الشيخ بلال خريساتمؤسسة بيان

مختارات رمضانية – الحلقة الثانية عشر – جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

 

 

قضاء رمضان :

وفيه عدة مسائل :

* الأولى :  من أفطر بغير عذر :

ذهب أكثر أهل العلم إلى أن من أفطر متعمدا يجب عليه القضاء سواء كان بعذر أو بغير عذر، واختلف هؤلاء :

فأوجب بعضهم على من أكل أو شرب :القضاء والكفارة قياسا على الجماع وهو قول ابن المبارك وإسحاق وأبي حنيفة ومالك وقال الشافعي وأحمد :عليه القضاء دون الكفارة.

وذهب ابن حزم إلى أنه لا يشرع له القضاء إذا أفطر متعمدا بغير عذر على أصله في أن العبادة محددة الطرفين إذا تركت من غير عذر لم يشرع قضاؤها إلا بنص جديد، فإيجاب صيام غير رمضان الذي افترض عليه صيامه بدلا منه، إيجاب شرع لم يأذن به الله تعالى.

وهذا مذهب قوي ويؤيده هنا أنه لم يثبت أمر النبي صلى الله عليه وسلم للمجامع في رمضان بالقضاء مع ثبوت الكفارة كما تقدم قريبا، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال :

(من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا رخصة لم يجزه صيام الدهر كله) اسناده صحيح رواه ابن أبي شيبه

تنبيه :

يخرج مما تقدم من تعمد التقيؤ فإنه يقضي لأجل النص فيه كما مر معنا، والله تعالى أعلى واعلم.

* الثانية : قضاء رمضان لا يجب على الفور :

قضاء الفوات من رمضان بعذر شرعي لا يجب على الفور، وإنما وجوبه على التراخي وجوبا موسعا، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت :(كان يكون على الصيام من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) رواه البخاري ومسلم

قال الحافظ في الفتح :

(وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان سواء كان (يعني التأخير) لعذر أو لغير عذر)

لكن يستحب المبادرة بالقضاء، لعموم قوله تعالى : {أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}

فائدة :

إذا أخر القضاء حتى دخل رمضان الذي بعده :

فإنه يصوم رمضان الذي ورد عليه كما أمر فإذا أفطر في شوال قضى الأيام التي كانت عليه فقط ولا مزيد على هذا، فلا يجب عليه إطعام ولا غيره، لعدم ثبوت شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة وابن حزم، وهو الراجح.

وقال مالك :

يطعم في القضاء عن كل يوم مدا مدا عددها مساكين إن تعمد ترك القضاء وهو قول الشافعي، والصحيح أنه لا شيء عليه سوى القضاء والله تعالى أعلى واعلم.

 

* الثالثة : لا يجب التتابع في القضاء :

لقول الحق تبارك وتعالى : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : [لا بأس أن يفرق] اسناده صحيح علقه البخاري ووصله عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي بسند صحيح

وقال أبو هريرة رضي الله عنه : [بواتر إن شاء] إسناده صحيح أخرجه الدارقطني

وقال أنس : [إن شئت فاقض رمضان متتابعا، وإن شئت متفرقا] إسناده صحيح أخرجه ابن أبي شيبه

وأما ما روى عن أبي هريرة مرفوعا :(من كان عليه صوم رمضان، فليسرده ولا يقطعه) فضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وذهب إلى التخيير بين المتابعة والتفريق في قضاء الصيام الأئمة الأربعة.

* الرابعة : من مات وعليه صوم :

اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم، هل يصوم عنه وليه؟ على ثلاثة أقوال.

القول الأول :

لا يصام عنه لا في النذر ولا في قضاء رمضان :وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك وظاهر مذهب الشافعي واستدلوا على ذلك بجملة من الأدلة.

– الأول : قول الحق تبارك وتعالى : {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}

– الثاني : قول النبي صلى الله عليه وسلم :

[إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له] رواه البخاري ومسلم

– الثالث : ما يروى عن عبادة بن نسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

[من مرض في رمضان حتى مات لم يطعم عنه، وإن صح فلم يقضه حتى مات أطعم عنه] إسناده ضعيف رواه عبد الرزاق

– الرابع : حديث عمرة : [أن أمها ماتت وعليها صيام من رمضان فقالت لعائشة:أقضيه عنها؟ قالت (لا)، بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين] إسناده ضعيف رواه الطحاوي وابن حزم

وروى عنها أنها قالت :[لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم]

إسناده ضعيف رواه عبد الرزاق

قالوا :وهي التي روت قوله صلى الله عليه وسلم : [من مات وعليه صوم، صام عنه وليه] رواه البخاري ومسلم

فدل على أن العمل على خلاف ما روته!!!

– الخامس :حديث ابن عباس أنه قال :[لايصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد] إسناده صحيح رواه النسائي والطحاوي

– السادس :تأولوا حديث ((صام عنه وليه)) بأن المراد :فعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام!!!

قال النووي :هو تأويل باطل يرده باقي الأحاديث

– السابع :قالت المالكية :عمل أهل المدينة على خلاف ذلك؟!!!

 

القول الثاني :

يصام عنه النذور والقضاء مطلقا :

وهو مذهب أبي ثور وأحد قولى الشافعي واختاره النووي وأصحاب الحديث وابن حزم واستدلوا.

