عدنان حديدمؤسسة بيان

#جديد ليبيا بين مطرقة الجاهلية وسندان الصليب للشيخ عدنان حديد حفظه الله

شارك

ليبيا بين مطرقة الجاهلية وسندان الصليب

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على من أرسله ربه بالهدى ليخرج عباده من ظلمات الجهل إلى نور الحق واليقين؛ ثم أما بعد..

فمنذ أيامٍ قلائل أطلق زعيم أهل الردة في ليبيا المدفوع من طواغيت العرب والعجم خليفة حفتر حملته العسكرية على طرابلس الغرب بهدف إحكام سيطرته النهائية على بلاد المجاهدين والشهداء والأشاوس من أحفاد الشيخ البطل عمر المختار تقبله الله؛ وعلى ما لليبيا من أهميةٍ استراتيجية كبيرة في المعركة الدائرة بين الإسلام والكفر إلا أن هذه البلاد لم تأخذ نصيبها الذي تستحقه من البحث والدراسة اللازمين لإدارة الصراع المتشابك على أرضها، ولذلك كان ضعف التخطيط الاستراتيجي الواجب للتعامل مع مثل واقع تلك البلاد المعقد أحد أهم الأسباب التي أدت بهذه الجبهة شديدة الأهمية إلى الحال الذي آلت إليه اليوم من انحسارٍ وتراجع وغزوٍ من العدو في العقر من الديار.

إن لليبيا طبيعةً فريدة مركبة تحكم طبائع الصراع والمواجهة على أرضها، ففي الداخل تحكم القبلية من جهة والأيدولوجيا من جهةٍ أخرى مصير المعارك وسيرها، وهذان البعدان يتداخلان حيناً ويتمايزان حيناً آخر؛ بينما تجد القوى الصليبية في الخارج متربصة أشد التربص لأي تحركٍ يصيب مصالحها على الأرض ببعض السوء لتتدخل بما تحمله من خبرةٍ وميراث عملٍ طويل في هذه الأرض لتعزف على وتر التناقضات القبلية والأيدولوجية والفئوية حتى تصل إلى مبتغاها..

لذلك آثرت أن أسهب ولو بقدرٍ بقليل لا يناسب المقام غيره في بيان التركيبة المميزة تاريخاً وحاضراً لهذه الأرض حتى تكتمل الصورة وإن جزئياً في ذهن القارئ ويستطيع الإلمام بأبعاد المشهد الحاضر الذي يعاين مشاهده تباعاً وما تنتجه من تأثير على حاضر أمته ومستقبلها.

فالشكل الحالي للدولة الليبية بجغرافيتها وحدودها السياسية هو شكلٌ حديث أنتجته بعض الظروف الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية تحت إشراف القوى الصليبية الكبرى؛ غير أن التكوين السياسي التاريخي الصلب يشير إلى وجود ثلاثة أقاليم متماسكة ومتمايزة عن بعضها البعض –مع قليل من التداخل- ديمغرافياً وسياسياً وثقافياً وغير ذلك..

ففي الشرق الليبي هناك إقليم برقة بحاضرتيه بنغازي ودرنة، وفي الغرب نجد إقليم طرابلس بحاضرتيه طرابلس الغرب ومصراتة ، وفي الجنوب نجد إقليم فزان بامتداداته ومرتكزاته الصحراوية مترامية الأطراف؛ ففي حين شكل الإقليمان الأولان برقة وطرابلس الشريط الساحلي الطويل الممتد على شريط المتوسط بما يؤهله لمزيد من التفاعلات الثقافية والسياسية والسكانية، شكل الإقليم الثالث فزان الظهير الصحراوي الجنوبي الشاسع العصي على كثيرٍ من هذه التفاعلات..
وقد ظلت هذه الوحدات السياسية وتحديداً طرابلس وبرقة تراوح بين التوحد السياسي والافتراق إبان حكم الإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية حتى أظلها الله بظل الإسلام ودخولها تحت عبائته الواسعة الرحبة؛ ومرت القرون حتى وقعت هذه الأقاليم تحت الحكم السياسي للدولة العثمانية الذي لعب دوراً بارزاً في صد الحملات الصليبية الإسبانية على ساحلها الشمالي الممتد في أعقاب سقوط دولة المسلمين في الأندلس، حيث امتاز هذا الحكم العثماني بكثيرٍ من الخصوصية لأهل البلاد في تسيير أمور الحكم والإدارة من خلال كياناتهم الناشئة من رحم ثقافتهم وبيئتهم لدرجة نشوء بعض الدول شبه المستقلة مع التبعية الظاهرة للدولة العثمانية مثل الدولة القرمانلية..

وفي عام 1911م، وبعد السقوط الفعلي للدولة العثمانية بالانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني واستيلاء حكومة الاتحاد والترقي العلمانية على مقاليد الحكم في إسطنبول عام 1909م، قررت إيطاليا الانطلاق نحو غزو ليبيا باعتبارها الوريث الشرعي للإمبراطورية الرومانية القديمة والتي شكلت ليبيا أحد ولاياتها الهامة..

وفي ذلك الوقت كان المجتمعان الليبيان في الشرق والغرب شديدي التباين والاختلاف والافتراق؛ ففي إقليم برقة في الشرق الليبي كانت الحركة السنوسية المالكية والتي نهضت في القرن التاسع عشر كحركةٍ تجديدية لما اندثر من دين الإسلام في تلك الديار قد امتد نفوذها واتسعت رقعته في كامل برقة بل وانزاح إلى مصر حتى وصل إلى الديار الحجازية، فهو مجتمعٌ قبلي خاضع ملء إرادته للسلطة الشرعية للحركة السنوسية والتي يمثلها رأس واحد يجتمع عليه الناس مرةً بعد مرة؛ بينما في إقليم طرابلس الأكثر مدنيةً وسكاناً فلا توجد مثل تلك الرابطة الروحية الجامعة بين أهله وقاطنيه، فبينما تزيد الحياة الحضرية من تعدد مراكز القوى وتباين المصالح فيما بينها ينعكس ذلك على السلطة السياسية التي لا تجيد الاجتماع على قواسم مشتركة حتى في أشد اللحظات التي تهدد المجتمع في وجوده ودينه..

وبالفعل انطلقت الحركة الجهادية الليبية ضد الاستعمار الإيطالي على أسسٍ إسلامية بحتة لا تقبل في ذلك الدعوات القومية التي غزت المشرق الإسلامي آنذاك.
يقول مجيد خدوري في كتابه تاريخ ليبيا الحديثة:
“وكانت القومية في ليبيا وغيرها من أقطار الشمال الإفريقي متصلة بالدين. ذلك بأن الهدف الرئيسي للقومية هناك لم يكن، كما كان عند القوميين العرب في الشرق العربي، مهاجمة الدولة الإسلامية الأولى، ومقاومة الإسلام على أنه الأساس الذي تقوم عليه الدولة، بل ضمان تأييد العثمانيين والإفادة من الإسلام لتدعيم مقاومة شمال إفريقية للتوغل المسيحي. فبينا كان القومي في الشرق العربي يختلف عن الداعية إلى الجامعة الإسلامية إن لم يكن خصماً له. كان الدين من أقوى الدعائم في ظهور القومية وتطورها في شمال إفريقية، وكثيراً ما كان يُستنجد بسلطة السلطان- الخليفة المقدسة لدعم الدعوة القومية”

