الشيخ بلال خريسات

مختارات رمضانية – الحلقة الثانية – جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

كنا قد ذكرنا في الحلقة الماضية أن النية يشترط لها أربعة شروط وكنا قد ذكرناها بشيء من الإجمال وها نحن نذكرها بشيء من التفصيل لتكتمل الفائدة ويتم المراد.

الشروط الأربعة :

الجزم :

ويشترط قطعا للتردد، حتى لو نوى ليلة الشك صيام غد، إن كان من رمضان لم يجزه.

التعيين :

فلابد من تعيين النية في صوم رمضان وصوم الفرض والواجب، ولا يكفي تعيين مطلق الصوم، ولا تعيين صوم معين غير رمضان عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى.

التبييت :

وهو إيقاع النية في الليل، ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهذا شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة، لحديث ابن عمر عن حفصة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

[من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له]

وهذا الشرط يحتاج إلى تفصيل زائد

أولاً :

درجة الحديث :

الحديث رواه الأربعة أصحاب السنن بسند صحيح لكن أعل بالوقف، والذي يظهر أنه مما لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع ثم هو إن كان موقوفا فهو موافق للأصل إذ لابد من النية قبل الدخول في العبادة وقد صححه الألباني في صحيح الجامع برقم [٦٥٣٨]

ويتفرع عن هذا الحديث مسألة وهي هل يشترط تبييت النية في صيام التطوع

حديث حفصة رضي الله عنها [من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له]

حديث عائشة رضي الله عنها قالت :[ دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال :[هل عندكم شيء ] فقلنا :لا، قال:

[فإني إذن صائم] ثم أتانا يوما آخر فقلنا :يا رسول الله، أهدى لنا حيس، فقال :[أرنيه فلقد أصبحت صائما ] فأكل]

أختلف أهل العلم، في حكم تبييت النية في صيام التطوع، لهذين الحديثين، فسلك الجمهور مسلك الجمع، فحملوا حديث حفصة على صيام الفرض، وحديث عائشة على صيام التطوع، والنية في صوم النافلة من النهار قبل الزوال، وبعضهم بعده.

قال شيخ الإسلام بعد حديث عائشة رضي الله عنها :

[وهذا يدل على أنه أنشأ الصوم من النهار، لأنه قال :[فإني صائم]

وهذه الفاء تفيد السبب  والعلة، فيصير المعنى :إني صائم لأنه لا شيء عندكم، ومعلوم أنه لو قد أجمع الصوم من الليل، لم يكن صومه لهذه العلة، وايضا :فقوله :[فإني صائم]، و[إذن] اصرح في التعليل من الفاء….]

وايدوا استدلالهم بأن هذا ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت إنشاء نية الصوم من النهار عن :ابن مسعود، وابن عباس، وأبي أيوب، وأبي الدرداء، وحذيفة وأبي طلحة رضي الله عنهم  ،

واستدلوا كذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصوم يوم عاشوراء، وكان مفروضا قبل فرض رمضان :[من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم]

وذهب مالك والليث وابن حزم وتبعه الشوكاني مذهب الترجيح، فأخدوا بحديث حفصة رضي الله عنها، فلم يفرقوا بين صوم النفل والفرض في اشتراط تبييت النية، وقالوا :

إن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حفصة (لا صيام) نكرة في سياق النفي فيعم كل صيام، ولا يخرج عنه إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه التبييت،

وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها بأنه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن نوى الصيام من الليل، ولا أنه أصبح مفطرا ثم نوى الصوم بعد ذلك، لكن فيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يصبح متطوعا صائما ثم يفطر وهذا مباح، فيحتمل أنه نوى من الليل وأراد أن يفطر، ويدل عليه قوله في حديث عائشة، (فلقد أصبحت صائما) ولا يجوز ترك اليقين في حديث حفصة للظن للمحتمل في حديث عائشة.

وأجابوا عن حديث (عاشوراء) بأن النية صحت من نهار عاشوراء لكون الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدورا فيخص الجواز بمثل هذه الصورة.

ولابد لنا هنا من ذكر مذهب الإمام أبي حنفية رحمه الله تعالى في تبييت النية في صيام شهر رمضان:

  ذهب الحنفية في حكم تعيين النية في الصوم إلى تقسيم ذلك إلى قسمين:

 القسم الأول:

لا يشترط فيه التعيين، وهو: أداء رمضان، والنذر المعين زمانه، وكذا النفل، فإنه يصح بمطلق نية الصوم، من غير تعيين؛ وذلك لأن رمضان وقته مُضيّق، لا يسع غيره من جنسه وهو الصوم، فلم يشرع فيه صوم آخر، فكان متعيناً للفرض، والمتعين لا يحتاج إلى تعيين، والنذر المعين معتبر بإيجاب الله تعالى، فيصاب كل منهما بمطلق النية، وبأصلها، وبنية نفل، لعدم المزاحم. وكل يوم معيّن للنفل ماعدا رمضان، والأيام المحرم صومها، وما يعيّنه المكلف بنفسه، فكل ذلك متعين، ولا يحتاج إلى التعيين.

