إصدارات

المشكلة في الشام والحل

شارك

المشكلة في الشام والحل

السؤال: ماذا يجري في ساحة الشام الجهادية؟
الجواب: اختلاف ومطالبات بالقضاء للفصل في مسائل عالقة.
السؤال: هل الأطراف المختلفة مجاهدة؟
الجواب: نعم، ولا مزاودة على جهاد كل منها، سواء هيئة تحرير الشام وسواء حراس الدين، بل كلاهما خرج من جماعة واحدة، وكانا بالأمس يعلنان معا ذات المبادئ ويشيدان معا بنفس القيادات ولكن الاستراتيجية للجماعتين اختلفت حين قررت الهيئة أن تنفصل وتمضي في مسارها الخاص الذي تدافع عنه، وكذلك بقيت حراس الدين على نهج الجماعة الأول الذي تدافع عنه.
السؤال: هل مطالبات قيادة الحراس معتبرة؟
الجواب: نعم، هي معتبرة من جانبين
الأول :
أنها تطالب بتدخل أهل العلم لحل الخلاف، فالمطالبة شرعية وحق والأسئلة التي تطرحها الجماعة خطيرة وتتطلب الرد.
وثانيـا:
أن الساحة تشوبها الريبة والضبابية وكثرة الاتهامات والتراشقات وما تقوم به الهيئة هو مجرد اتباع لبنود اتفاقيات دولية كاتفاق سوتشي، الذي لم يجعل إلا لأجل مصلحة النظام النصيري، وعلى الهيئة اليوم أن تتحمل مسؤولية تجلية هذه الضبابية والرد بما يليق بها كجماعة جهادية على جميع المجاهدين في الساحة والجماهير المتابعة، حول كل ما يُثار حولها من أسئلة،
وليكن للهيئة القدوة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معتكفًا، فأتيته أزوره ليلاً فحدّثته، ثم قمتُ فانقلبت، فقام معي ليقلبني -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد رضي الله عنهما-، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي -صلى الله عليه وسلم- أسرعا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( على رسلكما، إنها صفية بنت حيي ) ، فقالا: سبحان الله يا رسول الله!، فقال: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يَقذف في قلوبكما سوءا -أو قال شيئا- ) ». متفق عليه، واللفظ للبخاري.
فلتنتشل الهيئة جموع المجاهدين من بحر الريبة والشك بل والإنكار الذي فيه بينة، فقد أرهقت القلوب المجاهدة بسياسات لم ينزل الله بها من سلطان، إنما هي سياسات وصفت لدى الصف الجهادي ولدى العوام والصحفيين والمراقبين بشبه إجماع على أنها «براجماتية» وهذه الصفة لا تستند على الشرع بل تستند على الأهواء وهو ما يخالف منهج السلف الصالح.