وظهر التباين بين شطري ليبيا في الشرق والغرب في مواجهة الاستعمار الإيطالي، فبينما تحشدت برقة بكاملها وراء قادة الحركة السنوسية لمقاومة الغزو الصليبي الآتي من المتوسط، تشكلت خريطة المقاومة الطرابلسية من نسيجٍ يعكس طبيعة المجتمع آنفة الذكر؛ ولكن هذا التباين لم يقتصر على الطبيعة أو الانفصال شبه التام في مواجهة الاستعمار الإيطالي، بل امتد حتى عكس الحساسيات القبائلية والجهوية بين الإقليمين من خلال الخلافات التي نشبت بين ما يمكن تسميته بحركتي المقاومة البرقاوية والطرابلسية..
“إن الخصومات القبلية ومناوأة الطرابلسيين للزعامة السنوسية أضعفت حركة المقاومة الليبية. ذلك أن الظفر الذي ناله السويحلي (زعيم طرابلسي) على منافسيه دفع به إلى فرض زعامته على منطقة طرابلس بأجمعها، ولم يكن مستعداً لاقتسام السلطة مع الزعماء السنوسيين، فأنذر السيد صفي الدين (زعيم سنوسي) أولاً بوجوب الانسحاب، ثم عاد فانتصر عليه في معركة وقعت سنة 1916. ورغبة في حقن الدماء انسحب السيد صفي الدين، بأمر السيد إدريس (السنوسي)، إلى برقة. وقد اقتصرت نشاطات السنوسيين السياسية ، بعد ذلك، على برقة” ا.هـــ من كتاب تاريخ ليبيا الحديثة

وهنا برز البعد الجهوي والقبلية والحساسية المفرطة بين الشرق والغرب الليبي، فعلى الرغم من وجود خطرٍ صليبي داهم يهدد الوجود الإسلامي بالأساس في البلاد غير أن ذلك لم يمنع القائد الطرابلسي من قتال قوات المجاهدين السنوسيين خشيةً على موقعه من التأثر، وعلى سلطته من التقاسم…

وعلى الرغم من الاحتواء الذي خضع له الشرق الليبي السنوسي والغرب الطرابلسي من قبل الاستعمار الصليبي الإيطالي في أعقاب الحرب العالمية الأولى من خلال اتفاقيات منفصلة تم توقيعها مع القوى الفاعلة في كل إقليم على حدة بغرض إيقاف أي مقاومة للوجود الإيطالي تدريجياً وصولاً إلى التمكن الكامل من البلاد، ذلك الاحتواء الراجع إلى سذاجةٍ وبساطةٍ من جهة، وشخصيات قابلة لهذا النوع من الاحتواء والسيطرة من جهة ثانية، وطمعٍ في التقدم والسلطة من جهةٍ ثالثة، إلا أن سرعة التغير الحادث في روما والذي انتقل بها نحو الحكم الفاشي عجّل من إنهاء هذه الاتفاقيات فارضاً السلطة الإيطالية الخشنة على التراب الليبي دون استخدام أي وسيطٍ محلي ما أجج شرارة الثورة والجهاد في النفوس من جديد..

وفي هذا الوضع الحرج؛ انصاع إقليم طرابلس للحكم الإيطالي الفاشي الشرس دون مقاومةٍ تُذكر نظراً لتركيبة المجتمع والإقليم التي تحدثنا عنها والتي انعكست في خلافات القيادتين الطرابلسيتين الأبرز، الباروني والسويحلي، وما نتج عنها من ضعفٍ عام لم يسمح بالنهوض ضد هذه الحملة الشرسة؛ بينما في إقليم برقة ونظراً لطبيعته القبلية المتوحدة تحت الدعوة السنوسية، فلقد استطاع عمر المختار وهو الرجل البدوي العجوز بكل عبقريةٍ وذكاء أن يحشد قبائل برقة حوله ليخوض بهم حرب عصاباتٍ شرسة ضد الوجود الإيطالي في برقة مستغلاً طبيعتها الجغرافية التي تساعد على مثل ذلك النوع من المعارك، مستمراً في جهاده لما يقارب العقد من الزمان في ظروفٍ شديدة القسوة ختمها بالشهادة على أعواد المشانق الإيطالية في الحادي عشر من سبتمبر عام 1931م…

وخضعت ليبيا نسبياً للاستعمار الإيطالي بأقاليمها الثلاثة لبضع سنين حتى انطلاق الحرب العالمية الثانية..

وهنا تسابق السنوسيون في برقة بزعامة إدريس السنوسي- ملك ليبيا فيما بعد- من جهة، وزعماء طرابلس بقيادة المريض والسويحلي من جهةٍ أخرى على الانضواء تحت الراية البريطانية والحلفاء في مواجهة الفاشية الإيطالية ودول المحور أملاً في الخلاص من ربقة الاستعمار الإيطالي والانعتاق من براثنه؛ وعلى الرغم من الشقاق بين الفريقين في هذا الموضع كذلك والذي يعكس الشقاق التاريخي، غير أنه لم يمنع الفريقين خصوصاً السنوسيين من الوقوع في شباك العمالة لبريطانيا فيما بعد الحرب..

فقد شكل إدريس السنوسي قوة معتبرة من رجال برقة الذين هجروها عقب تمكن الإيطاليين من السيطرة عليها بشكلٍ كامل إلى العديد من الدول العربية، لمساعدة الجيش البريطاني في مواجهة قوات المحور من خلال عمليات حرب العصابات التي كان يتقنها هؤلاء الرجال على أرضهم التي خبروها جيداً، إلا أن بريطانيا وعلى الرغم من هذا الانضواء تحت رايتها رفضت أن تعطي أياً من البرقاويين أو الطرابلسيين وعداً بالاستقلال في أعقاب الحرب العالمية الثانية متذرعة في ذلك بشتى الأعذار..

وبعد انتهاء الحرب انقسمت ليبيا إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

القسم الأول:إقليم برقة

ويقع تحت سيطرة الجيش البريطاني مع إعطاء بعض الصلاحيات الإدارية المتدرجة للقيادات المحلية التابعة للحركة السنوسية، ويرجع ذلك لطبيعة الإقليم واستهداف بريطانيا لإعطاء مزيد من الشرعية لإدريس السنوسي لتجهيزه لحكم ليبيا موحدة في قادم الأيام..

القسم الثاني:إقليم طرابلس

ويقع تحت سيطرة الجيش البريطاني كذلك مع التشدد في تفويض الصلاحيات للسكان المحليين مقارنةً بإقليم برقة..

القسم الثالث:إقليم فزان
ويقع تحت سيطرة الجيش الفرنسي، حيث تعتمد فرنسا في إدارته على أسلوبٍ قاسٍ عنيف في إخضاع السكان بالتحالف مع بعض القبائل والعائلات مثل آل سيف النصر مستهدفة إلحاقه بمستعمراتها في غرب إفريقيا وفصله تماماً عن برقة وطرابلس..

واستمر الوضع هكذا حتى سمح البريطانيون لإدريس السنوسي بإعلان نفسه أميراً على إمارة برقة عام 1949م لتتشكل النواة التي تُبنى عليها الدولة الليبية المعاصرة، فقد أراد البريطانيون ومن ورائهم الأمريكان جمع الأقاليم الثلاثة في بوتقةٍ واحدة تحت حكم إدريس السنوسي الذي تم إخضاعه للسطوة البريطانية بحيث يتم ضمان المصالح الغربية من خلال سلطة موحدة معترف بشرعيتها في كامل التراب الليبي، دون الاضطرار للتعامل مع تناقضات واسعة من القبائل والعائلات والمدن والجماعات متباينة المصالح والتوجهات..

وبالتالي، وفي بدايات خمسينيات القرن العشرين، تشكلت جمعية وطنية لصياغة دستور موحد يدمج الأقاليم الثلاثة في بوتقةٍ واحدة تحت إشراف الأمم المتحدة ومبعوثها إلى ليبيا أدريان بلت؛ وفي هذه الجمعية ظهرت التناقضات التاريخية ثانيةً بين الأقاليم الثلاثة، فبينما كان زعماء برقة وفزان يدفعون باتجاه نظامٍ اتحادي “فيدرالي” يسيطر كل إقليمٍ فيه على الجزء الأعظم من عملية تسيير شؤونه خشيةً من سيطرة إقليم طرابلس على الحكم في حالة وجود حكومة مركزية نظراً لارتفاع عدد سكانه وطبيعته المدنية والتاريخية التي تخول له ذلك، كان زعماء طرابلس يرغبون في نظامٍ مركزي يعزز من سلطتهم على كامل البلاد، وثارت مشكلةٌ أخرى بين الإقليمين –طرابلس وبرقة- وهي اختيار العاصمة والتي تنازعها الفريقان بين طرابلس وبنغازي..

