الشيخ الدكتور طارق عبد الحليم

الخلاف بين المسلمين (معناه – أسبابه – نتائجه ) (الجزء الأول) د طارق عبد الحليم 5 مارس 2019 – 29 جماد ثان 1440

شارك

الخلاف بين المسلمين: (معناه – أسبابه – نتائجه )
(الجزء الأول)

(1)


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد
كتب الكثير من القدماء والمُحدثين في موضوع الخلاف أو الاختلاف. فهو موضوع مطروق لا نزعم أننا سنأتي فيه بجديد.
وكان أول من وضع كتاباً خاصاً في علم الخلاف هو الإمام أبو زيد الدبوسي الحنفي، وعنوانه «تأسيس النظر» وضعه على طريقة الأحناف في تناول ما يتصل بالأصول عامة، ونعني تناولها من خلال شرح ما يتعلق بها من الفروع.


فقد قسّم الدبوسي كتابه ثمانية أقسام، يحوى كلّ قسم ما اختلف بعض الإئمة مع بعضهم الآخر فيه. وهو كتاب صغير الحجم، لكنه عظيم النفع لمن أراد ربط الأصول بالفروع في مسائل الخلاف. والظاهر أن هناك كتاب سبق كتاب الدبوسيّ وإن لم يصل الينا، حيث أورد ابن تيمية رواية عن عن رجلٍ وضع كتاباً أسماه الخلاف، فقال له الإمام أحمد: بل سمّه السعة.
ومن أهم ما أُلِّف في هذا الموضوع هو كتاب «الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الإختلاف» للأمام ابن السيد. كما تحدث الإمام الشاطبيّ بإسهاب عن موضوع الخلاف في الكتاب الرابع من الموافقات.


كذلك كتب من بعده عديد من الإئمة، حيث تناولوا الخلاف من خلال حديثهم في موضوع الاجتهاد والتقليد في علم الأصول، كابن حزم والآمديّ. كما تحدث فيه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى في مواضع مختلفة، وأفرد كتابه العظيم الفائدة على صغره «رفع الملام عن الإئمة الأعلام» لهذا الموضوع. كما تحدث ولي الله الدهلوي في «حجة الله البالغة» في أمر الخلاف بشكل متسع.


أما المحدثون، فيصعب حصرهم، إذ كتب في موضوع الخلاف كثيرون، من أجلّهم د عبد الكريم زيدان في كتابه «الإختلاف في الشريعة الإسلامية»، والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في رسالة صغيرة أسماها «القواعد الذهبية في فقه الخلاف»، وغيرهم كثير ممن كتب أبحاثا ورسائل في هذا الموضوع.
كما كتب عدد من المحدثين في أثر الخلاف الواقع في الأصول، ككتاب د سعيد مصطفى الخن «أثر الإختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء» وهو دراسة وافية لنيل شهادة الدكتوراه، كما ذكر صاحبه في مقدمته.


لكننا نسعى إلى وضع موضوع الخلاف في قالبٍ أقرب لفهوم الشباب في واقعنا، وربطه بالواقع ما أمكن، حتى يكون مما يدرسه الشباب، فيقع منهم موقع الفهم والاستفادة بإذن الله.


(2)


من المعلوم من الدين بالضرورة، هو أن القرآن قد نزل، رافعاً للإختلاف، ومقيداً للخلاف. وقد وردت اللفظتين في القرآن.
قال تعالى «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ»آل عمران 105
وقال تعالى «إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ » النحل 124
وقال تعالى «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا» البقرة 253
كما قال تعالى في الخلاف، حكاية عن شعيب عليه السلام «وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ» هود 88
وقد اعتبر غالب الفقهاء والأصوليين أن اللفظتين مترادفتين. إلا إن لي رأي في هذا الأمر خلاصته أن هناك فرق بينهما وإن دقّ.