ثم ليس من الحكمة أن يرد على مثل مقام قيادة حراس الدين، بما فيها من مجاهدين كانوا بالأمس إخوة وأعمدة في جبهة النصرة التي انطلقت على أساسها الهيئة، بتغريدات من شرعيين ومناصرين، تتهمهم بالكذب كرد على هذه المطالب.
بل هذا ما يجعل من صورة هيئة تحرير الشام سيئة وسمعتها أسوء، فكيف تعيد تخريج ما أخرجه الدواعش بالأمس، حين تبرؤوا من كل من كان معهم في الصف واستهزؤوا به وكذّبوه وحقروه وسفهوه ثم انتهى الأمر بتكفيره وقتاله.
باعتبار أنفسهم أصحاب الدولة والبقية رعاع!!
فمرض الدعشنة ليس مقتصرا على الغلاة بل هو مرض يصيب كل من حسب الحق معه وأن له الصلاحية في فعل ما يريد وقتما يريد وكيفما يريد دون أدنى اعتراض ومن يعترض عليه ولو ببينة وحق، فالجواب عليه الإسقاط ولا كرامة!
هذه هي الدعشنة في الواقع وليست محصورة في الغلو فقط بل انحراف كبير في طريقة التعامل مع المواقف والمسائل يقودها الغلو أو الإرجاء أو أي تفكير. يعتمد مبدأ (ما أريكم إلا ما أرى).
لابد من وقفة اتزان هنا ومن ضبط لما يدور في الساحة الإعلامية في كلا الجانبين، سواء الهيئة أو حراس الدين، وعلى القيادة أن تتعامل مع الأمر بجدية، فلا يؤخذ بتراشقات المناصرين العاطفية بل ينظر في البيانات الرسمية، لأنها الأساس، الذي يستند عليه.
ولهذا فكما أصدرت قيادة الحراس بيانا، على قيادة الهيئة أن تصدر بيانا آخر، يرد عليه بما شاءت، فلن يكون إلا في سجل أعمالها أمام الله سبحانه ثم المؤمنين.
سؤال: لماذا مطالبات حراس الدين خطيرة؟
الجواب:
خطيرة لأن الجهاد في الشام ليس حكرا على جماعة، فقد سالت فيه دماء من كل الأطراف، ولا يمكن لفصيل أو جماعة أن تستفرد فيه بالرأي دون مشورة لأهل الجهاد فيه، وإننا نشاهد اليوم بعد ما كان الجهاد في وقت جبهة النصرة متألقا يضرب طولا وعرضا في سوريا، وتخشاه النصيرية في قلب دمشق ، نراه تراجع كثيرا واكتفى بالحفاظ على مكتسبات لن تدوم، مرتبط ارتباطا وثيقا برضا الأتراك أو سخطهم، وهو ما يجعل الجهاد الشامي في خطر كبير،
ثم المضي في تنفيذ بنود الاتفاقيات الدولية مصيبة وكارثة لأنها صيغت خصيصا لإنقاذ النصيرية وتثبيت حكمهم، ومن له أدنى اعتراض فلينظر في المشهد اليوم، أكبر منتصر فيه هو النظام النصيري!
لماذا؟ لأن مسايرة القوم واتباعهم في اتفاقياتهم هو الوأد للحركة الجهادية وهو تحقيق مراد الغرب الكافر.
لابد أن تبقى الحركة الجهادية خارج مسار النظام الدولي إن أرادت أن تنتصر تماما كما بقيت إمارة أفغانستان الإسلامية خارجه حتى أجبرتهم على النزول لطلباتها ومشروعها.