إلا أنه في الأخير تم الاستقرار على النظام الاتحادي “الفيدرالي” كنظام حكمٍ للملكة الليبية المتحدة تحت حكم ملكٍ واحد هو إدريس السنوسي والذي يوّرث المُلك في عقبه، على أن يكون النظام ملكياً دستورياً دون صلاحياتٍ واسعة للملك الذي يمثل رمز وحدة البلاد؛ ونزعاً لفتيل الأزمة بين الشرق والغرب تم اختيار طرابلس وبنغازي عاصمتين للملكة الناشئة تتناوب الحكومة على الانعقاد فيما بينهما، ويمثل القانون الوضعي القانون المعمول به في البلاد..

وبذلك تكون القوى الصليبية الغربية قد نجحت نجاحاً تاماً في الحفاظ على نفوذها ومصالحها من خلال مملكة اتحادية فقيرة تابعة للسطوة البريطانية الأمريكية أولاً والفرنسية ثانياً، تضمن كامل مصالح الغرب في ليبيا وتحمي أمن المتوسط وجنوب أوروبا من أية اضطرابات محتملة.
وتجلى ذلك النفوذ من خلال المعاهدات التي أبرمتها المملكة الناشئة مع القوى الصليبية صاحبة السطوة الحقيقية في تسيير شؤون البلاد الاستراتيجية، فقد عقد الملك إدريس معاهدة التحالف البريطانية الليبية والتي تؤدي إلى الخضوع الليبي التام للمصالح البريطانية وسياستها الخارجية، بل وتمكنها من استخدام أراضيها في إقليم برقة كقواعد عسكرية متقدمة تحمي مصالح لندن جنوب المتوسط؛ وكذلك أبرم معاهدةً مع واشنطن تخولها إنشاء قاعدة عسكرية جوية ضخمة في طرابلس والتي عُرفت بقاعدة ويلس -مطار معيتيقة حالياً- مقابل بعض المساعدات المالية الدورية التي تقدمها للدولة الليبية الناشئة؛ هذا بالإضافة إلى النفوذ الفرنسي المتجذر في الجنوب الليبي واتصاله بمناطق نفوذها في الغرب الإفريقي..

وبهذا كانت المملكة الليبية تحت قيادة إدريس السنوسي مجرد ولاية تابعة للنفوذ الغربي متعدد الجهات كدولة وظيفية كما يقول التعريف السياسي النظري..
وعلى الرغم من أن الدستور الليبي الموضوع بداية الخمسينيات ينص على محدودية سلطات الملك إدريس السنوسي وتوزع السلطات على الحكومات الاتحادية والحكومة المركزية، غير أن التطبيق العملي للسلطة عكس طبيعة المجتمع الليبي المشبعة بالقبلية وما تصاحبها من سلطة أبوية، حيث ما فتئ الملك وحاشيته المقربة يتدخلون في شؤون الحكم وتصريف الأمور، حيث تشكلت ثنائية الحكومة والقصر والتي صبغت جزءاً معتبراً من الحقبة الملكية الليبية..
ومع بداية الستينيات، وبالتزامن مع اكتشاف البترول في الأراضي الليبية، اُتخذ القرار الدولي برضىً محلي، بتعديل دستور البلاد وتحويل نظام الحكم الفيدرالي إلى نظام حكم مركزي يقوم على إدارة الأقاليم الثلاثة داخل بوتقةٍ واحدة، مما يقلل من فرص الانفلات أو تهديد المصالح الغربية..

وتعكس هذه الخطوة مدى الأثر الذي أحدثه الاكتشاف النفطي الهائل في الأراضي الليبية على النظرة الغربية الاستراتيجية لهذه المملكة الواقعة في الشمال الإفريقي، فبمجرد تحول هذه البلاد إلى خزانٍ ضخمٍ من النفط عالي الجودة تضاعفت أهميتها والعناية بها، مما يستوجب إخضاعها لنظام حكم مركزي يعزز السيطرة والاحتواء..

غير أن اكتشاف النفط أحدث تغيراتٍ اقتصادية وديموغرافيةٍ هائلة كان لها أكبر الأثر فيما بعد في مجرى التاريخ الليبي…
فظهور المؤسسات النفطية، وكذلك المؤسسات التي نتجت عن امتلاك الدولة للعائدات النفطية واستثمارها؛ وفر الكثير من الوظائف ذات العوائد والمرتبات السخية، مما دفع أهل البوادي والأرياف للهجرة إلى الحواضر والمدن شرقاً وغرباً طلباً للرزق، حيث ارتفع دخل الفرد الليبي من 35 دولار سنوياً عام 1951م إلى 2000 دولار سنوياً عام 1967م، وهو تحولٌ اقتصاديٌ حاد صاحبه انقلاب ديمغرافي أكثر حدة؛ فقد ارتفع عدد سكان بنغازي عاصمة برقة من 70 ألف نسمة عام 1951م إلى 300 ألف نسمة عام 1970م، وارتفع عدد سكان طرابلس عاصمة الغرب من 130 ألف نسمة عام 1951م إلى 400 ألف نسمة عام 1970م.
وبنظرةٍ فاحصة، نجد أن هذا التحول شكل تغيراً بنيوياً في الجانب الديموغرافي؛ فإذا كان 80% من سكان ليبيا عام 1951م يعيشون في البوادي والأرياف، فإنه بحلول علم 1967م صار 80% من أهل ليبيا يعيشون في المناطق الحضرية؛ وبالأخذ في الاعتبار سهولة إخضاع أهل الحضر بارتباطاتهم الوظيفية والثقافية بالدولة المركزية مقارنةً بأهل البوادي والأرياف، نجد أن هذا التحول لعب دوراً شديد الأهمية في مرحلة انقلاب القذافي فيما بعد..
فالجيش الليبي حاله كحال المملكة الليبية الناشئة المهترئة؛ جيشٌ قليل العدد، زهيد العدة،اعتمد في نشأته وبنائه اعتماداً كلياً على الجيشين البريطاني والأمريكي، وعلى تدريب الجيش العراقي الموالي لبريطانيا والواقع تحت سيطرة سليل الخيانة فيصل بن الشريف حسين ملك العراق، ومن ضعف الجيش وهزاله توالى على رئاسة أركانه بداية نشأته ضباط عراقيون طوال حقبة الخمسينيات في تناقض صارخ مع مبدأ الدول القومية التي نشأت على أساسه المملكة الليبية..
وبالطبع، وضماناً للولاء والسيطرة، أُرسل الضباط الليبيون في بعثات منتظمة إلى لندن وواشنطن بداعي التدريب لتعمل المخابرات الغربية عملها في الاحتواء والسيطرة والتجنيد للضباط الذين يقودون الكتلة الصلبة –أي الجيش- داخل المجتمع الليبي، تلك الكتلة الصلبة هي الكيان الوحيد القادر على تغيير مسار الحكم بالقوة تحت الرعاية الصليبية دون تدخلٍ مباشر..

وبالفعل، وفي الأول من سبتمبر عام 1969م استطاع ضابط صغير السن والعقل في العشرينيات من عمره الإطاحة بالحكم الملكي في انقلابٍ تم تحت سمع وبصر القواعد البريطانية والأمريكية شرقي ليبيا وغربها، ودون أن تحرك فرنسا في الجنوب الليبي ساكناً؛ ذلك الانقلاب الذي بدّل وجه ليبيا لما يزيد على الأربعة عقود..

