الشيخ بلال خريساتمؤسسة بيان

مختارات رمضانية – الحلقة العشرون – جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

مازال حديثنا عن صدقة الفطر وما يتعلق بها من أحكام، وحديثنا اليوم ينصب حول قضية كثر الخلاف فيها وهي :

هل يجزئ إخراج القيمة (نقود) في زكاة الفطر؟؟؟

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على مذهبين :

المذهب الأول :

أن ذلك لا يجوز، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود وحجتهم :

الاول: أن الشرع نص على الواجب في الزكاة فلا يجوز العدول عنه كما لا يجوز في الأضحية، ولا في المنفعة، ولا في الكفارة.

الثاني :قوله صلى الله عليه وسلم :[في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون] رواه مسلم

قالوا :ولو جازت القيمة لبينها.

الثالث :قوله صلى الله عليه وسلم فيمن وجبت عليه جذعه : [تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين أو عشرين درهما] رواه الدارقطني بإسناده صحيح وكلهم ثقات.

قالوا: ولو كانت القيمة مجزئة لم يقدره، بل أوجب التفاوت بحسب القيمة.

الرابع :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :(فرص زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير…) رواه البخاري ومسلم.

قالوا :ولم يذكر القيمة، ولو جازت لذكرها فقد تدعوا الحاجة إليها.

الخامس :قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن :[خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر]رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم والبيهقي والدارقطني وفي سنده لين.

السادس : أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، وشكرا لنعمة المال، والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به.

المذهب الثاني :

أنه يجوز إخراج القيمة وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والظاهر من مذهب البخاري، ووجه في مذهب الشافعي ورواية عن أحمد، وحجتهم :

الاول:ماروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال لأهل اليمن :(ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس مكان شعير والذرة آخذه منكم، فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة) رواه البخاري معلقا ووصلح الحافظ سنده ضعيف لانقطاعه.

الثاني :استدلوا بإجزاء ابن اللبون عن بنت المخاض، وإجزاء الحقة مع عشرين درهما عن الجذعة (وهما الدليلان الثاني والثالث لأصحاب المذهب الأول)

قالوا :ففي هذا اعتبار القيمة.

الثالث :أن المقصود بأداء الزكاة إغناء الفقير، والإغناء يحصل بأداء القيمة، كما يحصل بأداء العين، وربما سد الخلة بأداء القيمة أظهر.

وقد اجتهد كل فريق في الجواب عن أدلة الفريق الآخر وإظهار مذهبه، والذي يترجح، هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من التوسط في هذا الباب، فلم يجز مطلقا ولم يمنع مطلقا، بل رأى جواز إخراج القيمة مقيدا بالحاجة والمصلحة والعدل.

فإذا لم تكن حاجة ولا مصلحة راجحة فالأظهر أن إخراج القيمة ممنوع منه وهذا الذي ذهب إليه مو مقتضى الجمع بين الأدلة.

سئل فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان عن هذه المسألة فأجاب حفظه الله تعالى ورعاه وفك أسره وكسر قيده:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

هذه المسألة إحدى المسائل الخلافية، وأئمة السلف مختلفون في دفع القيمة في زكاة الفطر .

وترجيح هذا أو ذاك محل اجتهاد فلا يضلل المخالف أو يبدع .

والأصل في الاختلاف في مثل هذه المسألة أنه لا يفسد المودة بين المتنازعين ولا يوغر في صدورهم، فكل منهما محسن ولا تثريب على من انتهى إلى ما سمع .

وقد كان كثير من الأئمة يقولون في حديثهم عن المسائل الخلافية: (قولنا صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب

وقد ذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر)

قال الإمام أحمد:

(أخاف ألا يجزئه، خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مذهب مالك والشافعي)

وقال الإمام ابن حزم رحمه الله : (لا تجزئ قيمة أصلاً؛ لأن ذلك غير ما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم)

و ذهب عطاء والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة وغيرهم إلى جواز دفع القيمة عن الطعام.

قال أبو إسحاق السبيعي وهو أحد أئمة التابعين : (أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام) رواه ابن أبي شيبة في المصنف.

والحجة لذلك :

الأول : أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة نص في تحريم دفع القيمة.

الثاني :الأحاديث الواردة في النص على أصناف معينة من الطعام لا تفيد تحريم ما عداها، بدليل أن الصحابة رضي الله عنهم أجازوا إخراج القمح – وهو غير منصوص عليه – عن الشعير والتمر ونحو ذلك من الأصناف الواردة في الأحاديث الصحيحة.

الثالث :ذهب كثير من الصحابة بل أكثرهم في عهد معاوية إلى جواز إخراج نصف صاع من سمراء الشام بدلاً من صاع من تمر ، فهذا دليل على أنهم يرون نصف الصاع معادلاً في القيمة للصاع من التمر أو الشعير ونحو ذلك.

الرابع :أن المقصود من الزكاة: إغناء الفقراء والمال أنفع لبعضهم من الطعام فيعد في ذلك حال الفقير في كل بلد.

الخامس: كثير من الفقراء يأخذ الطعام ويبيعه في يومه أو غده بأقل من ثمنه، فلا هو الذي انتفع بالطعام ولا هو الذي أخذ قيمة هذا الصاع بثمن المثل ، والله أعلم .

أنتهى كلامه حفظه الله تعالى وفك أسره وكسر قيده.

قال شيخ الإسلام رحمه الله في القواعد الفقهية النورانية :

فصل

والناس في إخراج القيم في الزكاة ثلاثة أقوال :

الأول : ( أنه يجزئ بكل حال كما قاله أبو حنيفة)

الثاني:( لا يجزئ بحال كما قاله الشافعي)

الثالث:( أنه لا يجزئ إلا عند الحاجة ، مثل من يجب عليه شاة في الإبل وليست عنده ومثل من يبيع عنبه ورطبه قبل اليبس)

وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحا فإنه منع من إخراج القيم وجوزه في مواضع للحاجة ، لكن من أصحابه من نقل عنه جوازه فجعلوا عنه في إخراج القيمة روايتين واختاروا المنع لأنه المشهور عنه كقول الشافعي.

وهذا القول أعدل الأقوال كما ذكرنا مثله في الصلاة .

فإن الأدلة الموجبة للعين نصا وقياسا كسائر أدلة الوجوب ، ومعلوم أن مصلحة وجوب العين قد يعارضها أحيانا في القيمة من المصلحة الراجحة ، وفي العين من المشقة المنتفية شرعا.

أنتهى كلامه رحمه الله تعالى.

المسألة الأخيرة :

ما هي مصارف زكاة الفطر :

اختلف العلماء في مصرف زكاة الفطر على قولين :

القول الأول :أن مصرفها هو مصاريف الزكاة الثمانية : وهي قول الحق تبارك وتعالى : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}

وهذا مذهب جمهور العلماء، خلافا للمالكية.

القول الثاني : أنها تصرف للمحتاجين (الفقراء والمساكين فقط)

وهذا م

ذهب المالكية واختيار شيخ الإسلام، وهو الراجح، لمناسبته لمشروعية زكاة الفطر من كونها (طعمة للمساكين)

ولأن صدقة الفطر أشبه بالكفارة، فلا يجزئ إطعامها إلا لمن يستحق الكفارة.

 

والله تعالى أعلى واعلم

 

جمع وترتيب : الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة] حفظه الله

20رمضان 1440 للهجرة

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

www.bayaan.info

التحميل

697.3 KB