الشيخ أبو محمد المقدسي

من ذاكرة أفغانستان ترجمة موجزة وتعريف لطيف بالدكتور المجاهد/أحمد بو عمرة الجزائري رحمه الله حيا كان أو ميتا للشيخ أبو محمّد المقدسي – حفظه الله –

شارك

من ذاكرة أفغانستان

ترجمة موجزة وتعريف لطيف
بالدكتور المجاهد/أحمد بو عمرة الجزائري
رحمه الله حيا كان أو ميتا

كنت قد شرعت في خطبة الجمعة في (بيت الغرباء) في بيشاور ؛ولم أكن بعد قد أتممت خطبة الحاجة فيها؛حين دخل أحد الشباب من المجاهدين القدماء في الجهاد الأفغاني وقد بدا على وجهه الإرتباك؛وتجاوز المصلين ليهمس في أذني وأنا أخطب بكلمات:

(لقد قتل قبل دقائق عبد الله عزام وولداه؛فاختصر كي يأخذ الإخوة حيطتهم فقد يستهدفون!)


كان الخبر مفاجئا ومُربكا لي ؛وتسبب ببلبلة أفكاري مما اضطرني لاختصار الخطبة وإقامة الصلاة،فقد كان هذا الجمع مغضوبا عليه في بيشاور؛لجرأتهم على انتقاد انحرافات قادة وأحزاب الجهاد الأفغاني بعد تبصرهم فيهم؛ بعد طول مشاركتهم في الجهاد؛وقد يُلصق بعض المفترين مثل هذه الجريمة ببعضهم؛ لخلافهم مع الشيخ عبد الله عزام في مدحه لرئيس باكستان ضياء الحق؛ وتزكيته لعموم القادة الأفغان آنذاك؛والمخابرات الباكستانية بالأصل كانت تطلب وتطارد بعضهم؛فهي فرصة ملائمة لها للتلفيق؛وساحة بيشاور آنذاك كانت مبلبلة لا يعرف المرء متى يُعتقل فيها؛ ومتى يُطارد بل ومتى يُقتل؟


بعد انتهاء الخطبة وإخبار الشباب بالخبر قاموا سريعا باحتياطاتهم اللازمة من نقل السلاح من البيت؛وخروج البعض منه؛وتأمينهم في مكان أنسب ،فيما أصر الدكتور أحمد بوعمرة على البقاء في البيت؛رغم أنه كان أكثر أهل هذا البيت تهديدا من هذه المخاطر.


فيما ذهبت أنا لزيارة أمير بيت الأنصار آنذاك لاستطلاع الأخبار؛وكان صديقا لي واسمه أبو مصعب(جزراوي) وحين دخلت عليه في غرفة الإدارة وجدته حزينا على مقتل الشيخ؛ ولما رآني ازداد حزنه؛ وقال:(ياليتني لم أذكر لك ما قاله الشيخ عبد الله عزام عنك قبل أيام)
فهدأت من روعه وقلت له:اصبر؛ فإن كان الشيخ يطلب الشهادة فقد نالها إن شاء الله ،وأما ما نقلته لي من مقالته عني فلا تحزن ولا تندم عليه؛لأنني لم أعبأ بها؛ولم توغر صدري عليه؛فقد تعوّدنا أن يقول عنا مخالفونا مثل هذا الكلام؛ولم نعد نكترث بمثله؛خصوصا حين يأتي كلامهم هذا بسبب نصرتنا #للتوحيد


وذلك أن الشيخ كان في مجلس لبعض القيادات حضره أبو مصعب هذا؛فذكرت الجماعات التكفيرية في بيشاور وما ينشرونه ويتسببون به من بلابل؛ فقال الشيخ عبدالله عزام وقتها:لقد جاءنا شيخهم قديما في معسكر صدى وعمل لنا بلبلة..(يقصد النقاش الذي دار بيني وبينه في مسجد المعسكر أمام المصلين؛ حول طلب السكوت عن شركيات بعض الأفغان؛ في أول مجيء لي لأفغانستان)
فقال له الأخ أبو مصعب : ( لا ياشيخ؛هذا ليس شيخا للتكفيريين؛ أنت لا تعرفه ؛هذا طالب علم نعرفه ويدرس في معسكراتنا)
فكأنّ أبا مصعب ندم على أن نقل لي هذه الحادثة؛بعد مقتل الشيخ؛ وخشي أن يوغر صدري على الشيخ ؛فقلت له ما قلت من عدم التفاتي إلى ذلك ،فقد تعوّدنا على رمينا بتهمة الغلو والتكفير منذ أن اخترنا دعوة #التوحيد ؛ولزمناها ولم نتنازل عنها أو نبدل فيها ولله الحمد؛ونعلم أن هذه التهمة هي بعض تكاليف هذه الطريق؛سبقنا بالتعرض لها مَنْ هم خير منا من أئمة هذا الدين؛وإنا على دربهم إن شاء الله سائرون.


