الشيخ بلال خريسات

مختارات رمضانية – الحلقة الثالثة والعشرون – جمع وترتيب الشيخ المجاهد بلال خريسات حفظه الله

شارك

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم اما بعد :

 

مسألة :

هل يجوز تحديد ليلة بعينها على أنها ليلة القدر؟؟؟

إن القول بتحديد ليلة القدر على وجه القطع واليقين مردود ولهذا قرر العلماء رحمهم الله ، أن من قواعد البدع تقييد العبادة بزمان أو مكان معين أو نحوهما بحيث يوهم هذا التقييد أنه مقصود شرعا من غير ما دليل صحيح.
وقد نص على ذلك غير واحد من أهل العلم كشيخ الإسلام والإمام الشاطبي رحمهم الله تعالى.

يقول الإمام الشاطبي :
( ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية أن يكون أصل العبادة مشروعا إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل توهما أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل ، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي أو يطلق تقييدها . . . ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصا ، كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات … فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق ( الموافقه ) أو بقصد يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط كان تشريعا زائدا )
والشاهد أن :
تحديد ليلة القدر على وجه القطع واليقين في ليلة بعينها هو من تخصيص ما أطلقه الشرع بدون دليل.

وسيكون حديثنا عن هذه المسألة من عدة أوجه.

الوجه الأول :
في تقرير خطأ التحديد لليلة القدر بليلة بعينها ، ومعارضة ذلك لدلالة القرآن والسنة القولية والعملية والتقريرية.