وبدأ الحكم الجديد عهده تحت عباءة القومية العربية والفكر الناصري، معلناً القضاء على الملكية السنوسية الرجعية، مستعلناً بالعبارات والشعارات الحنجورية المعتادة إبان تلك الحقبة، وما إن تخلص قائد الانقلاب معمر القذافي من خصومه في قيادة الانقلاب منتصف السبعينيات، حتى تفرغ لإرساء الدعائم الأساسية لحكمه وتعزيزها والتي بدأ بوضعها في أعقاب الانقلاب مباشرة..
فإذا كانت مرحلة الملكية وما قبلها قد أبانت عن العنصر القبلي والجهوي والإقليمي الحاكم لكثيرٍ من معادلات السياسة الليبية، فإن حقبة معمر القذافي الممتدة قد أضافت شراسة عنيفة إلى هذا الجانب القبلي، بالإضافة إلى ظهور البعد الأيدولوجي القومي الشعبوي المناهض للإسلام والإسلاميين..
فعلى الرغم من انتقال النسبة الأكبر من سكان الأرياف والبوادي إلى العيش في الحضر مما سهل على نظام حكم القذافي المركزي التحكم والسيطرة والضبط، إلا أن هذا الانتقال لم يمحُ الطبيعة البدوية القبلية من غالبية السكان، بل ظلت العصبية القبلية وأبوية السلطة حاضرة في المجتمع مما شجع النظام الشمولي الجديد على استغلالها..
وبدلاً من الاعتماد على المؤسسات التقليدية لحكم الدول القومية الحديثة، لجأ القذافي إلى نظامٍ قبليٍ جامع من خلال لجانه الثورية والشعبية، يتم من خلاله كسب ولاء القبائل وتأييدهم من خلال الإغداق المالي والسلطوي، حتى صارت القبيلة هي الوسيط بين الفرد والنظام الحاكم لا يستطيع تسيير شؤونه إلا من خلالها..
وبالتزامن مع ذلك المسار، سار القذافي بشكلٍ متسارع في ترسيخ الفكر القومي الشعبوي المناهض للإسلام والإسلاميين، محاولاً الخلط بينه وبين المبادئ القبلية البدوية حتى يصير أكثر رسوخاً وثباتاً وفاعلية؛ وهذا ما يستبين من خلال التعامل مع قبائل إقليم برقة…
فباعتبار معمر القذافي وأغلب أركان حكمه ينتمون إلى قبائل الغرب الليبي المنافس لإقليم برقة الذي يمثل مركز ثقل الحكم الملكي السنوسي ،هذا من الناحية القبلية؛ وباعتبار برقة هي مركز الحركة السنوسية الإسلامية المالكية والتي يُتوقع-على الرغم مما طرأ عليها من انحراف إبان عهد إدريس السنوسي- أن يكون أبناؤها والمتأثرون بها فكرياً ألد أعداء النظام العلماني القومي الجديد، هذا من الناحية الأيدولوجية؛ فقد قام نظام القذافي باتباع استراتيجية طويلة الأمد لتهميش وإضعاف وكسر إقليم برقة بما يمثله من رمزيةٍ تاريخية وجهادية، بهدف القضاء على أي خطرٍ يتهدد النظام القائم يأتي من قبل الشرق؛ وقد تجلى ذلك العداء المستحكم بين نظام القذافي وقطاع معتبر من إقليم برقة عندما رفع ثوار الــ17 من فبراير علم المملكة السنوسية بداية الثورة في مواجهة علم القذافي والذي صار فيما بعد العلم الرسمي لليبيا ما بعد الثورة..

وسار نظام القذافي في سبيل قمع أي خطرٍ يتهدده بقسوةٍ وشراسة منقطعة النظير؛ فمن سحق الحركة الطلابية واقتحام جامعتي طرابلس وبنغازي عام 1976م بما شمله ذلك السحق من دماء وتعدٍ على الأعراض، إلى القضاء التام على الإخوان المسلمين في الثمانينيات، إلى المواجهة الطاحنة الوجودية مع الجماعة الليبية المقاتلة في تسعينيات القرن العشرين والتي شهدت على سبيل المثال قتل ما يقارب 1300 أسير في سجن بوسليم ببنغازي في يومٍ واحد عام 1996م،….

هذا فقط للتمثيل لا الحصر وإلا فإن نظام القذافي تحتاج فظائعه إلى المجلدات ذوات العدد..

أما عن تحقيق مصالح الغرب فحدث ولا حرج؛ فالنفط مستباح، ومحاربة المجاهدين والتعذيب بالوكالة حاضر، ودعم النصارى في جنوب السودان بالسلاح والأموال لقتال المسلمين سارٍ،…
وعلى الرغم من انخداع البعض بعنترية الطاغية وعنجهية حديثه بالإضافة لبعض الحوادث التكتيكية التي لا تؤثر على المسار الاستراتيجي للخيانة؛ إلا أن الغرب لم يكن يجد أفضل منه لخدمة مصالحهم في ليبيا…
وبعد أربعة عقود من الإفقار، وإهمال البنى التحتية، والتعذيب، والتقتيل، وانتهاك الأعراض الممنهج المعلن؛ ثار الشعب الليبي المسلم أحسن ما تكون الثورة…
انطلقت شعلة الثورة من بنغازي لتضئ كامل ليبيا بنورها، فبعد مظاهرات واسعة ضد النظام في المدينة ما لبث أن قابلها بالحديد والنار، استطاع الثوار الاستيلاء على المدينة خلال 48 ساعة فقط، وبدأت بعد ذلك الثورة في التمدد شرق ليبيا وغربها..
وفي تلك اللحظة انتبه الغرب الصليبي إلى حجم المصيبة التي حلت به..
فدولة مثل ليبيا بثروتها النفطية النوعية الهائلة، وساحلها الطويل الممتد على المتوسط جنوبي أوروبا، وصحرائها الشاسعة المتصلة بدول غرب إفريقيا حيث النشاط الساخن للحركات المجاهدة؛ ليبيا بكل هذه المقومات مع شعب سريع القابلية للتسلح والقتال، ذي تاريخٍ طويل في جهاد الصليبيين الإسبان قديماً والإيطاليين حديثاً، مع خزانٍ إسلاميٍ جهاديٍ في الشرق عامةً وفي درنة خاصة التي تصنفها واشنطن كأكثر مدينة في العالم أرسلت مقاتلين لجهاد الجيش الأمريكي في العراق؛ سيؤدي اشتعال جبهة قتال طويل الأمد فيها بين الشعب المسلم من جهة والقذافي من جهةٍ أخرى إلى كارثةٍ محققةٍ على المصالح الصليبية في المنطقة وعلى أمن الأنظمة العميلة الوظيفية فيها، وبالتالي بات قرار تقصير أمد الحرب من خلال التدخل المباشر مطروحاً..
إلا أن التجربة الصليبية الغربية عامة والأمريكية خاصة في أفغانستان والعراق والتي أدت -كأحد الأسباب الرئيسية- إلى انهيار الاقتصاد العالمي عام 2008م مازالت في أذهان القادة الغربيين ؛ لذلك قررت القوى الصليبية إجراء حظر جوي للطيران فوق الأجواء الليبية مما يسرع من وتيرة قضاء الشعب الليبي على نظام القذافي، بالتوازي مع قيام بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وبعض الأنظمة الخليجية الوظيفية مثل قطر بإمداد الثوار بالأسلحة والذخيرة بهدف تقصير أمد المعركة واحتواء آثارها من جهة، وكذلك السيطرة والاحتواء وكسب ولاء أكبر مجموعة ممكنة من الكتائب المقاتلة ضد نظام القذافي من جهةٍ أخرى،مع الاستعانة بالعلاقات القبلية الاستعمارية القديمة لكلٍ من إيطاليا وبريطانيا وفرنسا للمساعدة في فرض هيمنتهم على الواقع الجديد ما بعد القذافي..