وممن رموا بهذه التهمة أيضا وبُهتوا بها؛


الدكتور أحمد بو عمرة الجزائري ؛والعجيب أن بعض من يبهته بذلك اليوم؛كان لايزال صبيا يحبو ويسيل مخاطه؛ حين كان الدكتور أحمد يمضي سنواته الخمس في الصفوف الأولى بجبهات القتال في أفغانستان.


فهو طبيب جراح من قدامى المجاهدين العرب في أفغانستان؛شارك لخمس سنوات متصلة في الجهاد الأفغاني أيام الوجود الروسي فيها؛ وكان في الجبهات الأولى يحمل سلاحه ويعالج المصابين،ويجري العمليات الجراحية اللازمة للمجاهدين في عمق أفغانستان،وكان له الفضل في المساهمة عمليا في تأسيس مستشفى الهلال الكويتي مع أطباء أفاضل آخرين في بيشاور آنذاك؛والذي كان يتعالج فيه المجاهدون والمهاجرون،


وغالبا ما كان يتبرع براتبه للمحتاجين من المجاهدين والمهاجرين ؛وبعد خمس سنوات من مشاركته في الجهاد الأفغاني ترك جبهات الجهاد الأمامية ؛في أفغانستان بعدما وصل إلى مُحصلة ونتيجة راسخة وواضحة بفساد قادة الأحزاب الافغانية ؛


وتيقّن من أنهم دجالون يتسلقون على جماجم الشهداء ليقيموا دولتهم الديمقراطية المسخ؛وأن غايتهم هي تبديل الطاغوت الشيوعي البالي نجيب؛بطاغوت ديمقراطي جديد؛وكان يتابع تصريحاتهم عن ذلك؛وعن أخوّتهم لبعض طواغيت العرب والعجم ،فجمع لهم ملفات خاصة بتصريحاتهم وكلامهم وانحرافاتهم التي تناقض #التوحيد؛


فكان كل ما يقوله فيهم موثقا من تصريحاتهم وخطاباتهم وكلامهم ؛ليريه لكل مجادل عنهم؛مغتر بهم؛فلا يقدر أحد اطلع على بيناته من مناقشته ورد حجته؛فقد كان قويّ الحجة؛ صريح المحجة؛تضلع من كتب ابن حزم رحمه الله ؛فكنت أرى فيه ابن حزم؛حين يحاجج خصومه بقوة وحزم.


فاتخذ قراره بترك المشاركة في القتال في أفغانستان آيام سيطرة الأحزاب الأفغانية على الجهاد؛ بعد خمس سنوات أمضاها في الصفوف الأولى في الجبهات؛وقرر التفرّغ لتبصير الشباب بفساد قادة تلك الأحزاب وانحرافهم عن #التوحيد وأنهم من لصوص التضحيات؛الذين يُغرّرون بالشباب ؛ويستغلون حماسهم للجهاد؛ليجعلوهم حطبا لمعاركهم ؛وسلما لمشاريعهم الخبيثة؛وصولا إلى دولتهم الديمقراطية؛


وكان من أوائل الناس وأبكرهم بصيرة في ذلك الواقع؛وأجرئهم على الصدع بعقيدته تحذيرا للشباب من الاغترار والانخداع باللصوص الملتحين الذين يتلاعبون بدمائهم؛
وبدأ يدعو #للتوحيد والبراءة من الطواغيت ؛فكان من أوائل أعماله؛أن طبع ونشر كتابي (ملة إبراهيم)الذي كنت قد أهديته مخطوطا منه حين حضرت لبيشاور أول مرة؛فلما طالعه أعجب به جدا ؛ولذلك كان واثقا من عدم سكوتي؛حين أخبرته عن قراري الذهاب إلى معسكر صدى(معسكر الشيخ عبد الله عزام)لأتدرب وأدخل لأفغانستان؛وقال لي يومها:(ستخرج بنفسك؛أو سيطردوك!)


