعبود» (14/90) :

« ( فطعنه النبي صلى الله عليه و سلم ) أي ضربه على سبيل المزاح ( فقال ) أي أسيد ( أصبرني ) أي : أقدرني ومكني من استيفاء القصاص حتى أطعن في خاصرتك كما طعنت في خاصرتي . ( اصطبر ) أي : استوف القصاص .

( فاحتضنه ) أي اعتنقه وأخذه في حضنه وهو ما دون الإبط إلى الكشح .

( وجعل يقبل كشحه ) هو ما بين الخاصرة إلى الضلع الأقصر من أضلاع الجنب.

( قال إنما أردت هذا ) أي : ما أردت بقولي أصبرني إلا هذا التقبيل ، وما أردت حقيقة القصاص » انتهى .

3- وفي الحديث جمل منكرة شنيعة :

منها : ( فإن أول من يصلي علي الرب عز وجل من فوق عرشه ) وهل يصلي الله على الناس صلاة الجنازة ؟! هذا من شنيع كذب الوضاعين .

ومنها قوله : ( فلما بلغ الروح الركبتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوه . فلما بلغ الروح السرة نادى النبي صلى الله عليه وسلم : واكرباه . فلما بلغ الروح إلى الثندؤة نادى النبي صلى الله عليه وسلم : يا جبريل ! ما أشد مرارة الموت )

ووجه النكارة أن فيه إشعارا بتسخط النبي صلى الله عليه وسلم وجزعه عند الموت ، وحاشاه من ذلك .

ومنها قوله : ( فكبرنا بتكبير جبريل عليه السلام ، وصلينا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة جبريل عليه السلام ) ولا يعرف أن الملائكة تؤم المسلمين وتصلي بهم ، إنما هذا من منكر ما يرويه الرواة المتهمون .

*                *                  *

أما الحديث الثاني الذي يستند إليه المحتج فهو حديث سواد بن غزيه رضي الله عنه : قال الألباني رحمه الله في « السلسلة الصحيحة » 6 / 808 : 2835 – « استو يا سواد! » .

أخرجه ابن إسحاق في « السيرة » ( 2 / 266 – سيرة ابن هشام ) و من طريقه أبو نعيم في « معرفة الصحابة » ( ق 303 / 1 ) و ابن الأثير في « أسد الغابة »( 2/332 )

قال ابن إسحاق : و حدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه :

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ، و في يده قدح يعدل به القوم ، فمر بسواد بن غزية – حليف بني عدي بن النجار – و هو مستنتل من الصف ، فطعن في بطنه بالقدح ، و قال : « استو يا سواد » ، فقال : يا رسول الله! أوجعتني و قد بعثك الله بالحق و العدل ، فأقدني .

قال : فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ، و قال : « استقد» ، قال: فاعتنقه فقبل بطنه ، فقال: « ما حملك على هذا يا سواد ؟ »  قال : يا رسول الله ! حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك : أن يمس جلدي جلدك ! فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير و قال له : فذكره .

قلت : و هذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى لأن الأشياخ من قوم حبان من الأنصار ، فإن كانوا من الصحابة فلا إشكال ، و إن كانوا من التابعين فهم من كبارهم ، لأن حبان تابعي من الخامسة عند الحافظ ، و هم جمع لا يضر جهالتهم كما هو معروف عند أهل العلم . و روايتهم لهذه القصة تدل على أنها كانت مشهورة عندهم ، متداولة بينهم .

و قد ذكر لها الحافظ في « الإصابة » شاهدا من مرسل جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخطى بعرجون ، فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري .. فذكر القصة .

قلت : و أخرجها ابن سعد في ترجمة سواد بن غزية ( 3 / 516 – 517 ) بسند صحيح عن الحسن مرسلا بلفظ : « رأى سواد بن عمرو ..» قال ابن سعد : هكذا قال إسماعيل . يعني ابن علية .

و مال الحافظ إلى تعدد القصة والله أعلم

سنن النسائي )

4773 أخبرنا وهب بن بيان قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله عن عبيدة بن مسافع عن أبي سعيد الخدري قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئا أقبل رجل فأكب عليه فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه فخرج الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعال فاستقد قال بل قد عفوت يا رسول الله .

تحقيق الألباني :

ضعيف تيسير الانتفاع // ، ضعيف أبي داود ( 979 / 4536 )

اخرجه ابو داود والنسائي عن ابي سعيد بينا رسول الله يقسم شيئا اقبل رجل فأكب عليه فطعنه بعرجون فجرحه فقال رسول الله تعالى فاستقد فقال بل عفوت يا رسول الله

واخرج البيهقي في الجنايات من سننه في باب الامام اذا قتل او جرح من جهة مالك عن ابي النضر وغيره أخبروه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم رأى رجلا متخلفا ، فطعنه بقدح كان في يده ، ثم قال : ألم أنهكم عن مثل هذا ؟ فقال الرجل : يا رسول اللَّه ؟ إن اللَّه قد بعثك بالحق ، وإنك قد عقرتني ، فألقى إليه القدح ، وقال: استقد ، فقال الرجل : إنك طعنتني ، وليس علي ثوب وعليك قميص ، فكشف له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن بطنه ، فأكب عليه الرجل فقبله

هذا منقطع ثم اسنده البيهقي من جهة الكديمي وهو ضعيف

واخرج البيهقي ايضا عن جرير الصبي عن حصين عن عبد الرحمن بن ابي ليلى عن ابيه قال :

كان أسيد بن حضير رجلا ضاحكا مليحا ، فبينا هو عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يحدث القوم ويضحكهم ، فطعن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بأصبعه في خاصرته ، فقال : أوجعتني قال : فاقتص ، قال : يا رسول اللَّه إن عليك قميصا ولم يكن علي قميص ؟ قال : فرفع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قميصه ، قال: فاحتضنه ، ثم جعل يقبل كشحه ، فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه ، أردت هذا،قال الذهبي في مختصره اسناده قوي

اللآلي المنثورة في الأحاديث المشهورة ج:1 ص:176 ط المكتب الاسلامي

وقد فند علماؤنا الأجلاء وجه الدلالة في حديث سواد رضي الله عنه وحديث أسيد رضي الله عنه وأن ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم هو حقه في التعليم والتأديب اتجاه أصحابه رضوان الله عليهم وأنه لا دلالة فيه البتة لمن ظن غير ذلك

اللهم صلي وسلم على نبينا محمد صلاة ترضى بها عنا

وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

——————————————-

بقلم الشيخ المجاهد :بلال خريسات « أبو خديجة » – حفظه الله ورعاه –

الخميس 5 جمادى الأولى  1440  للهجرة  || 10 كانون الثاني  2019

——————————————- مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي


[1]       رواه البخاري واللفظ له.

[2]       سورة النصر آية 1

[3]       سورة الضحى آية 4-5

[4]       رواه أبو داود (5224) ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى»(7/102) ، ورواه الطبراني في «المعجم الكبير» (1/205) والحاكم في «المستدرك»(3/327) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (9/76) .

التحميل