ومما شجّع الغرب على هذه الخطة اعتقاده بإمكانية احتواء المقاتلين ضد القذافي فيما بعد انتهاء الحرب وفقاً لعدد من المعطيات التي ذكرها بحث مؤسسة راند التابعة للجيش الأمريكي المعنون “ليبيا بعد القذافي..عبر وتداعيات للمستقبل” حيث يقول كاتباه:
” تحصل الحروب الأهلية في أغلب الأحيان في الدول التي تفتقر إلى الموارد الضرورية من أجل الحفاظ على مؤسسات الحوكمة الأساسية وتأمين الخدمات العامة. ومع ذلك، فقد كانت ليبيا غنية بالمقارنة مع الكثير من البلدان الأخرى التي ضربتها الحرب. أما المستويات المرتفعة نسبياً من نصيب الفرد من الدخل فجعلت هذا البلد يبدو مرشحاً جيداً لعملية انتقالية سهلة ما بعد الصراع، وكان من المتوقع إلى حد كبير أن يعود النشاط الاقتصادي بسرعة بعد الحرب. وكان من المتوقع أن يؤدي ذلك بدوره إلى تسهيل عملية انتقالية مستقرة إلى السلم ويخفف من العبء المالي على الجهات المانحة الدولية. ومن الناحية النظرية، كان ينبغي أن تكون ليبيا في وضعٍ جيد يمكنها من تسديد تكاليف إعادة إعمارها. فقد وعدت الثروة، بالإضافة إلى سكانٍ من ذوي التأهيل العلمي العالي، بفرص للتوظيف المنتج، الذي من شأنه بالتحديد أن يسهل نزع سلاح المتمردين وإعادة دمجهم”
وسريعاً اتخذ مجلس الأمن قراراً بحظر الطيران في المجال الجوي الليبي، وتكفل حلف الناتو بتنفيذ القرار بالإضافة لتنفيذ بعض الطلعات الهجومية المحدودة لتسريع سقوط نظام القذافي واحتواء الثورة..

وبعيداً عن البطولات التي سطرها رجال ليبيا الأشاوس في مواجهة جيش القذافي وكتائبه الأمنية، إلا أن هناك ظاهرة اتسمت بها الشهور الثمانية بين انطلاق الثورة المباركة وبين مقتل القذافي عليه لعائن الله تترى، تلك الظاهرة التي مكنت حصان طروادة من اختراق حصون الثورة والمساعدة في إعادة إنتاج النظام الهالك في أيامنا هذه على يد خليفة حفتر..

فعندما شعر بعض مناصري النظام من كتائبه الأمنية وحاشيته المقربة قرب سقوط النظام خصوصاً بعد تدخل قوات حلف الناتو بدأوا بالقفز من السفينة؛ وهناك مثالان صارخان لعبا دوراً بارزاً فيما بعد في تشكيل معالم الثورة المضادة:

الأول:عبد المجيد مليقطة الزنتاني
رجل الأعمال، والمناصر البارز لمعمر القذافي الذي أسس الكتيبة التي عُرفت فيما بعد بكتيبة “القعقاع”، وشارك في تحرير مدينة طرابلس من مليشيات القذافي، وبقي هناك يتحين الفرصة حتى أتته في العام 2014م حين أعلن انحيازه لتحركات خليفة حفتر في الشرق الليبي، إلا أن قوات عملية فجر ليبيا تمكنت من دحره وطرده خارج العاصمة طرابلس إلى يومنا هذا..
الثاني: المنشقون عن جيش القذافي شرقي ليبيا
انشقت مجموعات معتبرة من قوات نظام القذافي بتشكيلاتها المختلفة وفرّت إلى معاقل الثوار في الشرق الليبي حينما شعرت بقرب انتهاء أجل نظامه، ولكن ظلت تلك المجموعات يُنظر إليها في الأوساط الثورية بعين الريبة والشك باعتبارها من بقايا النظام البائد ولعل ذلك قد تجلى في اغتيال عبد الفتاح يونس رفيق معمر القذافي ووزير داخليته في شهر يوليو عام 2011م على يد ثوار بنغازي، وهو ما أدى إلى تهميشهم تماماً وإبعادهم عن مراكز الفاعلية السياسية، مما جعلهم قنبلة موقوتة تنتظر من يفجرها في وجه الثورة، وقد قام بهذه المهمة المجرم المرتد خليفة حفتر والذي شكّلت تلك المجموعات ما يقرب من نصف قواته الهالكة بإذن الله..

وبانتهاء المعارك بمقتل معمر القذافي في الشهر العاشر من عام 2011م، بدأ الإعداد الدولي عن طريق المجلس الوطني الانتقالي برئاسة مصطفى عبد الجليل وزير العدل السابق في حكومة القذافي لتهيئة الأرض لإدخال الثورة في مسارٍ ديمقراطي انتخابي يفضي إلى تشكيل حكومة موالية للغرب ومُسيطرٍ عليها، تعمل على ضمان وحفظ مصالحه الأساسية مثلما كانت حكومة القذافي تؤدي دورها بامتياز…

وتمثلت الأهداف الصليبية الرئيسية والمطلوب من الحكومة الليبية الجديدة تنفيذها في:

1-الأهداف الأمنية
تتمثل الأهداف الأمنية الغربية في ليبيا في مسارين لا ثالث لهما:-
الأول:الهجرة
فالرئيس الفرنسي السابق جالك شيراك يقول لولا إفريقيا ما كانت فرنسا، تلك القارة الغنية بالموارد والثروات التي ترتع في نعيمها شعوب الغرب دون أن يتذوق أهلها ولو رشفة من ذلك النعيم؛ فتلك الشعوب الفقيرة المقموعة المهملة تبحث عن الخلاص من خلال الخروج إلى رحلات الهجرة المجهولة عبر الفيافي والبحار أملاً في الحصول على حق اللجوء في ديار بني الأصفر، غير أن تلك الموجات المتتابعة من الهجرة والتي تتعاظم خلال الفراغ الأمني والسياسي في دول ساحل المتوسط تمثل مؤرقاً مزعجاً للعواصم الغربية لما تشكله على المدى الطويل من تغيير في البنية الديموغرافية للقارة العقيم أوروبا، وما تشكله كذلك من ضغوط عاجلة على اقتصادات تلك البلدان؛ وبالتالي يُعتبر ضبط الحدود والسواحل ومنع موجات الهجرة أحد أهم الوظائف التي تقع على عاتق الحكومات الوظيفية التابعة..

الثاني:الإرهاب
لم يعد يخفى على حي يُرزق فضلاً عن عاقلٍ يدرك ضراوة وشراسة المعركة الممتدة بين الإسلام والكفر على امتداد المعمورة،حيث يمثل المغرب الإسلامي أحد أهم جبهات تلك المعركة باتساعه، وبتركيبته السكانية المتجانسة دينا وعقيدة، وبقربه من الحدود الجنوبية لأوروبا..
ويعلم الغرب جيداً حجم الخزان الجهادي الموجود بليبيا عموماً وفي شرقها خصوصاً وما يمثله من خطرٍ على مصالحه ابتداءً من تشكيل رأس الحربة في القتال ضد نظام القذافي، وليس انتهاءً بتشكيل قاعدة صلبة تستقبل المهاجرين إلى جوارالأنصار لتكون شوكة صلبة في خاصرة القارة النصرانية..
وبالتالي تتمثل أحد أهم وظائف تلك الحكومة الوظيفية ما بعد القذافي في احتواء ذلك الخطر الداهم والقضاء عليه بكافة السبل.

2-الحفاظ على إمدادات النفط
وصل الإنتاج النفطي الليبي إلى 1.77 مليون برميل يومياً قبل انطلاق الثورة ضد الطاغوت الهالك معمر القذافي، حيث يمثل النفط الليبي أحد أجود الخامات النفطية في العالم، وبالتالي ومن أجل الحفاظ على مصالح شركات النفط الغربية، والإبقاء على توازن سوق النفط العالمي؛ يجب أن تضمن الحكومة الجديدة ما بعد القذافي السيطرة المحكمة على آبار النفط عموماً ومنطقة الهلال النفطي خصوصاً، واستمرار ضخ حصة ليبيا النفطية في السوق العالمي دون اضطراب أو تراجع..

