الشيخ بلال خريسات

مختارات رمضانية – الحلقة الحادية عشر – جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

 

حكم قراءة القرآن للحائض والجنب والنفساء ومس المصحف في رمضان وغيره من سائر الأيام.

 

اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذه المسألة على أقوال :

فذهب جمهور الفقهاء على حرمة قراءة الحائض للقرآن حال الحيض حتى تطهر ، ولا يستثنى من ذلك إلا ما كان على سبيل الذّكر والدّعاء ولم يقصد به التلاوة كقول :

بسم الله الرحمن الرحيم ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة  الخ مما ورد في القرآن وهو من عموم الذكر .

واستدلوا على المنع بأمور منها :

الأول :

أنها في حكم الجنب بجامع أن كلاً منها عليه الغسل ، وقد ثبت من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه[ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يعلمهم القرآن وكان لا يحجزه عن القرآن إلا الجنابة] رواه أبو داود والترمذي  والنسائي  وابن ماجه  وأحمد  ابن خزيمة  قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وقال الحافظ ابن حجر : والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة.

الثاني:

ما روي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال :

[لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن] رواه الترمذي  وابن ماجه  والدارقطني والبيهقي  وهو حديث ضعيف لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وروايته عنهم ضعيفة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية  وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث أ.هـ

مناقشة ادلة المانعيين :

الأول :

وهو قوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ }

فالاستدلال به ضعيفٌ، والمراد بـ { الْمُطَهَّرُونَ } في الآية [الملائكة] ولا علاقة للآية بمسألة مسِّ المصحف على طهارة وذلك لوجوهٍ عديدةٍ -ذكرها ابن القيم رحمه الله:

الأول :

أنه وصفه بأنه {مَكْنُونٍ}، والمكنون: المستور عن العيون، وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة.

الثاني :

أنه قال { لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } وهم الملائكة ، ولو أراد المؤمنين المتوضئين لقال [لا يمسه إلا المتطهرون] كما قال تعالى { إِنَّ الله يحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } فالملائكة مطهَّرون، والمتوضئون متطهرون.

الثالث :

أنَّ هذا إخبارٌ ، ولو كان نَهياً لقال [لا يمْسَسْهُ]

بالجزم ، والأصل في الخبر: أن يكون خبراً صورةً ومعنًى.

الرابع :

أنَّ هذا ردٌّ على من قال: [إن الشيطان جاء بهذا القرآن] فأخبر تعالى أنَّه { فِي كِتَابٍ مَكْنُون } لا تناله الشياطين ولا وصولَ لها إليه.

الخامس :

أنَّ هذا نظير الآية التي في سورة عبس { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ . فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ . مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرَامٍ بَرَرَة } .

قال مالكٌ في موطئه  : أحسن ما سمعتُ في تفسير قوله { لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } أنها مثل هذه الآية في سورة عبس.

السادس :

أنَّ الآيةَ مكيَّةٌ في سورة مكيَّةٍ تتضمن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات الصانع، والرد على الكفار، وهذا المعنى ألْيَقُ بالمقصود مِن فرعٍ عمليٍّ وهو حكم مس المحدِث المصحف.

السابع :

أنَّه لو أُريدَ به الكتاب الذي بأيدي الناس: لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثيرُ فائدةٍ ، ومن المعلوم أنَّ كلَّ كلامٍ فهو قابلٌ لأنْ يكون في كتابٍ حقاً أو باطلاً بخلاف ما إذا وقع القسَم على أنَّه في كتابٍ مصونٍ مستورٍ عن العيون عند الله لا يصل إليه شيطان ولا ينال منه ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة الزكية ، فهذا المعنى ألْيَقُ وأجلُّ وأخْلَقُ بالآية بلا شك. أ.ه‍‏‍ [التفسير القيم]

ونقل ابن المنذر في [الأوسط] أن معنى{ الْمُطَهَّرُونَ }  [ الملائكة] عن أنس وابن جبير ومجاهد والضحاك وأبي العالية.

