الشيخ بلال خريساتمؤسسة بيان

مختارات رمضانية – الحلقة الثالثة عشر – جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

من كان عليه قضاء من رمضان، هل يصوم الستة من شول قبل القضاء :

رواى مسلم في صحيحه من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

[من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر]

اختلف أهل العلم في صيام الستة من شوال وما يتعلق بها من أحكام على أقوال :

المسألة الأولى :

حكم صيام ستة شوال: اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:

الأول : يستحب صيامها، وهذا مذهب الجمهور: الشافعي، وأحمد، وداود، وابن المبارك، وغيرهم.

الثاني : يستحب إخفاء صيامها، أثر ذلك عن مالك.

الثالث:يكره صيامها حتى لا يتصل ذلك بالصيام الواجب وهو رمضان، وذهب إلى ذلك أبو حنيفة ومالك.

أدلة المستحبين لصيامها من غير قيد ولا شرط بعدة أدلة :

الأول : حديث أبي أيوب رضي الله عنه أن إلى النبي صلى الله عليه وسلم: [من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر] رواه مسلم.

وقال الإمام أحمد: هو من ثلاثة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم

الثاني : حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:[من صام رمضان، شهر بعشرة أشهر، وصام ستة أيام من الفطر وذلك تمام سنة] صحيح رواه أحمد والنسائي وابن ماجه

((وهذا القول هو القول الراجح الذي يؤيده الدليل))

أدلة الكارهين لصيام ستة شوال:

استدل الكارهون لصيام ستة شوال، وهم مالك وأبو حنيفة ومن وافقهما، وعلل مالك ذلك بشيئين هما:

الأول :أنه لم ير أحداً من أهل الفقه يصومها.

الثاني :أنه لم يبلغه عن أحد من السلف.

قال مالك في الموطأ: (وصوم ستة أيام من شوال لم أر أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغه ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم في وقته كانوا يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان أهل الجفاء والجهالة ما ليس منه، لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك).

وهذا قول مردود، وأجاب أهل العلم المستحبون لصيامه بأن السنة ثابتة في ذلك، ولا يمكن أن تترك سنة صحيحة لهذه التوهمات.

وعلل أبو حنيفة كراهته لصيامها مخافة التشبه بأهل الكتاب في زيادة ما أوجبه الله عليهم من الصيام، والرد عليه كالرد على مالك.

قال النووي: (قال أصحابنا: يستحب صوم ستة أيام من شوال لهذا الحديث.. وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال أحمد وداود، وقال مالك وأبو حنيفة: يكره صومها.

وقال: وأما قول مالك فلم أر أحداً يصومها فليس بحجة في الكراهة، لأن السنة ثبتت في ذلك بلا معارض، فكونه لم ير لا يضر، وقولهم لأنه قد يخفى ذلك فيعتقد وجوبه ضعيف لأنه لا يخفى ذلك على أحد، ويلزم على قوله أن يكره صوم يوم عرفة، وعاشوراء، وسائر الصوم المندوب إليه، وهذا لا يقوله أحد)

وقال ابن قدامة:

(وجملة ذلك أن صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم، روي ذلك عن كعب الأحبار، والشعبي، وميمون بن مهران، وبه قال الشافعي، وكرهه مالك، وقال: ما رأيت أحداً من أهل الفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه)

قال خليل في مختصره: (وكره أي مالك البيض كستة من شوال).

قال الحطاب في شرح مختصر خليل:  (فكره مالك -رحمه الله- ذلك مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه عند أهل الجهالة والجفاء، وأما الرجل في خاصة نفسه فلا يكره له صيامها)

وقال: (وقال الشبيبي: إنما كرهها مالك مخافة أن تلحق برمضان، وأما الرجل في خاصة نفسه فلا يكره له صيامها، واستحب صيامها في غير شوال لحصول المقصود من تضاعف أيامها وأيام رمضان حتى تبلغ عدة الأيام)

وقال ابن رجب الحنبلي: (فاستحب صيام ستة أيام من شوال أكثر العلماء، روي ذلك عن ابن عباس – رضي الله عنهما-، وطاوس، والشعبي، وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأنكر ذلك آخرون)

المسألة الثانية :

صفة صيام ستة شوال:

الذين استحبوا صيامها وهم الجمهور وهو الراجح اختلفوا في صفة صومها متفرقة ومجتمعة، بعد العيد مباشرة أم يؤخر ذلك على أقوال:

الأول : يستحب صيامها من أول الشهر بعد العيد متتابعة، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه، واستدلوا بحديث:(من صام ستة أيام من الفطر متتابعة، فكأنما صام السنة) والحديث ضعيف

الثاني : لا فرق بين تتابعها وتفرقها في الشهر كله، وهذا مذهب وكيع وأحمد.

الثالث : لا تصام بعد العيد مباشرة، فإنها أيام أكل وشرب، ولكن بعد ذلك، وهذا قول عطاء.