جاء في معجم المعاني: خالفَ /خالفَ عن يُخالف ، خِلافًا ومُخالفةً ، فهو مُخالِف ، والمفعول مُخالَف – للمتعدِّي، وخالف بين الشَّيئين : جعل الواحد ضدَّ الآخر ، جمع بين نوعين مختلفين ، لم يلائم بينهما
اخْتَلفَ ‏ الشيئان : لم يَتَّفِقا. سواء تضادا أم لا.


فكما أشار بعض من تناول هذا الفرق، يظهر أن الاختلاف أعم من الخلاف. فالاختلاف كلّ ما غاير المقابل، سواء بمضادة أو لا. أمّا الخلاف فيحمل ظل التضاد، وعلى هذا، فعلى سبيل المثال، تعبير ابن تيمية الشهير «اختلاف التنوع واختلاف التضاد» يمكن أن يكون، لو أردنا التخصيص «اختلاف التنوع وخلاف التضاد». لكن التعبير على ما هو عليه، صحيح من جانب صحة ذكر العام بدلا من الخاص لشمول الأول للثاني.
كذلك أشار أحد الباحثين، د سامي الأبارة، إلى فرق رأيته حسناً، وهو أن لفظ الخلاف أدق حين يأتي من أحد الأطراف التي جاءت باجتهاد مخالف للآخرين، كما في سورة هود عن شعيب عليه السلام، لا من الناظر من الخارج للرأيين، فيراها اختلافاً. والله تعالى أعلم
لكن هذا الأمر قد يكون اصطلاحيا، فلا مشاحة فيه على العموم.
وقد جاءت الشريعة رافعة للخلاف ودواعيه إجمالاً في الأصول، قال تعالى «وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)» النساء 91. وهذا في الأصول، كما قال الشاطبيّ “الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف كما أنها في أصولها كذلك ولا يصلح فيها غير ذلك”


(3)


والاختلاف واقعٌ بين الأمم بدليل الشرع والواقع، كما أنه واقع في أمة محمد شرعاً وواقعا كذلك. قال تعالى « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ »هود.
روى الطبريّ عن مجاهد :مختلفين هم أهل الباطل، من رحم ربك هم أهل الحق.
وروى ابن كثير عن قتادة « وقال قتادة : أهل رحمة الله أهل الجماعة ، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم ، وأهل معصيته أهل فرقة ، وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم». وما كان من الأمم البائدة كمدين ولقوم لوط وقوم صالح والمؤتفكة وغيرهم مما حكى عنهم القرآن، وما أمم النصارى واليهود والهندوس والبوذيين والمجوس إلا دليل على وقوع ذلك الإختلاف في الأديان. وهو اختلاف في قواعد البنيان الأصلية الذي تقوم عليها كلّ أمة، من حيث تصورها للخالق عز وجلّ، وعلاقته بالمخلوق، ودوره في الدنيا ومصيره بعد الموت. هذا على تأويل أن الاختلاف واقع بين أهل الأديان.


وفي الحديث الصحيح «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم
فقد يكون الاختلاف المشار اليه في الآية هو اختلاف في الدين أصلاً، أو قد يكون اختلافاً داخل الدين بين أهل السنة والجماعة (أهل الحق) وبين أهل الباطل وأهل الأهواء والبدع). قال الشاطبي في الاعتصام “وبين هذين الطريقين واسطة أدنى من الرتبة الأولى وأعلى من الرتبة الثانية ، وهي أن يقع الاتفاق في أصل الدين ، ويقع الاختلاف في بعض قواعده الكلية ، وهو المؤدي إلى التفرق شيعا . فيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف ، ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم : أن أمته تفترق على بضع وسبعين فرقة ، وأخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع ، وشمل ذلك الاختلاف الواقع في الأمم قبلنا، ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم بالنار ، وذلك بعيد من تمام الرحمة ».
أما الاختلاف الواقع بين مجتهدي الشريعة في فروعها فلا يقع تحت مدلول الآية ولا الأحاديث الوارد ذكرها أعلاه، كما يأتي بيانه إن شاء الله.