وقد صدقت فراسته؛فخرجت بنفسي من المعسكر إلى أفغانستان؛بعد أن تيقنت من إصرار القوم على أخطائهم؛وصدق نظرة الدكتور أحمد في انحرافاتهم.


وأثناء نقاشي لعبدالله عزام؛في مسجد معسكره؛وسماعي لاتهام مقلدة الشيخ لي بأني عميل لروسيا؛وعدو للجهاد؛جئت لأخرّبه؛لمجرد أني أنكرت اشتراطهم السكوت عن الشركيات؛وبيّنت أنّ أعظم مصلحة في الوجود هي #التوحيد الذي جئنا نقاتل في سبيله؛لتكون كلمته هي العليا؛تذكرت ساعتها قول الدكتور أحمد لي:(ستخرج بنفسك أوسيطردوك) وقد تبين لكل ذي عينين بعد ذلك أنّ من خرّبوا الجهاد حقا؛هم من زكّوا العملاء ؛وغرّروا بالشباب؛فجعلوهم سلّما للمشاريع الديمقراطية والعلمانية؛تسلّق على أشلائهم لتحقيقها ؛كلّ مِن رباني وسياف وأمثالهم؛وكان سيكون معهم أحمد شاه مسعود؛لو لم تقطف رأسه إيدي مباركه..


كان الدكتور أحمد بعد تبصره هذا في الواقع الأفغاني آنذاك؛يستقبل الشباب القادم من بلاد العرب للجهاد ؛فيبصرهم بواقع الاحزاب الأفغانية أولا؛ويحذرهم من الإغترار بهم؛ثم يدعوهم إلى التدرب والرجوع لإحياء الجهاد في بلادهم؛فتأثر وتبصر بدعوته شباب كثيرون؛وكانت له مناظرات مع كثير من القادة العرب والأفغان؛ ومناظرات مع الغلاة الذين كانوا يكفرونه في بيشاور ؛ولذلك استهدف مرات عديدة بمحاولات القتل من قبل الغلاة ،ومحاولات الإعتقال من قبل المخابرات الباكستانية؛ومخابرات الأحزاب الأفغانية؛ وطورد لكلامه فيهم.


وكان صديقا للدكتور أيمن الظواهري والدكتور سيد إمام بحكم عملهم كأطباء ،وعلاقته بالدكتور الظواهري كانت طيبة ،وكان يضطر لاستدانة المال منه بعدما ترك العمل في العلاج بسبب مخاصمة الناس له؛ لتحذيره من القادة الأفغان؛


فكان الدكتور الظواهري يحترمه ويداينه..


ولما كثر دينه صار يستحيي من الاستدانة من جديد؛فعاش هو ومن معه من الشباب حياة تقشف لايجدون في كثير من الأحوال ما يسد جوعهم؛فقد حوربوا من أكثر الناس؛وطردوا من أكثر المضافات والمعسكرات؛وكانت زوجتي أم محمد رحمها الله تسعد حين أكون حاضرا في بيشاور فيأتيني الدكتور أحمد وبعض من معه؛لتكرمهم وتصنع لهم طعاما وتحتسب الأجر.
كان الدكتور أحمد سنيا على عقيدة أهل السنة والجماعة ؛ولم يكن على عقيدة الخوارج ؛ولا من يُسمون بالتكفيريين كما يرميه بذلك كثير من الكذابين؛


بل قد كان على خلاف شديد مع غلاة بيشاور الذين كفّروه إذ لم يوافقهم على غلوهم ،فلم يكن شابا حدثا تنطلي عليه شبهاتهم؛ بل كانت مطالعاته وقراءاته غزيره؛وكل من جالسه شبهه بابن حزم في تعظيمه للدليل؛ وشدته على المبتدعة ؛وقوته في المناظرة، وكان شديدا على الطواغيت ؛