القول الراجح والله أعلم أن الأمر فيه سعة، فمن صامها بعد العيد مباشرة فله ذلك، ومن أخرها فله ذلك، ومن تابع بينها فله ذلك، ومن فرَّق بينها فله ذلك، وإن كان التعجيل والتتابع أفضل.

قال النووي: (قالوا: ويستحب أن يصومها متتابعة في أول شوال، فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال جاز، وكان فاعلاً لأصل هذه السنة لعموم الحديث وإطلاقه، وبه قال أحمد وداود)

وقال الترمذي:  (واستحب ابن المبارك أن يكون ستة أيام من أول الشهر، وقد روي عن ابن المبارك أنه قال: إن صام ستة أيام من شوال متفرقة فهو جائز)

وقال ابن قدامة: (وإذا ثبت هذا أي صيامها فلا فرق بين كونها متتابعة أو مفرقة، في أول الشهر أوفي آخره، لأن الحديث ورد بها مطلقاً من غير تقييد، ولأن فضيلتها لكونها تصير مع الشهر ستة وثلاثين يوماً، والحسنة بعشر أمثالها، فيكون ذلك كثلاثمائة وستين يوماً، وهي السَّنة كلها، فإذا وُجد ذلك في كل سنة صار كصيام الدهر كله، وهذا معنى يحصل مع التفريق، والله أعلم)

وقال ابن رجب: (وأكثر العلمـاء على أنه لا يكـره صيام ثاني يوم الفطر، ودل عليه حديث عمران بن الحصين: (إذا أفطرتَ فصم) رواه مسلم

المسألة الثالثة :

من كان عليه قضاء قدمه على ستة شوال:

من كان عليه قضاء فليعجل بقضائه، وعليه أن لا يقدم صيام ستة شوال عليه، ولو شغل قضاؤه شوال كله، فدين الله أحق بالأداء، وإذا مات العبد سئل عن القضاء إذا فرَّط فيه ولم يُسأل عن ستة شوال، بل الأجر في صيام ستة شوال مترتب على إتمام رمضان.

روي عن أم سلمة أنها كانت تقول لأهلها: من كان عليه رمضان فليصمه الغد من الفطر.

وهناك من ذهب من أهل العلم في قوله صلى الله عليه وسلم (ثم أتبعه ستا) خرج مخرج الغالب فليس له مفهوم، فيجوز صيام الست قبل قضاء رمضان لا سيما لمن ضاق عليه شوال لو قضى، وهذا يحتمله إطلاق حديث ثوبان رضي الله عنه، والقول الأول هو الأصح، والله تعالى أعلى واعلم.

المسألة الرابعة :

قضاء ستة شوال لمن لم يستطع صيامها في شوال أو غيره.

من لم يتمكن من صيام ستة شوال في شوال، لقضاء أو غيره، فله إن شاء أن يقضي ذلك في غيره من الشهور، خاصة إن كان مواظباً على صيامها قياساً على قضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لصيام بعض الأيام البيض والاثنين والخميس في شعبان، وعملاً بقوله صلى الله عليه وسلم:

[أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل] رواه البخاري

مسألة :

كراهة وصال الصوم :

 الوصال في الصيام هو أن يصوم يومين أو أكثر بدون أن يفطر ، أي أنه يواصل الصيام في الليل فلا يأكل ولا يشرب.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل الصيام ، وكان الله تعالى يعطيه القوة على ذلك ، ولكنه نهى أمته عن ذلك شفقة عليهم ، ورحمة بهم .

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :  قال النبي صلى الله عليه وسلم :

[لا تواصلوا . قالوا : إنك تواصل . قال : إني لست مثلكم ، إِني أبيت يطعمني ربي ويسقيني . فلم ينتهوا عن الوصال ، قال : فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين أو ليلتين ثم رأوا الهلال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكل لهم]

قال ابن قدامة في (المغني) : (والوصال مكروه في قول أكثر أهل العلم) اهـ

قال النووي في (المجموع) : (أما حكم الوصال فهو مكروه بلا خلاف عندنا،وهل هي كراهة تحريم أم تنزيه ؟ فيه وجهان (أصحهما ) عند أصحابنا وهو ظاهر نص الشافعية كراهة تحريم ) اهـ

وقال الشيخ ابن عثيمين في (الشرح الممتع) : والذي يظهر في حكم الوصال التحريم اهـ

لكن إذا لم تكن هناك مشقه فلا بأس بالوصال إلى السحر(( فقط))

لقوله صلى الله عليه وسلم : [لا تواصلوا، فأبكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر] رواه البخاري وأبو داود

فمن وجد في بدنه قوة وصبرا على الإمساك عن الطعام من وقت آذان المغرب حتى وقت السحر فله ذلك.

وهذه سنة من السنن المهجورة المفقودة.

والله تعالى أعلى واعلم

———————–

جمع وترتيب  :

الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة]

حفظه الله

——————

13 رمضان 1440 للهجرة

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي