الشيخ بلال خريساتمؤسسة بيان

مختارات رمضانية – الحلقة الخامسة عشر – جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

الاعتكاف وفيه عدة مسائل :

الأولى :

معناه :

الاعتكاف هو الإقامة على الشيء، فقيل لمن لازم المسجد وأقام فيه للعبادة :معتكف وعاكف.

الثانية :

مشروعيته :

يستحب الاعتكاف في رمضان، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض منه اعتكف عشرين يوما) رواه البخاري

وأفضله آخر رمضان، لما ثبت عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم :(كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل) راوه البخاري ومسلم

وقد ثبت أن النبي اعتكف آخر العشر من شوال، قضاء لاعتكاف رمضان فإنه لم يعتكف ذلك في رمضان) راوه البخاري ومسلم

مسألة :

إن نذر الإنسان أن يعتكف يوما أو أكثر عليه الوفاء بنذره، فعن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم :يا رسول الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال :[فأوف بنذرك فاعتكف ليلة] رواه البخاري ومسلم.

الثالثة :

لا يشرع الاعتكاف إلا في المسجد :

لقوله تعالى :

{ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}

ولأنه معتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أزواجه، ولو كان يصح الاعتكاف لما اعتكف أزواجه صلى الله عليه وسلم في المسجد مع المشقة في ملازمته، ولو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة.

وقد ذهب الجمهور إلى أنه يشرع الاعتكاف في كل مسجد على اختلاف بينهم في اشتراط كونه جامعا ونحوه لعموم قوله تعالى :{في المساجد}

وقال قوم :لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة :المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وبه قال حذيفة وسعيد بن المسيب ومذهب الجمهور أرجح، وإما ما يروى عن حذيفة مرفوعا :(لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) فاختلف في رفعه ووقفه.

الرابعة:

ويشرع اعتكاف النساء بشرطين :

الأول :

يشرع للنساء الاعتكاف، فعن عائشة رضي الله عنها (أن رسول الله صلى الله عليه ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستئذنته عائشة فأذن لها…) رواه البخاري ومسلم

وعنها قالت :(كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده) راوه البخاري ومسلم.

ويشترط لاعتكاف المرأة أمران :

الأمر الأول :

إذن زوجها :لأنها لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وقد تقدم في حديث عائشة أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم وكذا حفصة وزينب لأجل الاعتكاف.

فائدة :

إذا أذن لها الزوج في الاعتكاف، فهل له أن يخرجها منه.

إذا كان اعتكافها تطوعا فله أن يخرجها منه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما استأذنته عائشة في الاعتكاف وتبعتها حفصة ثم زينب، خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، فأخرجهن وقال [آلبر أردت؟ ما أنا بمعتكف] رواه الجماعة إلا الترمذي

وإذا كان اعتكافها واجبا (كالنذر مثلا) :فإما أن يكون نذرا متتابعا (نذرت اعتكاف العشر الأواخر) وأذن زوجها فليس له أن يخرجها منه، وإن لم تكن اشترطت التتابع في نذرها فله أن يخرجها ثم تستدرك فيما بعد بقية نذرها.

الأمر الثاني :

أن لا يكون في اعتكافها فتنة :

فالمرأة تعتكف ما لم يكن في اعتكافها فتنة، فإن ترتب على اعتكافها فتنة لها أو للرجال، فتمنع ولا تمكن منه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم منع أزواجه من الاعتكاف فيما دون ذلك كما تقدم في حديث عائشة رضي الله عنها.

الخامسة :

هل يشترط الصوم للاعتكاف؟

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين :

القول الأول :

لا يصح الاعتكاف إلا بصوم :وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين وهو مروى عن عائشة وابن عباس وابن عمر وحجتهم.

أولاً :

أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في رمضان، ولم يعرف مشروعية الاعتكاف إلا بصوم، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه أنهم اعتكفوا في غير رمضان.

ثانيا :

اقتران الاعتكاف مع الصوم في آية واحدة.

ثالثا :

حديث عائشة قالت :(السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) الحديث إسناده جيد رواه أبو داود والبيهقي وقد اختلف في ثبوت قولها (السنة) بل جزم الدارقطني بأن اللفظ كله مدرج من كلام الزهري، لكن رده الألباني في الإرواء والله تعالى أعلى واعلم.

القول الثاني :

لا يشترط الصوم للاعتكاف وإنما يستحب :وهو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وهو مروى عن علي وابن مسعود، وحجتهم :

أولاً :

أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم :(يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال :[فأوف بذرك] فاعتكف ليلة) رواه ومسلم

قالوا :والليل ليس بمحل للصيام، وقد جوز الاعتكاف فيه.

ثانياً :

في رواية لحديث عائشة الذي تقدم في اعتكاف أزواجه صلى الله عليه وسلم فقال لما رأى أخبية أزواجه :[آلبر تردن] فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في الأول من شوال) رواه مسلم واللفط له.

قالوا:وأول شوال وهو يوم الفطر لا يحل صومه.

ثالثا:

ماوري عن ابن عباس مرفوعا :(ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه) ضعيف رواه الحاكم والبيهقي والدارقطني بسند ضعيف والصواب وقفه على ابن عباس.

رابعاً :

أن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها، فلم يكن الصوم شرطا فيها كسائر العبادات.

خامسا :

أنه لزوم مكان معين لطاعة الله تعالى، فلم يكن الصوم شرطا كالرباط.

والراجح مما تقدم أن الصوم لا يشترط للاعتكاف وإنمايستحب، والله تعالى أعلى واعلم.

———————-

جمع وترتيب  :

الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة]

حفظه الله

——————

15 رمضان 1440 للهجرة

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

التحميل

678.4 KB