(4)


وللإختلاف الواقع بين المجتهدين، المفتين في الشريعة، أسبابٌ تقع تحت بابين رئيسين:
الخلاف الواقع بسبب الاختلاف في الحكم الشرعي: ولهذا أسباب سنتعرض لها بعد
الخلاف الواقع بسبب الاختلاف في مناط الحكم: ولهذا أسباب كذلك سنتعرض لها بعد إن شاء الله
وقبل أن نشرع في الحديث عن هذين البابين من الاختلاف، نود أن تفرق بين نوعين من الخلاف، يجريان في كلا البابين اللذين أشرنا اليهما، وهو الخلاف المُعتبر والخلاف غير المُعتبر.

خصائص الاختلاف المعتبر


أن يكون الخلاف بين مجتهدين، لا بين مجتهد وعاميّ، أو بين عاميين. وتعريف المجتهد معروف مشروح في كافة كتب الأصول، نأتي منه هنا على قدر يناسب المقام.


فالمجتهد هو من


(1) يملك من أدوات فهم الاستعمال العربي للألفاظ والتراكيب، وأنواعها والفرق بين منطوقها ومفهومها ودلالاتها، وحقيقها من مجازها.
(2) يكون عالماً بأصول الفقه ومقاصد الشارع في أحكامه، عارفاً بقواعد الشريعة العامة، الأصولية والفقهية، متمكن من النظر في الدليل واستخراج الحكم منه، ولا يكون هذا حتي يميز العام من الخاص والمطلق من المقيد، والمجمل والمبيّن والمفسّر، وسائر ما يلزم من معرفة قواعد الأصول وأقوال العلماء فيها.


وينضم إلى هذين الشرطين الأساسيين، أن يكون عارفا بمواضع الإجماع، والناسخ والمنسوخ.
لكن هل يلزم المجتهد أن يكون عالماً متخصصاً في كلّ باب من أبواب العلم، كأن يكون محدثا حافظا كالبخاريّ، وعالما باللغة كالخليل، وعالماً بالأصول كالشافعيّ، عالما بالسيرة كابن هشام، عالماً بالفرائض كعليّ رضي الله عنه.. وهلم جر؟ والجواب، لا، لا يلزم ذلك، من حيث أن هذا نادر الوضع، إن كان قد وقع أصلاً.


يقول الشاطبيّ «وقد حصل من هذه الجملة أنه لا يلزم المجتهد في الأحكام الشرعية أن يكون مجتهدا في كل علم يتعلق به الاجتهاد على الجملة بل الأمر ينقسم فإن كان ثم علم لا يمكن أن يحصل وصف الاجتهاد بكنهه إلا من طريقة فلا بد أن يكون من أهله حقيقة حتى يكون مجتهدا فيه وما سوى ذلك من العلوم فلا يلزم ذلك فيه وإن كان العلم به معينا فيه ولكن لا يخل التقليد فيه بحقيقة الاجتهاد” الموافقات ج4 ص109.