3-نزع سلاح الكتائب المقاتلة
تمثّل الكتائب المسلحة التي أسقطت نظام القذافي المتحدي الرئيسي لسلطة الحكومة الجديدة المفترضة ما بعد القذافي، ولكي تستطيع الدولة تأدية مهامها المطلوبة منها غربياً لابد أن تحتكر القوة التي تستطيع من خلالها تنفيذ تلك المهام، لذلك لابد من احتواء وإدماج القطاع الصلب من تلك الكتائب داخل مؤسسات الدولة الأمنية والدفاعية من خلال الإغداق المادي عليهم، مع محاولة تسريح وتفكيك باقي الكتائب الهامشية..

وبعد فترةٍ من الهدوء النسبي، انعقدت انتخابات المؤتمر الوطني العام في شهر تموز يوليو عام 2012م والذي اقتسم السيطرة عليه الإخوان المسلمون وبعض التيارات السلفية الثورية من جهة، وتحالف القوى الوطنية ذو الصبغة العلمانية القبلية من جهةٍ أخرى؛ غير أن تلك الانتخابات لم تعكس أي تمثيلٍ لموازين القوى على الأرض والتي تشكلت على النحو التالي:

ففي المنطقة الشرقية..
برزت القوة الصاعدة للتيارات المجاهدة في مدينتي بنغازي ودرنة المعاقل التقليدية للمجاهدين أو من يطلق عليهم الغرب “الجهاديين” وبذلك مالت المنطقة الشرقية نحو مسارٍ مضاد للتدخل الصليبي وما ينبثق عنه من مؤسسات وهيئات ومنظمات وظيفية تعمل على تحقيق مصالحه ..

بينما في المنطقة الغربية
هناك بعض الكتائب تغلب عليها الصبغة الإخوانية مثل الجزء الأكبر من كتائب مصراتة-التي استحوذت على نصف ترسانة القذافي- وبعض كتائب طرابلس، وهناك كتائب تغلب عليها سمة تيار ما يمكن تسميته “الإسلام الثوري” والذي يمثل الشيخ الصادق الغرياني أحد أبرز رموزه..
وهناك بعض الكتائب التي تتحين الفرصة للانقلاب على مسار الثورة بالأساس مثل كتيبة القعقاع في الزنتانية وغيرها..

بينما في المنطقة الجنوبية
فإن القبلية تسيطر على المشهد بشكلٍ تام، فبعد تأييد أغلب القبائل لمعسكر القذافي إبان الثورة وانحياز قبيلتي أولاد سليمان، والتبو لمعسكر الثوار؛ ازداد نفوذ هاتين القبيلتين وعلا كعبهما على بقية القبائل في مرحلة ما بعد الثورة..
مع نشاطٍ ملحوظ لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في الصحراء الشاسعة باعتبارها جزءاً من الصحراء الغربية الكبرى مجال نشاطه الساخن..

بينما بقيت بعض المدن مثل بني وليد على ولائها للنظام البائد وإن أظهرت غير ذلك..

هذا بشكلٍ مجمل.
ومع المحاولات الأمريكية الدؤوبة للسيطرة على الأسلحة النوعية في ترسانة القذافي مثل أسلحة الدفاع الجوي المتطورة خشيةً من وقوعها في أيدي من لا ترغب من المجموعات “الجهادية”؛ لا تستطع الأيدي الغربية وأذرعها بحال السيطرة على ترسانة تتكون من ملايين الأطنان من الأسلحة التي خلّفها ورائه النظام البائد ، تلك الترسانة التي تفوق حجم الترسانة الإجمالية للجيش البريطاني كماً لا نوعاً، ومع الوضع في الاعتبار اعتماد القذافي على البنية القبلية والمليشياوية في إدارة الدولة وعدم وجود مؤسسات مركزية قوية متماسكة يستطيع الغرب إنعاشها والبناء عليها؛ صارت الكتائب المسلحة بما امتصته من إمكانيات عسكرية هي الذراع الأقوى في الدولة..

حيث تضاعفت أعداد الكتائب من 25 ألف مقاتل أثناء الثورة إلى 250 ألف مقاتل فيما بعد الثورة أي بمعدل 10 أضعاف في بلد يقطنه فقط ما يقارب السبع ملايين نسمة؛ وعليه أنشأت الكيانات الحاكمة ابتداءً من المجلس الوطني الانتقالي وصولاً للمؤتمر الوطني العام عدداً من المؤسسات الهادفة لاحتواء تلك الكتائب في إطار الدولة الجديدة المراد بناءها في مقابل الإغداق على أفرادها من عائدات النفط؛ غير أن القوة المتمددة لتلك الكتائب، وانعدام وجود أي قوة تسيطر عليها مؤسسات الحكم في طرابلس سيطرة فعلية جعل تلك الكتائب على تشعبها هي الحاكم الفعلي للبلاد مع تبعية أغلبيتها شكلياً للحكومة للتزود من الأموال…

وبدأت الأحلام الصليبية في السيطرة على ليبيا في التبخر..
ففي الحادي عشر من سبتمبر عام 2012م شن مجموعة من المجاهدين هجوماً على القنصلية الأمريكية في بنغازي أدت إلى مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز واثنين من معاونيه مما قلب الرؤية الأمريكية للمشهد الليبي رأساً على عقب، وتبعه هجومٌ بسيارةٍ مفخخة على السفارة الفرنسية في طرابلس رداً على الغزو الصليبي الفرنسي لشمال مالي في النصف الأول من عام 2013م..
وهنا علم الصليبيون أن الاستراتيجية الموضوعة خلال الثورة للاحتواء والسيطرة اعتمادا على انخفاض عدد السكان، وارتفاع عائدات النفط، ووجود قوى قابلة للاحتواء مثل الإخوان المسلمين، وقدرة بعض الدول الوظيفية مثل قطر على اختراق صفوف الثوار؛ علموا أنها قد فشلت فشلاً ذريعاً ، وأن المصالح الغربية باتت تحت الضربات المباشرة للمجاهدين..
ومن ناحية أخرى..
شكّل الهجوم الذي شنته كتائب مدينة مصراتة على مدينة بني وليد الموالية للقذافي في الجنوب الليبي في أعقاب اختطاف المدينة الجنوبية لأحد سكان مصراته وتعذيبه ما أدى لوفاته، وتمكن تلك الكتائب من السيطرة على المدينة واكتساحها وكسر القوى الموالية للقذافي، مع ما صاحب ذلك من “إجبار” أعضاء المؤتمر الوطني العام على تأييد الحملة العسكرية لقوات مصراتة، بالإضافة لتأييد المفتي الشيخ الصادق الغرياني للعملية ومباركته لها؛ شكّل صفعة مباشرة للعقلية الصليبية وتحديداً الأمريكية لتأكدهم من استحالة بناء الدولة الوظيفية التي كانوا يخططون لها إبان الثورة..

وقد عبّر عن تلك الصدمة للعقلية الأمريكية تقرير مؤسسة راند سالف الذكر حين قال كاتباه:
“تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها مصالح معنوية واستراتيجية في التأكد من عدم انجرار ليبيا من جديد إلى حربٍ أهلية أو تحولها إلى ملاذٍ آمن لتنظيم القاعدة أو لمجموعات جهادية أخرى على مسافة قريبة من أوروبا. يشكل العنف الإرهابي أصلاً مشكلة في ليبيا، وقد يؤدي أي ارتفاع لمستوى هذا العنف إلى أثرٍ مدمر على منطقة الساحل الهشة والمنهارة. وغني عن القول إنه، في حال أصبحت ليبيا ملاذاً آمناً للإرهابيين، فسيشكل ذلك مشكلة غاية في الخطورة بالنسبة للغرب، ونهاية مأساوية للجهود الغربية لإسقاط القذافي الحسنة النية والتي كانت غاية في الفعالية في البداية. وسيكون من المأساوي السماح بتحول هذا النصر الأولي إلى هزيمة استراتيجية.”