 والقسم الثاني:

يشترط فيه التعيين، وهو: قضاء رمضان، وقضاء ما أفسده من النفل، وصوم الكفارات بأنواعها، والنذر المطلق عن التقييد بزمان، سواء أكان معلقًا بشرط، أم كان مطلقًا، لأنه ليس له وقت معين، فلم يتأدَ إلا بنية مخصوصة، قطعًا للمزاحمة.

 فصوم رمضان عندهم يتأدّى بنيةٍ من بعد غروب الشمس إلى منتصف النهار، وقالوا بجواز صومه بنية من النهار . قال الكاساني:

 [وإن كان عينًا وهو صوم رمضان وصوم التطوع خارج رمضان والمنذور المعين يجوز] أي عقد النية بعد طلوع الفجر.

والقول بعدم اشتراط النية كما أنه قول الحنفية فهو رواية كذلك عن الإمام أحمد.

وسبب الخلاف في المسألة:

أورده ابن رشد في بداية المجتهد حيث قال:

[وسبب اختلافهم هل الكافي في تعيين النية في هذه العبادة، هو تعيين جنس العبادة، أو تعيين شخصها، وذلك أن كلا الأمرين موجود في الشرع، مثال ذلك: أن النية في الوضوء يكفي منها اعتقاد الحدث، لأي شيءٍ كان من العبادة التي الوضوء شرط في صحتها، وليس يختص عبادة عبادة، بوضوء وضوء.

وأما الصلاة، فلا بد فيها من تعيين شخص العبادة، فلا بد من تعيين الصلاة، إن عصرًا فعصرًا، وإن ظهرًا فظهرًا. وهذا كله على المشهور عند العلماء، فتردد الصوم عند هؤلاء بين هذين الجنسين فمن ألحقه بالجنس الواحد قال: يكفي في ذلك اعتقاد الصوم فقط ومن ألحقه بالجنس الثاني، اشترط تعيين الصوم]

وتوضيح ذلك :

أن سبب الخلاف هو في القدر الكافي في تعيين النية في العبادة، والمقصود بذلك أحد أمرين:

الاول:

إما أن يكون المقصود أن النية في الصوم يُراد بها جنس العبادة (أي: شهر رمضان كاملاً، كتلة واحدة متكاملة لثلاثين يومًا)

الثاني :

وإما أن يُراد بالنية عين العبادة أو شخصها، (أي: كل يوم من أيام رمضان على حِدة منفصل) فيكون مثل الصلوات الخمس، لا بد فيها من تعيين النية لكل صلاة لتمييزها.

فمن قال بأن رمضان يعتبر كتلة واحدة؛ قال: يكفي فيه اعتقاد الصوم فقط، ونية واحدة من بداية الشهر تكفي للشهر كاملاً، ومن ألحقه بأن كل يوم لوحده، منفصل، لا علاقة له بما قبله ولا بما بعده؛ قال: باشتراط تعيين النية]

بقي الشرط الرابع :

وهو تجديد النية لكل ليلة من رمضان :

فيجب تبييت الصيام في كل ليلة من ليالي رمضان عند الجمهور لعموم حديث حفصة المتقدم ولأن كل يوم عبادة مستقلة لا يرتبط بعضه ببعض، ولا يفسد بفساد بعضه، ويتخللها ما ينافيها، وهو الليالي التي يحل فيها ما يحرم في النهار، فأشبهت القضاء بخلاف الحج وركعات الصلاة.

وذهب زفر ومالك وهو رواية عن أحمد أنه تكفى نية واحدة عن الشهر كله في أوله، كالصلاة، وكذلك في كل صوم متتابع ككفارة الصوم والظهار.

والأمر واسع فلا حرج على من أخذ بأحد القوليين والله تعالى أعلى واعلم

 

ونختم بفائدة :

تتحق النية على الوصف المتقدم بالقيام في وقت السحر وتناول الطعام والشراب في ذلك الوقت لاسيما لمن لم يكن هذا بعادة له في غير أيام الصوم، لأن النية هي القصد إلى الشيء أو الإرادة له، وهذا قد حصل له القصد المعتبر.

تنبيه:

النية محلها القلب والتلفظ بها بدعة محدثة

والله تعالى أعلى واعلم

————————–

جمع وترتيب  : الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة]

حفظه الله

————–

2 رمضان 1440 للهجرة

————–

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

التحميل

734.0 KB