وقد زاد الغزالي على الشاطبيّ أمرين: العدالة وفن علم الحديث، لمنصب المجتهد، قال « ومعظم ذلك يشتمل عليه ثلاثة فنون علم الحديث وعلم اللغة وعلم أصول الفقه”
وقد شددّ الشاطبي والغزاليّ على علم العربية بالذات، لا على أن يكون مثل الخليل فيها، لكن على أن يكون ممن يفهم العربية «كما كان يفهمها العربي أيام رسول الله ﷺ». فهذا، ولا شك، قدرٌ، بالنسبة للمُحْدَثين، يقتضي تعمقا شديداً من حيث بعدت الشًقة بين الناس وبين لسانهم بعداً شاسعاً، أدى إلى عدم فهمهم القرآن، بله الاجتهاد فيه.
ما قال الغزالي مما يساند ما سبق «المقدمة الثانية فعلم اللغة والنحو أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهة ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه”
وهذا الذي قلناه لا يقلل من ضرورة العلم بالأصول، وبمقاصد الشريعة، علماً يصوغ التركيبة العقلية للناظر، تتوجه به التوجه الصحيح في إدراك ما يليق بالفتوى في الحالات المختلفة باختلاف الزمان والمكان والحال.
وللغزالي هنا قولٌ يجب استيعابه، فإنه قد اعتبر العالم بالأصول أولى بالاعتبار ممن حفظ الفروع والمتون كلها، قال رحمه الله «والصحيح أن الأصولي العارف بمدارك الأحكام وكيفية تلقيها من المفهوم والمنظوم وصيغة الأمر والنهي والعموم وكيفية تفهيم النصوص والتعليل أولى بالاعتداد بقوله من الفقيه الحافظ للفروع بل ذو الآلة من هو متمكن من درك الأحكام إذا أراد وإن لم يحفظ الفروع، والأصولي قادر عليه والفقيه الحافظ للفروع لا يتمكن منه» وهو ما يبيّن جلالة العلم بالأصول، وإن نقص حفظ العالم الأصوليّ للفروع أو الأصوليّ حفظ المتون.
والوصول إلى هذا لا يكون إلا بإطالة النظر في علوم اللغة وبيانها، وطرق تراكيب الألفاظ وصياغات الجمل، ويعين على ذلك قراءة شعر العرب عامة، وكتب الأدب واللغة، كالبيان والتبيين للجاحظ أو الأمالي لأبي على القالي، أو الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، وما هو في مقامهم. كذلك ينبغي التعرف على مصطلحات الإصوليين وترديد النظر في معانيها، وحضورها في الذهن، حتى تُصبح كملكةٍ للناظر، وكأنه لا يسعى جاهداً في الاستنباط منها، يقول الشاطبيّ «والمرتبة الثالثة: الذين صار لهم العلم وصفا من الأوصاف الثابتة بمثابة الأمور البديهية في المعقولات الأول أو تقاربها ولا ينظر إلى طريق حصولها فإن ذلك لا يحتاج إليه فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم إذا تبين لهم الحق بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية وأوصافهم الخلقية»


أما صفات العاميّ فهي كل من تتخلف فيه الصفات السابقة، وإن وقعت فيه صفة العدل، وهو ما سيأتي.


وفيما سبق إجمال شديد، دفعنا اليه أنّ هذا المبحث هو في أسباب اختلاف العلماء، لا في شروط الإجتهاد، وإن ثبتت صلة قوية بين الأمرين. لكنّا آثرنا الإشارة إلى شروط الاجتهاد من باب الإئتناس، لا من باب التحقيق.
ومن خصائص الخلاف المُعتبر ألا يكون في موضع إجماع، فإن ذلك يجعل المخالف شاذٌ في قوله، فلا يُعتبر خلافه، وفي الفقه من ذلك أمثلة لا تُحصي، مثل خلاف ابن عباس في زواج المتعة، وخلاف أبي حنيفة في أنّ للجارية فراش، وخلاف عثمان في إتمام الصلاة بمنى، وكثير غير ذلك على مدى العصور.