إن الجهاد استراتيجية وتخطيط ولكن قبله اتباع لشريعة الله، وفقه الجهاد، ولا يمكن أن نجتهد فيه بما يخلّ بأسسه وقواعده الشرعية، ومن حق كل مجاهد أن يستنكر أو يستفسر وهو ما يحصل اليوم في الشام.
نذكر الأطراف جميعا أن الأمة ترمقكم ومن خلف المشهد أعداء كثر يتربصون بكم الداوئر يرجون هلاككم جميعا دون تفريق، هذه لوحدها كافية لأن تجمع سواعدكم للخير، وأن تؤلف بين قلوبكم،
وإن نشر ما يوغر الصدور في مثل هذا المقام ليس من الحكمة في شيء، بل إننا نشد على أيدي المجاهدين في كل الفصائل والجماعات، من خرج ابتغاء مرضاة الله أن يتوحدوا ويصطفوا كالصف الواحد متراصين في سبيل الله، وبعدها لا تسأل عن تأييد الله لجنده ونصره لهم.
نحن لا ننتصر بذكائنا وتخطيطنا بل ننتصر باتباعنا لشرع ربنا وخشيتنا منه
لسنا هنا بصدد التذكير بأبجديات الفقه الجهادي ولكننا نذكر الأطراف جميعا في الشام بتقوى الله، وألا يتكرر سيناريو الدعشنة السابق،
ولا يختلف عاقلان ولا عالمان اليوم في أن الخلاف لن يحسم إلا بالفصل في محكمة مستقلة محايدة يحكم فيها الشيوخ العلماء.
ولي هنا وقفة: فكما اقترحت قيادة حراس الدين شيوخا وعلماء للحكم في هذه النازلة، فمن حق الهيئة أن تقبل منهم من شاءت وترفض من شاءت حتى لا يكون في القلب شيء.
ولا نشك أن من الأسماء التي عرضت من قبل قيادة الحراس من يتفق عليه الطرفان بلا أدنى جدال، ولهذا فتقريب المسافات يكون بخطوة أخرى من الهيئة للأمام بإعلان أسماء الشيوخ الذين ارتضتهم حكما، ولها الحق أيضا أن تقترح شيوخا تنظر فيهم قيادة الحراس هي الأخرى إن كانت تقبل بتحكيمهم، ثم ما يتفق عليه من أسماء كقضاة يعلن عنه وتنطلق المحكمة بما يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
غير هذا فله عواقب وخيمة على الساحة، ولن يكون هناك منتصر مهما بلغت قوته من مبلغ بل سيتأذى الجميع لأن الخلاف والنزاع يعني دخول العدو وانتصاره.
نخاطب العقلاء في الشام أن يتدخلوا في هذا المصاب، وأن ينظفوا المشهد من كل ما يشوبه من ريبة وسوء ظن ومن تشويش العواطف والمناصرة العمياء، زنوا المطالب بميزان الشريعة لا نرضى بغيره ميزان، ودعونا من التبريرات العقيمة كرد المطالب بالاتهامات والتسفيه والتحقير أو التغافل والتغاضي فإنما هذا الجواب في نظر العقلاء إقرار بالجريمة.
الشام عقر دار المؤمنين وستبقى كذلك رغم أنف كل ظالم وكافر
فكونوا على قدر هذه المسؤولية، واتقوا الله في هذا الجهاد، وإن اختلفت الاستراتيجيات فلا يختلف مسلمان مجاهدان في حدود شرع الله وما تبيحه الشريعة الإسلامية في مثل هذه المواقف، وهذا الأمر يحكم فيه أهل العلم وليس المناصرين ولا حتى الشرعيين الذين للأسف زادوا الطين بلة وهي الظاهرة التي لم تعتدها الساحة الجهادية من قبل، أن تحمل راية المناصرة يد الشرعيين فيصبح اختصاصهم التبرير والترقيع لا الدعوة للحق وشريعة الله!
وإن صح التعبير فهؤلاء الشرعيين الذين أصبحت وظيفتهم مجرد تقديم تبريرات لكل موقف للجماعة هم مناصرين «مطبلين» لا أقل ولا أكثر، والشرعي في الأصل هو من يناصر شرع الله لا شرع الجماعة، وهو من يقف بخشية عند كل كلمة تصدر منه. فيغلب الإنصاف على أقواله ويترفع عما يسيء لخلقه وتقواه.
وهذه مسألة أخرى تحتاج لضبط في الساحة الشامية وحلها يكون بأن يقوّم أهل العلم هذه الردود وتحاسب القيادة على التمادي والاعتداء من قبل الشرعيين.
إلى هنا نقف، عن وصف المشهد، وإن كل عاقل عليه أن يدرك بأن الحل الأخير لهذه المشاكل في الشام هو القبول بمحكمة شرعية، يحكم فيها أهل العلم والفضل ممن يرضاه الطرفان بلا جدال.
ثم لا يقف الأمر عند قرار المحكمة بل أيضا في الرضا بما تفرضه هذه المحكمة من قرارات، حتى تسكن النفوس ويحق الحق والعدالة.
وإلى أن نرى ردا يليق بحجم المصاب، نرجو من هيئة تحرير الشام أن ترد رسميا على مطلب قيادة الحراس ومطالب كل من أيّد بيان الحراس، وأن تعلن عن أسماء الشيوخ الذين ترتضيهم للقضاء في هذه المسائل الحرجة ثم البقية في يد هؤلاء الشيوخ العلماء.
فاللهم اهدي المجاهدين في الشام لما تحب وترضى واقض بينهم بالحق، ووحد صفوفهم وألّف بين قلوبهم وأخرج من بين أظهرهم كل فاسد أو ظالم أو مرجف، إنك مولاهم وناصرهم سبحانك لا إله إلا أنت.
عليه نتوكل وبه نستعين. اللهم افتح على عبادك العلماء والمجاهدين وأقر أعين المسلمين.
( ️/مسيرة الصمود «قناديل من نور»/ )
30 جمادى الأولى ١٤٤٠ للهجرة الموافق ل ٥ شباط  ٢٠١٩


التحميل