ومن هنا بدأ التخطيط للدفع بخليفة حفتر كفرس رهان ودعمه دعماً كاملاً من قبل الغرب الصليبي، وبعض الأنظمة الوظيفة العميلة في المنطقة مثل أنظمة القاهرة وأبو ظبي والرياض..
حيث أجاد الغرب الصليبي استخدام مفتاحي اللعبة الأساسيين في ليبيا:
القبلية، الأيدولوجيا القومية الشعبوية التي رسخها القذافي
أما من ناحية القبلية:-
فقد وقع الاختيار على إقليم برقة باعتباره مجتمع قبلي متماسك، يمكن من خلاله التحالف مع كيانات متماسكة غير سائلة أو شديدة الاضطراب، بالإضافة إلى العلاقات البريطانية القديمة مع قبائله والعائدة إلى عهد إدريس السنوسي إبان الحرب العالمية الثانية وما تلا ذلك، مع الأخذ في الاعتبارارتباط الإقليم جيوسياسياً بمصر، والنفوذ الجيد لحكومة القاهرة العميلة بقيادة السيسي في أوساطه..

حيث يتحدث البريطاني إيفانز بريتشارد عالم الأنثروبولوجيا والضابط في الإدارة العسكرية البريطانية في برقة أثناء الحرب العالمية الثانية عن طبيعة ارتباط إقليم برقة بالمشرق وتحديداً مصر قائلاً:
“… مما جعل سكان برقة يميلون للارتباط تقليدياً بدول العالم العربي بالمشرق بخاصة مصر البالغ تعدادها 17 مليون نسمة من الناطقين باللغة العربية، بالإضافة إلى الجزيرة العربية وفلسطين والعراق وسوريا البالغ تعداد سكانها جميعاً 16.5 مليون نسمة، كما ترتبط برقة بعلاقات بالمدن الإسلامية العريقة مثل: دمشق الأموية وبغداد العباسية والقاهرة الفاطمية، على الرغم من(أن) برقة قد ارتبطت بعلاقات سياسية مع مصر أكثر من بقية البلدان الأخرى، بالإضافة إلى أن الأخيرة كانت تعد سوقاً طبيعياً للبضائع القادمة من برقة.
قد أدى تلاقي البحر مع الصحراء عند خليج سرت إلى فصل برقة عن طرابلس منذ القرون الماضية، حيث ارتبطت برقة بكل من الإغريق ومصر في الشرق، أما طرابلس فقد كانت مرتبطة بعلاقات مع الفنيقيين وقرطاجنة في الغرب، كما خضعت برقة إلى الحكم البيزنطي بينما أصبحت طرابلس تابعة لروما”

ومن ناحية الأيدولوجيا القومية الشعبية:-
فإن إقليم برقة يضم أعداداً ضخمة من بقايا قوات القذافي وكتائبه الأمنية الذين هُمشوا تماماً فيما بعد الثورة، بل ويعتبرهم الإسلاميون وخاصةً المجاهدون في الشرق أهدافاً مشروعة للتصفية وإنهاء الوجود لما يمثلون من خطرٍ على الثورة والجهاد؛ وبالتالي تعتبر تلك المجموعات الإسلاميين عموماً و”الجهاديين” خصوصاً خصومهم الألداء الذين أسقطوا نظامهم وأذهبوا سلطتهم بل ويهددون حياتهم، وعليه فإن أي فرصة تسنح لهؤلاء تحت أي قيادة تمكنهم من سحق هؤلاء الأعداء واستعادة سلطانهم ونفوذهم فإنهم لن يفوتوها…
وبالتالي لا عجب أن يشكل هؤلاء الشق الآخر من قوات الثورة المضادة تحت قيادة خليفة حفتر..

وبعد الإعداد والتجهيز الإقليمي والدولي، وبناء قنوات الدعم اللوجستي والعسكري، وإحكام التحالفات القبلية والعسكرية، أعلن حفتر عن انطلاق ثورته المضادة بإعلانه الانقلاب على الثورة بداية العام 2014م، حيث تبع ذلك قمع وإجهاض محاولات الكتائب الموالية له في الغرب الليبي للانقضاض على الثورة من خلال عملية فجر ليبيا؛ بينما انطلق بتحالفه الأساسي القبلي العسكري في الشرق لتنفيذ أولى مهامه..
واستخدم الصليبيون انتخاب مجلس النواب منتصف عام 2014م وفرار الكثير من أعضائه نحو الشرق الليبي كغطاء سياسيٍ لإسباغ الشرعية على عمليات حفتر في الشرق، باعتباره يمثل قوات الجيش الليبي المعترف به من مجلس النواب في مواجهة الحركات “الإرهابية” المرتبطة بالقاعدة…
وبينما استخدم الصليبيون نظامهم الوظيفي في قطر لاحتواء كتائب الغرب الليبي وتخذيلها عن نصرة المجاهدين في الشرق عموماً وبنغازي خصوصاً، بدأت قوات خليفة حفتر بالانقضاض على مدينة بنغازي مرتكبةً فيها الفظائع تلو الفظائع دون أن تحرك طرابلس ساكناً اللهم إلا من بعض الكلمات التي يقولها البعض صادقاً بلا حول ولا قوة، ويلفظها البعض الآخر رفعاً للعتب ومنعاً للإحراج…
وبعد ثلاث سنوات اقترف فيها ما اقترف بحق أهل بنغازي من تهجير وحرقٍ وحصارٍ وتجويعٍ ونبشٍ للقبور وانتهاكٍ للأعراض أعلن إحكام سيطرته على عاصمة إقليم برقة، مستتبعاً ذلك بمسلسل الاغتيالات الذي لم يتوقف حتى اليوم؛ متبجحاً بفرض سطوته على كامل الشرق اللهم إلا مدينة درنة.
درنة، تلك المدينة التي شكلت البؤرة الأخيرة للجهاد والثورة في المنطقة الشرقية، بالإضافة لكونها مركزاً مهماً لانطلاق العمليات ضد نظام السيسي في الصحراء الغربية طيلة ما يقارب الأربع سنوات؛ ولذلك شكّل حصار درنة تجهيزاً للهجوم عليها هدفاً محورياً في عمليات خليفة حفتر وحلفائه وتحديداً المصريين..
وبالفعل، وبعد حصارٍ طويل استطاع احتلال المدينة باستثناء بعض المناطق المعدودة منتصف عام 2018م، ثم أكمل احتلالها والسيطرة عليها في أكتوبر من العام ذاته آسراً مجموعة وازنة من قادة المجاهدين أبرزهم الضابط المصري السابق هشام عشماوي أمير جماعة المرابطين…
وهكذا يكون قد أتم الهدف الأول لمهمته وهو السيطرة على برقة والقضاء على الجماعات المجاهدة…
وفي أثناء ذلك القتال الشرس في الشرق، استطاع من خلال صفقةٍ قذرة مع قبيلة المغاربة الموالية له والقاطنة في منطقة الهلال النفطي السيطرة على مصادر النفط الليبية الرئيسية دون كبير عناء، والتي لازالت تقبع إلى اليوم تحت سيطرته رغم تعرضها لهجومين منفصلين، أولهما من سرايا الدفاع عن بنغازي في بدايات العام 2017م، وثانيهما هجوم حرس المنشآت النفطية بقيادة إبراهيم الجضران منتصف عام 2018م؛ وبذلك يكون قد أنجز الهدف الثاني لمهمته بضمان المصالح الصليبية في تدفق النفط بانتظام إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية…