 

فائدة :

ومن أهل العلم الذين قالوا بجواز قراءة الحائض للقرآن الإمام  مالك ، ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ورجحه الشوكاني واستدلوا على ذلك بأمور منها :

الأول :

أن الأصل الجواز والحل حتى يقوم دليل على المنع وليس هناك دليل يمنع من قراءة الحائض للقرآن ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ليس في منع الحائض من القراءة نصوص صريحة صحيحة ، وقال : ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن ، كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء.

الثاني :

أن الله تعالى أمر بتلاوة القرآن ، وأثنى على تاليه ووعده بجزيل الثواب وعظيم الجزاء فلا يمنع من ذلك إلا من ثبت في حقه الدليل وليس هناك ما يمنع الحائض من القراءة كما تقدم.

الثالث :

أن قياس الحائض على الجنب في المنع من قراءة القرآن قياس مع الفارق لأن الجنب باختياره أن يزيل هذا المانع بالغسل بخلاف الحائض ، وكذلك فإن الحيض قد تطول مدته غالباً ، بخلاف الجنب فإنه مأمور بالإغتسال عند حضور وقت الصلاة.

الرابع :

أن في منع الحائض من القراءة تفويتاً للأجر عليها وربما تعرضت لنسيان شيء من القرآن أو احتاجت إلىالقراءة حال التعليم أو التعلم.

ومما يستدل به المانعون أيضا: قصة إسلام [عمر رضي الله عنه] وفيها:[أن أخته قالت له قبل أن يسلم: إنك رجسٌ ولا يمسه(أي: القرآن) [ إلا المطهرون]رواها أحمد في فضائل الصحابةوابن سعد في الطبقات.

قال الحافظ ابن حجر: في إسناده مقال. أ.ه‍‏‍ (التلخيص الحبير)

وفي إسناد (أحمد) إسحاق بن إبراهيم الحنيني ، وهو متفقٌ على ضعفه كما في تهذيب التهذيب وأسامة بن زيد بن أسلم وهو ضعيفٌ أيضاً مشهورٌ بذلك

وفي إسناد (ابن سعد) القاسم بن عثمان البصري ، قال الذهبي في (الميزان) حدَّث عن إسحاق الأزرق بمتنٍ محفوظٍ، وبقصةِ إسلامِ عمر، وهي منكرةٌ جداً. أ.ه‍‏‍

واستدلوا أيضا بكتاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم في اليمن [أن لا يمس القرآن إلا طاهر] رواه مالك والنسائي  وغيرهما.

والحديث : ضعفه الحافظ ابن حجر والنووي ، انظر [التلخيص الحبير]  ومال الألباني إلى كونه صحيحاً لغيره، وانظر تخريجاً موسعاً في [نصب الراية] وتحقيق [الخلافيات]

وعلى كلِّ حالٍ: فلو فرضنا صحةَ الحديثِ أو حُسنه، فإنَّ الاستدلال به يبقى قاصراً؛ ذلك أن كلمة «طاهر» تطلق على معانٍ عدةٍ.

الأول :

طاهر القلب من الشرك ، يؤيده قوله تعالى { إِنَّما الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ }

وقوله تعالى – على قول قوي – { وَثِيَابَكَ فَطَهِّر ْ }

الثاني:

طاهر البدن من النجاسة والأذى ، يؤيده قوله تعالى: { إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ }

قال ابن كثير: أي المتنـزِّهين عن الأقذار والأذى. أ.ه‍‏‍

الثالث :

الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر ، يؤيِّده قوله صلى الله عليه وسلم :[أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ] رواه البخاري  ومسلم

وقوله تعالى :{ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُو }

[ والدليل إذا تطرق إليه الاحتمالُ بَطَلَ به الاستدلال]

على أنَّ الأقرب في هذا الحديث أن (طاهر) هي على المعنى الأول.

والذي يظهر أن منع الحائض والنفساء والجنب من قراءة القرآن سواء في رمضان أو غيره من سائر الأيام لا دليل عليه.

والله تعالى أعلى واعلم.

———————–

جمع وترتيب  :

الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة]

حفظه الله

——————

11 رمضان 1440 للهجرة

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

التحميل

971.2 KB