ولذلك كان شديدا على من والاهم من قادة الأحزاب الأفغانية؛ وشديدا على علماء الحكومات،ومما نفر بعض الناس عنه؛وجعلهم يحاربونه ويفترون عليه ويزيدون؛تكفيره لبعض علماء الحكومات؛بعلة بيعتهم لطاغوت بلدهم ؛واعتباره ولي أمر للمسلمين؛ فكان يكفرهم لموالاتهم للطاغوت؛ فقد كان يرى أن البيعة من أخص خصائص التولي ،ومع ذلك فلم يكن الدكتور أحمد يكفر من خالفه في هذا؛كالدكتور أيمن حفظه الله؛ والعبد الفقير وغيرنا؛
فهو ليس على مذهب الغلاة في تكفير من لم يكفر الكافر دون تفصيل،ولذلك كفّره غلاة بيشاور لأنه كان لا يكفرني؛ ويصلي خلفي الجمعة في بيت (الغرباء)وهم أعني الغرباء أصحاب الدكتور؛نزاع من الأحزاب الأفغانية؛ ومن بعض جماعات العرب المتواجدة في بيشاور وأفغانستان ؛بعد تأثرهم بالدكتور أحمد ودعوته؛وتبصّرهم بانحرافات القادة الأفغان؛فنبذوا وخولفوا وأقصوا وحوربوا لأجل هذه المخالفة ؛


فآواهم الدكتور في هذا البيت الذي سمي ببيت الغرباء ؛والذي كنت أخطب فيه أحيانا؛وأرى صعوبة عيشهم وقلة ذات يدهم ؛ولما قرر أكثرهم العودة إلى بلادهم للدعوة والجهاد؛على نهج #التوحيد الذي تعلموه من الدكتور أحمد؛ لم يجد أكثرهم ثمن تذاكر السفر للرجوع؛ إلا بشق الأنفس..


وكان هذا أيضا حال الدكتور أحمد؛وقدّر الله بعد ذلك أني عدت إليهم بعد سنة؛ومعي ما كان ينتظره الدكتور أحمد على أحر من الجمر؛ ليختم به وجوده في ساحة بيشاور؛وهو كتاب(الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية)الذي كان الدكتور أحمد حريصا عليه؛وعلى طباعته ونشره؛ فكان هو أول من طبعه من نفقة تكفل بها بعض أحبابنا من الجزيرة؛فختم الدكتور أحمد بذلك رحلته وتجربته الأفغانية؛وذلك بتفجير آخر قنابله في بيشاور؛


وهي طباعة ونشر هذا الكتاب؛ الذي انتشر هناك؛ ودخل إلى أفغانستان؛ وعاد مع العائدين إلى بلدانهم..
وكان بعض ريع هذا الكتاب الذي وزع أكثره مجانا إغاظة لأعداء الله؛كان بعض ريعه هو ثمن تذكرة رجوع الدكتور من بيشاور إلى بلده؛فعاد خالي الوفاض من المال؛ولكنه غزير العلم والتجربة؛ يحمل بين جنبيه دعوة #التوحيد والجهاد.


وصادفت عودته وقت الحملة المسعورة للإنتخابات الجزائرية؛فطفق يناظر أصحابها ومؤيديها؛ويحذر من باطلها،ويدعو إلى تحقيق #التوحيد بالبراءة من الطواغيت؛والكفر بشرك الديمقراطية .
ولقوة حجته ؛ونشاطه في دعوته؛وغيظ مخالفيه منه ؛وعجزهم عن مقارعة حجته بالحجة؛فقد طعنوه في أحدى المناظرات غدرا من الخلف ،وما لبث أن عفا عمّن طعنه بعد أن أفاق من غيبوبته في المستشفى ؛فقد كان على شدته في الحق؛ طيب القلب؛ كريما رحيما بالمسلمين؛وقد اعتقل في الجزائر وسجن وابتلي؛وكان يعالج إخوانه السجناء في السجن..


ثم لا يُدرى الآن أين هو


فلازال يرد اسم الدكتور أحمد بو عمرة؛ ضمن لوائح المفقودين في الجزائر إلى اليوم.
اللهم ارحمه حيا كان أو ميتا


واحشرنا وإياه في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك؛واجمعنا في فردوسك الأعلى؛ إخواننا على سرر متقابلين.

الشيخ أبو محمّد المقدسي – حفظه الله –

لتحميل المقالة بشكل منسق pdf

التحميل

212.1 KB