وبينما كانت الحرب على المجاهدين مستعرةٌ في الشرق، كانت الأيادي الصليبية تعبث في الغرب بغية التدجين والتسكين…
فمن خلال تحركات متوالية ومكثفة أممية وصليبية وإقليمية لا يسع المقام لذكرها، تم توقيع اتفاق بين بعض القوى العلمانية والإخوانية في طرابلس من جهة، وبعض أعضاء مجلس النواب الموالي لخليفة حفتر من جهةٍ أخرى بغرض فرض حكومة في طرابلس مدعومة من الأمم المتحدة والغرب الصليبي وبعض الأنظمة الوظيفية في تركيا وقطر؛ بغية تحقيق الاحتواء الكامل للقوة العسكرية الضاربة في طرابلس ومصراتة وحواضر الغرب الليبي، وتحييدها تمام التحييد عن الاشتراك في المعارك الوظيفية المحسوبة التي يخوضها خليفة حفتر في كامل أنحاء ليبيا، بالإضافة إلى خلق مسارٍ دوليٍ بديل يستطيع حفتر من خلاله الاستيلاء على السلطة دستورياً من خلال القوة الناعمة المتدرجة في حال فشل في إخضاع الغرب الليبي عسكرياً..
وبالفعل خضعت أغلب القوة العسكرية الضاربة في الشرق لخدعة الأمم المتحدة، أما المناوئون فلم يلبثوا أن خضعوا للاحتواء “الاضطراري”، فلا هم نصروا إخوانهم في الشرق نصرةً حقيقية، ولا هم عرقلوا تنفذ حكومة السراج الصليبية في طرابلس…
فبدلاً من أن تشكّل القوة العسكرية الضاربة في الغرب وتحديداً في مصراتة الدرع العسكري الذي يتصدى لقوات حفتر في الشرق ويمنعها من الانفراد ببنغازي ثم درنة، توجهت تلك القوة إلى سرت للقتال تحت مظلة الطائرات الأمريكية ضد جماعةٍ من المسلمين المبتدعة!!!
وعودة للشرق… وبعد أن أحكم حفتر سيطرته على برقة والهلال النفطي، وجه قواته بداية هذا العام إلى الجنوب “إقليم فزان” لإخضاعه لسيطرته تحقيقاً للمصالح الغربية في السيطرة على الحدود الليبية وطرق التهريب والهجرة، ولتقليص نفوذ تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي حيث تعد تلك المنطقة امتداداً له؛ وكعادته في استخدام الأموال الخليجية في شراء ولاء القبائل، استطاع خلال فترةٍ وجيزة إحكام السيطرة على أهم المناطق في الجنوب الليبي محققاً ثالث أهداف حملته الملعونة..

ولم تبق سوى طرابلس المخدرة….
صحيحٌ أن بريطانيا وإيطاليا وجناح في الإدارة الأمريكية كانوا يدعمون دخول حفتر في سياق اتفاقية الصخيرات دون الهجوم العسكري على طرابلس لاعتبارات متعددة ربما أهمها عدم المغامرة بإشعال فتيل الثورة من جديد باعتبار حفتر وقواته يمثلون النظام القديم، ما قد يهدم كافة الجهود المبذولة خلال الخمس سنوات الماضية؛ إلا أن فرنسا والجناح الغالب في الإدارة الأمريكية مدعومين بكافة الأنظمة العربية العميلة الداعمة لحفتر يرجحون سيناريو الحسم العسكري في الغرب الليبي لضمان السيطرة الكاملة على المشهد، ولإرسال رسالة مباشرة إلى شعوب المنطقة باستحالة نجاح ثوراتهم ولو اسمياً تحت سطوة النظام القديم، وقد عزز هذا الاتجاه في الآونة الأخيرة الحراك الضخم المبارك للشعب الجزائري ضد نظام الحكم المتفرنج في الجزائر العاصمة؛ وذلك مع الإبقاء على مسار الصخيرات قائماً من خلال العملاء في حكومة السراج تحسباً لفشل عمليات حفتر في الغرب الليبي وعدم قدرته على احتلال طرابلس…

وهكذا انطلقت قوات حفتر نحو احتلال طرابلس معتمدة على شراء ولاءات بعض الكتائب التي وفرت لها موطأ قدم في غريان لإنشاء قاعدة متقدمة للعمليات بالقرب من العاصمة، بالإضافة إلى الاعتماد على بعض الكتائب الموالية داخل طرابلس التي تنتظر ساعة الصفر للانقلاب والاندماج في صفوف قوات حفتر؛ وعلى الصعيد السياسي حرص فايز السراج وزمرته على اقتسام الأدوار ببراعة، فبعضهم يصعد الخطاب لمستويات غير معتادة بهدف امتصاص غضب الشارع واحتوائه وضمان عدم ثورانه ضد حكومة الأمم المتحدة العميلة، بينما يعمل فايز السراج على الحفاظ على لغةٍ هادئة تحافظ على إمكانية العودة للمسار السياسي في حال فشلت قوات حفتر في دخول العاصمة…

فإذا كان المقاتلون اليوم دفاعاً عن طرابلس خليطاً ومزيجاً من المسلمين المدافعين عن الملك والسلطان لا غير، ومن المجاهدين في سبيل الله، ومن غيرهم أصناف لا تعد ولا تحصى منهم الصالحون ومنهم المفسدون ومنهم دون ذلك؛ فإن معركةً تمثّل النقطة الفاصلة بين سيطرة الكفر واستقراره وجثومه على رقاب المسلمين سنين طويلة، وبين انتفاضتهم واستعادتهم لوعيهم وانطلاقهم نحو تطهير بلادهم من رجس الصليب والردة؛ لحقيقٌ بمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعمها بما يستطيع نفساً ومالاً وكلمة…
فإن أوجب الواجبات اليوم أن ينهض المخلصون لتطهير الصفوف الداخلية من الكتائب العميلة للصليبيين والمرتدين، الذين يتحينون الفرصة للانقضاض على الثورة والجهاد فتكاً وتقتيلاً وسحقاً، فالطعنة من الخلف هي القاتلة…
ثم لابد لأهل الرأي والحكمة والدين من موقفٍ شديد يُذكر لهم في تاريخ الإسلام يجهضون به ذلك المسار الصليبي العفن الذي فرضوا من خلاله حكومةً تخدم مصالح الغرب والشرق حاشا دين الله وأهله؛ وأن يعلنوها صريحةً لا جدال فيها وتأويل، مستغلين حماسة الشعب المسلم في الغرب الليبي بل وفي عموم ليبيا؛ أن مرحلة الصخيرات وما انبثق عنها من كيانات عميلة كبّلت أيدي المسلمين عن الدفاع عن دينهم وعن نصرة إخوانهم لسنين عدداً قد ذهبت إلى غير رجعة، وأن الثورة الليبية قد عادت خضراء جذعة تجاهد جهاداً في سبيل الله وحده ضد من أراد إعادة الكفر إلى سدة الحكم بعد أن أزاله الله بدماء الآلاف والآلاف من الشهداء الأبرار..
وعلى الإخوة المجاهدين في كامل البلاد الليبية إعلان النفير العام، ونصرة طرابلس بما يُستطاع إليه سبيلاً، فإن لم تؤدي تلك المواجهات الشاسعة إلى إجهاض المشروع الصليبي المرتد على أرض ليبيا، فإنها قد تحقق هدفاً جزئياً بإضعافه وتراجعه، والإبقاء على المنطقة الغربية باعتبارها هامشاً هاماً للمناورة في المعركة الشاسعة بالمغرب الإسلامي، بل وربما توسيع هذا الهامش وتعزيزه..

اللهم انصر من نصر دينك، وأعلى راية شريعتك، واتبع خطى رسلك
اللهم واخذل من خذل دينك، وحارب شريعتك، واتبع خطى شياطين الجن والإنس
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

بقلم الشيخ عدنان حديد حفظه الله

١٣ شعبان ١٤٤٠ للهجرة  الموافق ١٨ نيسان ٢٠١٩

 

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

www.bayaan.info
عدنان حديد