الشيخ بلال خريساتمؤسسة بيان

مختارات رمضانية – الحلقة السادسة – جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

حديثنا في هذه الحلقة عن مبطلات الصيام (المفطرات)

يبطل الصوم بوجه عام بانتفاء شرط من شروطه، أو اختلال ركن من أركانه، وأصول هذه المفطرات ثلاثة ذكرها الله في كتابه :{فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}

وقد أجمع العلماء على أنه يجب على الصائم الإمساك زمان الصوم عن المطعوم، والمشروب، والجماع، ثم اختلفوا من ذلك في مسائل منها ما هو مسكوت عنه ومنها ماهو منطوق به.

المبطلات قسمان :

الأول : ما يبطل الصيام، ويوجب القضاء :

الأكل والشرب عامدا ذاكرا لصومه :

فإن أكل أو شرب ناسيا، فإنه يتم صومه ولا قضاء عليه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :[من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه]رواه البخاري ومسلم

ويستوي في ذلك الفرض والنفل لعموم الأدلة عند الجمهور، خلافا لمالك فخص الحكم بصيام رمضان، وأما لو نسي في غير رمضان فأكل أو شرب فعليه القضاء عنده، والصحيح أنه لا فرق

والأكل هو : إدخال شيء إلى المعدة عن طريق الفم، وهو عام يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا نفع فيه ولا ضرر.

الثاني :

إذا أكل أو شرب أو جامع ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر فظهر خلافه.

لأهل العلم في هذه المسألة مذهبان :

الأول : أن عليه القضاء، وهو مذهب العلماء منهم الأئمة الأربعة.

الثاني: أنه لا قضاء عليه، وهو مذهب إسحاق وراوية عن أحمد وداود وابن حزم وعزاه إلى جمهور السلف، وبه قال المزني من الشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الراجح لما يأتي

الأول: قول الحق سبحانه :{ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}

الثاني : قوله جل ذكره :{ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} فقال الله كما في الحديث (نعم) رواه مسلم

الثالث : حديث أسماء بنت أبي بكر قالت :(أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس) قيل لهشام، فأمروا بالقضاء؟ قال: لابد من قضاء، وقال معمر: سمعت هشاما يقول (لا أدري أقضوا أم لا)

فحديث اسماء لا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه، وأما كلام هشام فقاله برأيه، ويدل عليه سؤال معمر له.

فتحصل أنهم لم يؤمروا بالقضاء، ولو كان عليهم قضاء لحفظ، فلما لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم فالأصل براءة الذمة، وعدم القضاء.

الرابع : قول الحق تبارك وتعالى :{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}

فقد علق الإمساك على تبين طلوع الفجر لا على مجرد طلوعه.

 

الخامس : أن الجاهل معذور، ، ففي حديث عدي بن حاتم قال :(لما نزلت :

{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}

عمدت إلى عقال أسود، والى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليها، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال :[إنما ذلك سواد الليل والنهار] رواه البخاري ومسلم

ولم يأمره بالقضاء لأنه جاهل ولم يقصد مخالفة الله ورسوله، بل رأى أن هذا حكم الله ورسوله فعذر.

وهذا القول هو الأصح لموافقته الدليل، على أن يراعى الآتي :

اولاً :

من أفطر قبل أن تغرب الشمس ثم تبين أنها لم تغرب، فيجب عليه الإمساك، لأنه أفطر بناء على سبب، ثم تبين عدمه.

ثانياً :

إذا غلب على ظنه غروب الشمس أو طلوع الفجر، أما إذا كان شاكا لم يغلب على ظنه :فإن أكل شاكا في طلوع الفجر صح صومه لأن الأصل بقاء الليل حتى يتيقن الفجر أو يغلب على ظنه، وإن أكل شاكا في غروب الشمس، لم يصح صومه، لأن الأصل بقاء النهار، فلا يجوز أن يأكل في غروب الشمس، وعليه القضاء ما لم يعلم أنه أكل بعد الغروب فلا قضاء حينئذ، والله تعالى أعلى واعلم.

