الشيخ الدكتور طارق عبد الحليم

سلسلة في سبيل منهجية جديدة لإعداد شباب التمكين في ظل التجربة الشامية (1) د . طارق عبد الحليم

شارك

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

من أخطر الأمور على العمل الإسلاميّ الحركيّ اليوم هو من يتخذه الشباب المعنيّ بذلك العمل من رموز وعلماء، يرجعون اليهم في مسائل العلم وطلبه، وفي التوجيه الحركي ووسائله.

ذلك أن الشباب هم مادة المستقبل، التي يجب الإعتناء بها، وصيانتها من المخاطر الفكرية والحركية، وحسن صياغتها في قوالب سنية بحتة، لا تصفُ من البدع فحسب، بل وتعرف كيف يكون التمسك بالسنة، نظرياً وعملياً.

يجب أن يكون الشباب على علمٍ بكيفية التمييز بين الحق والباطل، فكم من حقٍ رُميَ بباطلٍ فانحرفت عنه الشباب. وكم من باطلٍ تزّين بلباس حق، فاجتمع حوله الشباب، وما ذلك إلا من تقصير العلماء في بيان كيفية الحكم على الأفكار والأشخاص والأحداث، الثلاثيّ، الذي أشار اليه مالك بن نبي، المفكر الجزائريّ. وهي نقطة ضعف خطيرة لدي الشباب اليوم.

فإن قدرات شباب الجيل على استيعاب المواقف المختلفة، ثم تحليلها لعناصرها الأولية، ثم إعادة تركيبها بعد تخليصها من الشوائب والزينة التي تحيط بها، تكاد تكون منعدمة. وهذا هو سبب ما نراه من ظواهر تتمثل في اتباع الكثير من العلماء، لكن هؤلاء الموجهون إما قليلي الغناء في صياغة العقل العلميّ أو الحركيّ، أو معدومه!
الشباب اليوم يسير بطريق في طلب العلم النظري، يكاد يكون منفصلاً عن الطريق الحركيّ، إلا في نقاط نادرة، تظهر عند الاستشهاد ببعض أدلة هنا أوهناك. لكنّ هذا ليس بمنهج يُربى عليه الشباب على الإطلاق، إن أردنا إصلاح الجيل وإعداده للمستقبل، بل وبعثه من تحت ركام الأزمات التي أحاطت به، خاصة في العقدين الأخيرين من الزمن.

ربما كانت المنهجية العلمية التي سادت في النصف الثاني من القرن السابق، لكنها تحتاج إلى مراجعة دقيقة لتربط العلم بالعمل، وأقصد بالعمل هنا «الحركة»، من حيث مفهوم «العمل»، لا يزال في عقول الشباب، بل وكثير من الشيوخ، مرتبط بالتعريفات النظرية التي طرحها السلف، في أضيق نطاق، مثل قولهم «الإيمان علمٌ وعمل» أو «إقتضاء العلم العمل»، وهم يعنون الشطر العباديّ من العمل، أي قيام الليل وحسن الخلق وكثرة التلاوة وسائر ما هو من قبيل العبادات.

ومعلومٌ سبب هذا القصر، أو التقصير الحاصل في فهم «العمل» إذ هو تابع لما شاع في المجتمع الإسلاميّ لعدة قرون سابقة، من تفرقة حادة بين العبادات والمعاملات، بين الفقه والحركة، من حيث أن تلك الأخيرة لم تكن مطلوبة أصلاً لوجود الدولة المركزية الإسلامية أولاً، ولانتشار المذهب الصوفي والأشعريّ ثانياً.

أما اليوم، فإنه يجب أن يُقدّم مفهوم «العمل» بشكل أكثر اتساعاً وشمولاً، يبدأ من أول خطوات تعليم التوحيد والإيمان، الذي هو الأول والأهم في تعليم أي جيل من الأجيال.

إن إعادة النظر في الطرق التي يُقدّم بها الإسلام، للشباب الناشئ، يجب أن تواكب تلك الأحداث التي مرت في الماضي القريب، والاستفادة من تجاربها، وإلا فقد ذهب

دماء الشباب عبثاً، سواءً في سوريا أو في ليبيا أو اليمن أو العرق أو غيرها من مواقع الصدام مع النظام العالميّ.

وباختصار، فإن المرادُ اليوم، هو ربط العلم الشرعيّ بالحركة الإسلامية، وهو ما فعلت ضده الحركات الإسلامية الكبرى المعاصرة، وأقصد بهما التيار الإخواني والتيار الجهاديّ، حيث اتحد كلاهما، على غير ما يظهر، آلية وتحقيق ربط العلم الشرعي والحركة الإسلامية.

فقد اتفق التياران على منهجية تقديم الحركة على العلم، ثم اختلفا في موضوع الحركة بعد ذلك. فرأت الإخوان أن تكون الحركة في إطار الأنظمة العلمانية، متواكبة معها، ورأى التيار الجهادي الصدام المباشر مع الأنظمة العالمية، من حيث هي صائلة في بلاده، تعيث قتلاً وفساداً في الأرض.

وقد اختلاف التياران في تقديم أهمية العلم «نظرياً». فالحركة الإخوانية، بمفهومها الواسع الشامل لكل من يسير على نهجهم كحركة النهضة أو ما شابه، لم يجعل للعلم نصيباً إلا أقله وأندره. لكن، كذلك فات الطرف الجهاديّ أن يربط ما يقدم من العلم بالواقع الحركيّ الجهاديّ، فكان سبباً في انهزام وسحق تلك الحركات الجهادية، بدءاُ من الحركة الإسلامية في مصر، إلى فصائل المقاومة في الشام، بفارق خمسين عاماً!
وحين أتحدث عن هذا الربط، فإنني أحمّل العلماء المهتمين بأمر العلم الشرعي والموجهين للحركة الإسلامية معا، أن ينظرا، بعين الخبرة والعلم، في هذا الذي أشرت اليه، والبدء في تطوير منهجيّ، يضع خطوطا عريضة واضحة، تحكم تحصيل العلم وربطه بالعمل الحركيّ، في تلازم متين، يضمن حسن تصرف القيادات الناشئة،

والعناصر التابعة، حتى لا تتكرر المأساة التي رأيناها في ساحة الشام على وجه الخصوص.

والأمر الذي أتحدث فيه هنا أمرُ جدٍّ لا هزل ولا هامشيّ، بل هو صلب مستقبل الحركة الإسلامية المستقبلية، والتي يجب أن تستفيد مما حدث، وأن يرعاها العلماء القادرون المتصدون لهذا الأمر.

والحق أن هؤلاء العلماء ذاتهم، يحتاجون إلى فترة تأمل وتفهم، وعودة للتجارب التي مرّ بها المسلمون في القرن الماضي، لا أن يظلوا سائرين على مناهجهم دون مراجعة أو إعادة هيكلية لمناهج تعليمهم ودوراتهم وشروحهم، لتكون شاملة لحصيلة تلك التجارب.

وشرح تلك الجمل السابقة يطول. فسنواصل الحديث عن الخطوط العريضة لتلك المنهجية إن شاء الله تعالى.

د طارق عبد الحليم
4 مارس 2019 – 28 جماد ثان 1440

لتحميل المقالة بشكل منسق pdf

التحميل

1.4 MB