الشيخ بلال خريسات

مختارات رمضانية – الحلقة الثامنة- جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

أمور لا تفسد الصوم ولا تؤثر فيه :

الأمر الأول : أن يصبح يوم الصيام جنبا :

فمن نام وهو صائم فاحتلم لم يفسد صومه بل يتمه إجماعا، وكذلك من أجنب ليلاً ثم أصبح صائما، فصومه صحيح، ولا قضاء عليه عند الجمهور، لحديث عائشة وأم سلمة، (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم) رواه البخاري ومسلم.

الأمر الثاني : تقبيل الزوجة ومباشرتها إن أمن الإمناء :

قالت (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه) رواه البخاري ومسلم.

وعنها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم وأنا صائمة)رواه أبو داود وعبد الرزاق وهو صحيح.

قال ابن حزم :

(وكانت عائشة إذا مات عليه الصلاة والسلام بنت ثماني عشرة سنة، فظهر بطلان قول من فرق في ذلك بين الشيخ والشاب، وبطلان قول من قال :إنها مكرهة، وصح أنها حسنة مستحبة وسنة من السنن، وقربة من القرب إلى الله تعالى اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ووقوفا عن فتياه بذلك)

ولا يقال أن جواز القبلة خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم

فعن عمر بن أبي سلمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم :أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :[سل هذه] لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، فقال :يا رسول الله، قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسوله الله صلى الله عليه وسلم : [أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له] رواه مسلم.

وعن جابر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :هششت يوما فقبلت وأنا صائم، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت :لقد صنعت اليوم أمرا عظيماً، قال:[وما هو] قلت :قبلت وأنا صائم، قال :[أرأيت لو تمضمضت من الماء] قلت :إذا لا يضر، قال :[ففيم] الحديث صحيح لغيره رواه أبو داود وأحمد.

والمباشرة : وهي مس بشرة الرجل لبشرة المرأة فيما دون الجماع كالقبلة ولا فرق، وعن مسروق قال :(سألت عائشة رضي الله عنها :ما يحل للرجل من امرأته صائما، قالت :(كل شيء إلا الجماع) اسناده صحيح رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبه.

فالصحيح أنه لا يكره أن يقبل أو يباشر، فإن قبل أو باشر فأمذي أو أمذت فلا شيء عليها، فإن كان يعلم من نفسه أنه يمني بذلك لم يجز له، فإن فعل وأمنى أو أمنت هي فقد أفطر الذي أنزل المني منهما وبطل صومه وعليه القضاء.

الأمر الثالث: الاغتسال، والصب على الرأس للتبرد :

عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما :(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم) رواه البخاري ومسلم.

وعن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال :(لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر) رواه أبو داود وصححه الألباني.

الأمر الرابع :المضمضة والاستنشاق من غير مبالغة :

فعن لقيط بن صبرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما] رواه الترمذي وأبو داود

فلا بأس بالمضمضة للصائم ولو في غير وضوء أو غسل، ولا يفسد صومه البلل الذي يبقى في الفم بعد المضمضة، إذا ابتلعه مع الريق، لأنه لا يمكن التحرز عنه.

فإن تمضمض أو استنشق فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه في أصح قولي العلماء، وبه قال الأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه، خلافا لقول أبي حنيفة ومالك بأنه يفطر.

الأمر الخامس : تذوق الطعام للحاجة مالم يصل إلى الجوف :

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال :(لا بأس أن يذوق الخل أو الشيء، ما لم يدخل حلقه وهو صائم) حسن لغيره رواه ابن أبي شيبة والبيهقي وله شاهد عند البخاري معلقا

قال شيخ الإسلام :. (وذوق الطعام يكره لغير حاجة، لكن لا يفطر، وأما للحاجة فهو كالمضمضة)

وفي معنى التذوق مضغ الطعام للحاجة: فعن يونس عن الحسن قال :(رأيته يمضغ للصبي طعاما وهو صائم يمضغه ثم يخرجه من فيه، يضعه في فم الصبي) إسناده صحيح رواه عبد الرزاق وله شاهد عند ابن أبي شيبه

فائدة :

يكره للصائم مضغ العلك (اللبان) الشديد إذا لم يتحلب منه شيء يدخل إلى الجوف ولم يكن له طعم يوجد في الحلق، لأنه يجفف الفم ويعطش، فإذا كان يتحلب منه ما يدخل إلى الجوف، فإنه يفطر عند الجمهور.

الأمر السادس: الحجامة، والتبرع بالدم، لمن لم يخش الضعف :

صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة طرق أنه قال :[أفطر الحاجم والمحجوم] صحيح بطرقه رواه الترمذي وأبو داود

وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما :(أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم) رواه البخاري وأبو داود والترمذي

ذهب أحمد وابن سيرين والأوزاعي وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة، واختاره ابن تيمية أن المحتجم يفطر بالحجامة وهو قول علي وأبي هريرة وعائشة، وحجة هذا المذهب.

أولاً : حديث :(افطر الحاجم والمحجوم)

ثانياً : تضعيف الإمام أحمد لحديث ابن عباس، وهو في البخاري

ثالثاً : قالوا وعلى فرض صحته فهو منسوخ

وزاد ابن تيمية عن الحنابلة أن الحاجم كذلك يفطر إذا مص القارورة.

وذهب الجمهور :أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم إلى أن الحجامة لا يفطر بها الحاجم ولا المحجوم، وبه قال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأنس وأبو سعيد الخدري وطائفة من السلف، وحجتهم.

أولاً :

أن حديث ابن عباس ثابت صحيح، وأجابوا عن تضعيف الإمام أحمد، أن مهنا قال :

(سألت أحمد عن هذا الحديث فقال ليس فيه (صائم) إنما هو (محرم) ثم ساقه من طرق عن ابن عباس لكن ليس فيها طريق أيوب التي في البخاري، قال الحافظ :(فالحديث صحيح لا مرية فيه)

ثانياً :

قالوا : إن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) هو المنسوخ، وأطال النووي الكلام على ذلك، وبهذا قال الشافعي والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم.

والحق أنه ليس على دعوى النسخ من الفريقين برهان لاسيما مع الجهل بالتاريخ، ثم إن الحديثين لا مطعن في واحد منها، فهاهنا مسلكان يجب المصير إلى واحد منها.

الأول : أما أن يقال إن إفطار الحاجم والمحجوم منسوخ بحديث آخر وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :

(أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم) صحيح لغيره رواه النسائي والدرقطني والبيهقي

قال ابن حزم : وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجما أو محجوما.

الثاني : وإما أن يقال النهي عن احتجام الصائم ليس على التحريم، فيحمل حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) على معنى أنه سيأول أمرهما إلى الفطر ويؤيد هذا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :(نهي عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه) صحيح رواه ابو داود وعبد الرزاق

فدل على أنه إنما كره ذلك في حق من كان يضعف به ويؤكد حديث ثابت أنه قال لأنس بن مالك :أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :(لا، إلا من أجل الضعف) رواه البخاري.

وهذا هو الأولى بالقبول فيترجح مذهب الجمهور بأن الحجامة لا تفطر، لكنها تكره في حق من كان سيضعف بها، وتحرم إذا بلغ به الضعف إلى أن تكون سببا في إفطاره ويدخل في معنى الحجامة التبرع بالدم، فيقال فيه ما قيل في الحجامة.

والله تعالى أعلى واعلم.

———————–

جمع وترتيب  :

الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة]

حفظه الله

——————

8 رمضان 1440 للهجرة

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

التحميل

887.9 KB