مسألة :

تعمد الأكل والشرب يوجب القضاء فقط :

وبهذا قال الشافعي وأحمد في المشهور عنه وأهل الظاهر، وكثير من أهل العلم، لعدم ورود نص يوجب الكفارة إلا في الجماع فيقتصر عليه ولا يعدى به إلى غيره لعظم هتك حرمة الشهر، لإمكانه أن يصبر عليه إلى الليل بخلاف ما اعتاده من الأكل والشرب، ولأن الحاجة إلى الزجر عنه أمس والحكم في التعدي به آكد.

بينما ذهب مالك وأبو حنيفة وإسحاق وطائفة إلى أن تعمد الأكل والشرب يوجب القضاء والكفارة قياسا على الجماع لاشتراكهما في انتهاك حرمة الصوم.

والقول الأول هو الأصح لعدم النص، والأصل أن الكفارات لا يقاس عليها. والله تعالى أعلى واعلم

الثاني : تعمد القىء :

فإن غلبه القىء وخرج بنفسه، فلا قضا ء عليه ولا كفارة، بلا خلاف، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :[من ذرعه القىء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد والألباني

الثالث : الحيض والنفاس :

فمن حاضت أو نفست ولو في اللحظة الأخيرة من النهار، فسد صومها، وعليها قضاء هذا اليوم، بإجماع العلماء.

الرابع :تعمد الاستمناء :

وهو تعمد إخراج المنى بما دون الجماع كالاستمناء باليد أو المباشرة أو نحو ذلك بقصد إخراجه بشهوة، فإن أنزل بشيء من ذلك متعمدا ذاكرا لصيامه فسد صومه ولزمه القضاء عند الجمهور.

وذهب ابن حزم إلى أنه إن استمنى بغير جماع لم يفسد صومه وإن تعمد، قال :(ولم يأت بذلك نص ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس)

 

ومذهب الجمهور أرجح، ويستدل له بقول الله تعالى في الحديث القدسي في شأن الصائم :[يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي] والاستمناء شهوة وكذا خروج المني، ومما يؤكد أن المني يطلق عليه (شهوة) قوله صلى الله عليه وسلم :[وفي بضع أحدكم صدقة [قالوا :يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ فقال :[أرأيتم لو وضعها في الحرام] رواه مسلم

فالذي يوضع هو المني وقد سماه شهوة.

أما إذا تفكر أو نظر فأنزل، ولم يتعمد بتفكره أو نظره إلى امرأته ونحو ذلك إنزال المني، لم يفسد صومه.

الخامس : نية الإفطار :

فإن نوى وهو صائم إبطال صومه، وعزم على الإفطار جازما متعمدا ذاكرا أنه في صوم، بطل صومه، وإن لم يأكل أو يشرب لأن (لكل امرئ ما نوى) ولأن الشروع في الصوم لا يستدعي فعلا سوى نية الصوم فكذلك الخروج لا يستدعي فعلا سوى النية ولأن النية شرط أداء الصوم، وقد أبدله بضده، وبدون الشرط لا تتأدى العبادة.

وهذا مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد وأبي ثور والظاهرية وأصحاب الرأي إلا أن أصحاب الرأى قالوا :إن عاد قبل انتصاف النهار أجزأ، بناء على أصلهم أنه تصح النية من النهار.

السادس : الردة عن الإسلام :

لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن من ارتد عن الإسلام في أثناء الصوم أنه يفسد صومه، وعليه القضاء إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم أثناء اليوم أو بعد انقضائه، لقوله تعالى :{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}

ولأن الصوم عبادة من شرطها النية فأبطلتها الردة.

وبهذا نكون قد انتهينا عن الحديث عن ما يبطل الصيام ويوجب القضاء فقط

والله تعالى أعلى واعلم

جمع وترتيب :

الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة] حفظه الله

6 رمضان 1440 للهجرة

————–

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

التحميل

914.8 KB