خصائص الخلاف غير المُعتبر

الخلاف الواقع بين مجتهد وعاميّ:
ودرجات العاميّ تبدأ من المقلد، الذي يتبع مذهباً أو عالماً بمذهب، أو مجتهداً فيه، إلى العامي الذي لم يحصّل من العلوم الشرعية ما يؤهله للحديث في الشرع ابتداءً، بله خلاف المجتهد.
وحين نتحدث عن التأهيل للحديث في الشريعة، فإننا نواجه اليوم، في حاضرنا، كلّ ما يمكن أن يكون من مخاطر التصدي للفتوى، تحت مسميلات عدة، كحرية إبداء الرأي، وأن الدين سهلٌ مُيسّر، إلى المرتبة الخامسة من مراتب الاجتهاد، قال فيهم ابن القيم في إعلام الموقعين «وكل من عداهم فمتشبع بما لم يُعط، متشبه بالعلماء محاك للفضلاء «، ثم مرتبة الرويبضة، التي انتشرت كالنار في الهشيم.
والتأهيل للتصدي للفتوى، وهو تحديد الحكم الملائم وتنزيل الواقع عليه، لا يتأتى إلا بممارسة العلم، مطالعة، وبحثا، وتنقيبا، ونظراً، ثم تدويناً. هذا ما كان عليه علماء المسلمين، بل وغير المسلمين، طوال الدهر. حتى أتى اليوم جيل من وصفهم رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح «المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور» وفي الصحيحين «من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة” .
وصفات المجتهد، أو المؤهل للإفتاء، مدونة في مباحث الأصول، لكنها تخرج عن حيز هذا البحث، إلا في حدود ما ذكرنا أعلاه. إنما نريد أن نثبت هنا لزوم قدر من الاجتهاد ثابت مقررٌ عند من برز لإفتاء، وقبول له في الوسط العلميّ، بناء على ما قدّم.
الخلاف الواقع بين مجتهد على مذهب السنة والجماعة، وبين من ينتمي لفرقة من فرق المبتدعة:
وقد اعتبر جمهور الأصوليين، أنّ قول صاحب البدعة، لا يعتبر في مسائل العقيدة على وجه القطع، خاصة فيما يتعلق ببدعته، ولا في مسائل الفروع إن خالف الأصول المتفق عليها بين أهل السنة في استنباط الأحكام. ومثال ذلك حكاية قول الظاهرية، مع عدم اعتبارها خلافاً فيما يمسّ القياس كدليل شرعيّ.
الخلاف الذي لا يقوم على أحد طرفيه دليل ولو مرجوح، لا يكون خلافاً مُعتبراً، بل يكون أحد الطرفين واقع في الحكم بالهوى والتشهي. والحكم بالهوى إما أن يكون من عاميّ جاهل، أو من مجتهدٍ غلب على نفسه رأي ارتآه، فعدل عن الحكم الصحيح. كذلك قد يقع إن تاه الدليل الصحيح عن المجتهد، أو إن قرر مذهبه دون ذكر الدليل. أما إن قرر دليلاً، وخالف فيه، بعض الفقهاء، أو جلّهم، لكن كان هناك وجه محتملً لقوله، ذكر في الخلاف.
كذلك يمكن القول أن الخلاف غير المعتبر هو كلّ خلاف لا تتوفر فيه خصائص الاختلاف المُعتبر.


(4)
أسباب الخلاف المعتبر
وقد أتينا على ذكر بعض أسباب الخلاف الواقع بين المجتهدين في الشريعه من قبل، في سياق الحديث عن المجتهدين ودرجاتهم.
لكن للأمر تفصيل أوسه وأعمق. وستكون خطتنا أن نتخير من أمهات الكتب التي تحدثت في هذا الأمر تفصيلاً، دون اتباع لطريقة نظمهم لها، بل سنرصّها في قالب يحوى ما جاء في تلك الكتب، وكأنه وحدة واحدة.
وأسباب الاختلاف في فتاوى العلماء ترجع إلى البابين اللذين ذكرناهما في قسم (4) أعلاه، وهما :
(1) الخلاف الواقع بسبب الاختلاف في الحكم الشرعي: ولهذا أسباب سنتعرض لها بعد
(2) الخلاف الواقع بسبب الاختلاف في مناط الحكم: واهذا أسباب نتعرض لها بعد إن شاء الله
وسنأتي على شرح تلك الحمل فيما يلى إن شاء الله تعالى


يتبع

د طارق عبد الحليم
5 مارس 2019 – 29 جماد ثان 1440

لتحميل المقالة بشكل منسق pdf

التحميل

1.9 MB