الأول : حديث عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :[من مات وعليه صيام، صام عنه وليه] رواه البخاري ومسلم

الثاني :حديث ان عباس قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر [وفي رواية: <(صوم نذر)> ]فأقضيه عنها؟ قال :[نعم فدين الله أحق أن يقضى] رواه البخاري ومسلم

الثالث : حديث بريدة قال :بينما أنا جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أتته امرأة فقالت :يا رسول الله، إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال :[وجب أجرك، وردها عليك الميراث]، قالت :يا رسول الله، أنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال :[صومى عنها] رواه مسلم والترمذي.

الرابع : حديث ابن عباس: (أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرا فنجاها الله تعالى، فلم تصم حتى ماتت، فجائت بنتها أو أختها إلى رسول الله صلى الله فأمرها أن تصوم عنها) صحيح رواه أبو داود والنسائي.

الخامس : أجابوا عن استدلال المانعين بقوله تعالى :

{ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} بأن الذي أنزل هذه الآية هو الذي أنزل قوله :{من بعد وصيّة يوصى بها أو دَيْن} وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الصيام دينا، فعلم أن المراد :ليس للإنسان إلا ما سعى، وما حكم الله ورسوله أن له من سعي غيره عنه والصوم من جملة ذلك.

السادس : وأجابوا عن حديث :(إذا مات ابن آدم انقطع عمله….) بأنه لا متعلق له بمسألتنا لان فيه انقطاع عمل الميت، وليس في انقطاع عمل غيره عنه ولا المنع منه.

السابع : أجابوا عن فتوى ابن عباس وعائشة بأن الآثار عنهما فيها مقال، ولو صحت لكانت الحجة فيما روياه مرفوعا دون فتواهما، كما هو مقرر في الأصول.

 

القول الثالث:

يصام عنه النذر دون قضاء رمضان :

وهو مذهب أحمد وإسحاق وأبي عبيد والليث وحجتهم :

الأول : أن حديث عائشة عام، وحديث ابن عباس خاص فيحمل عليه، ويكون المراد بالصيام الذي يصومه الولي صيام النذر.

الثاني : أن الثابت عن عائشة في منعها الصيام عن الميت إنما هو قضاء صيام الفرض لا النذر كما تقدم في أثر عمرة عنها وفيه :(أن أمها ماتت وعليها من رمضان….) فالظاهر أنها لا تمنع من صيام النذر عن الميت عملا بما روته من العموم، فيدل على أنها لم تفهم الإطلاق الشامل لصوم رمضان غيره في مرويها.

الثالث : أن الثابت عن ابن عباس وهو راوي الحديث الآخر في الصوم عن الميت قوله :(إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم، أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه) ولا شك أنه أدرى بمعنى مرويه

والآثر إسناده صحيح أخرجه ابو دواد وابن حزم.

الرابع :أن فرض الصيام جار مجرى الصلاة والإسلام، فكما أنه لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد، فكذلك الصيام، ومقتضى الدليل أن فعلهما عن الميت بعد موته لا يبرئ ذمته، ولا يقبل منه، ولا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله عليه.

وأما النذر فإن الشارع لم يلزمه به ابتداء وإنما ألزم به المكلف نفسه، فصار بمنزلة الدين الذي استدانه، فدخلته النيابة.

والذي يترجح أنه يصام عن الميت القضاء والنذر مطلقا، لأن العام (في حديث عائشة) لا يخصص بأحد أفراده (في حديث ابن عباس) إلا عند التعارض كما تقرر في الأصول ولا تعارض هنا.

قال الحافظ في الفتح : فحديث ابن عباس صورة مستقلة يسأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة.

والحاصل : أن من مات وعليه صيام لا يخلوا من أحد ثلاثة :

الأول :أن يتصل عذره في قضائه حتى يموت وهو غير قادر على قضائه، فهذا لا شيء عليه ولا على ورثته، ولا في تركته لا صيام ولا إطعام

الثاني : أن يزول عذره ويتمكن من قضاء رمضان، ولا يقضيه حتى يموت، فهذا يصام عنه.

الثالث : أن يموت وعليه نذر، فيصوم عنه ورثته.

 

فائدتان :

الأولى : قوله صلى الله عليه وسلم : [من مات وعليه صيام صام عنه وليه]

خبر بمعنى الأمر وتقديره (فليصم عنه وليه) وهذا الأمر للندب لا للإيجاب عند الجمهور خلافا لأهل الظاهر، ويقوي هذا رواية البزار ففيها (فليصم عنه وليه إن شاء) [هذا لو صحت لكنها زيادة منكرة] وهذا هو الموافق للقواعد فإن الأصل براءة الذمة وأن المكلف غير ملزم بأداء ما ثبت في ذمة غيره إلا بدليل صريح.

الثانية : من مات وعليه صوم، وصام عنه رجال بعدد الأيام التي عليه جاز ذلك.

وأما الإطعام فإن جمع وليه مساكين بعدد الأيام التي عليه وأشبعهم، جاز، كذلك فعل أنس بن مالك رضي الله عنه.

 

———————–

جمع وترتيب  :

الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة]

حفظه الله

——————

12 رمضان 1440 للهجرة

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

التحميل

1.0 MB