الأول :
ففي القرآن العظيم لم تقيد ليلة القدر بليلة بعينها ، وإنما فقط ذكر أنها في شهر رمضان ، والتقيد يحتاج لدليل .
يقول تعالى :{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
قال القرطبي رحمه الله:
هذا نص على أن القرآن نزل في شهر رمضان ، وهو بيان لقوله تعالى في سورة الدخان:{حم . والكتاب المبين . إنا أنزلناه في ليلة مباركة} يعني ليلة القدر.
ولقوله تعالى:{ إنا أنزلناه في ليلة القدر}
وفي هذا دليل على أن ليلة القدر إنما تكون في رمضان لا في غيره.
وأما ما ورد في السنة النبوية فقد جاء على أربعة صور .
الصورة الأولى : أنها في رمضان لا في غيره .
الصورة الثانية : أنها في العشر ألأواخر لا في العشر الأولى ولا في العشر الوسطى .
الصورة الثالثة : أنها في الأوتار من العشر الآواخر .
الصورة الرابعة : أنها ليست في ليلة بعينها .
ذكر البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما ما أخرجاه من حديث بن عمر رضي الله عنهما عن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ أرى رؤياكم قد تواطئت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرياها في السبع الآواخر]
ولهما من حديث أبي سعيد قال اعتكفنا مع النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان ، خرج صبيحة عشرين فخطبنا قال:
[ إني أريت ليلة القدر ثم أنسيتها ــ أو نسيتها فلتمسوها في العشر الآواخر في الوتر ، وإني رأيت أني اسجد في ماء وطين ، فمن كان اعتكف معي فليرجع] فرجعنا وما نرى في السماء قذعه فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وكان من جريد النخل . وأقيمت الصلاة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته صلى الله عليه وسلم.
وللبخاري في حديث عائشة رضى الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : [تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الآواخر من رمضان]
وله عن بن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
[ التمسوها في العشر الآواخر من رمضان ليلةَ القدر في تاسعة تبقى ، في سابعة تبقى ، في خامسة تبقى]
وجاء عند مسلم من حديث ابي سعيد الخدري:
[ التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة] قال قلت ما التاسعة وما السابعة وما الخامسة ، قال:[ إذا مضت واحدة وعشرين فلتي تليها اثنتين وعشرين وهي التاسعة ، فإذا مضى ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة ، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة]
ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهر في كون ليلة القدر منحصرة في رمضان ، وفي العشر الآواخر وفي الآوتار منها فهذه الصور الثلاث ثابته بدلالة السنة عليها ، أما الصورة الرابعة وهي القطع بأنها في ليلة بعينها كما يزعم بعض الناس، فالأحاديث لا تدل على ذلك، وهذا ما ما جزم به الحافظ بن حجر في الفتح
وبشي من التحليل لهذه النصوص المتقدمة نجدها تضمنت قرآئن تفيد القطع فيما تقرر.
القرينة الأولى : وأبرز هذه القرائن ( في ) الظرفية .
فمن المقرر عند علماء الأصول أن ( في ) تفيد الظرفية وهي هنا تفيد الظرفية الزمانية ، فدل على أن ليلة القدر في رمضان لا في غيره وفي العشر الآواخر منه قطعا.
القرينة الثانية: وهي قرينة لفظية.
الأعداد ( السبع) و( العشر ) و (الوتر ) . فهذه قرآئن لفظيه تفيد النصية في الدلالة ، فالأعداد من باب النص لا من باب الظاهر ، كما هو معلوم في علم الأصول.
ولهذا قال العلامة الصنعاني:
(أحاديث : أنها في العشر أو السبع أحاديث واسعة ، ودلالة اسم العدد نص في معناه)
القرينة الثالثة: أن أحاديث تحري ليلة القدر في الأوتار مقيدة لمطلق أحاديث التحري في العشر أو السبع . والقاعدة عند الأصوليين أن المطلق يحمل على المقيد لاسيما إذا اتفقا في الحكم والسبب . وهما هنا متفقان.
ففي الحكم استحباب التماسها وتحريها ، والسبب فضلها . وهذا ما يظهر من سياق البخاري لحديث عائشة عقب حديث بن عمر وأبي سعيد.
ومثله صنع الحافظ عبد الغني المقدسي في عمدة الأحكام، وتبعه على ذلك شراح العمدة كابن دقيق العيد والصنعاني في حاشيته على إحكام الأحكام لابن دقيق العيد.
ومما يشهد لبطلان تحديد ليلة القدر بليلة بعينها على وجه القطع واليقين ، ما أخرجه البخاري من حديث عبادة بن الصامت رضى الله تعالى عنه قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحا رجلان من المسلمين فقال:
[ خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحا فلان وفلان فرفعت،وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتموسوها في التاسعةوالسابعةوالخامسة]
وقد بوب البخاري بهذا الحديث بقوله ، باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس :
والعلماء يقولون فقه البخاري في تراجمه، وأنت تلاحظ في ترجمة البخاري أمران :
الأمر الأول: أنه ترجم للحديث بجملة اسمية مثبته ، وهذا يعني أنه يرى أن رفع المعرفة بليلة القدر على وجه القطع والدوام باق لم ينسخ، وأنه لا مطمع لأحد بعد ذلك في القطع بها.
الأمر الثاني : أن سياق البخاري للترجمة جاء معللا . يقول الحافظ بن حجر : قوله : (باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس ) أي بسبب تلاحي الناس.
أما السنة الفعلية ، فأبرز مظاهرها اعتكافة صلى الله عليه وسلم طوال العشر وديمومته على ذلك حتى انتقل إلى ربه ، يقول الحافظ بن رجب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في رمضان على طلب ليلة القدر ، وأنه اعتكف مرة العشر الأول منه ، ثم طلبها فاعتكف بعدها العشر الأوسط ، وأن ذلك تكرر منه صلى الله عليه وسلم غير مره ، ثم استقر الأمر على اعتكاف العشر الآواخر في طلبها.
أما دلالة السنة التقريرية ، فإقراره صلى الله عليه وسلم لعائشة وغيرها من الصحابة في تحري ليلة القدر ، فقد أخرج الترمزي وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم:
أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال صلى الله عليه وسلم قولي :
[ اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني] وهو حديث حسن صحيح.
فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على عدم القطع بليلة القدر بليلة بعينها ، فالعرب تستعمل ( إن ) لما يمكن وقوعه وعدم وقوعه، فأما ما يقع لازما أو غالبا فيقولون فيه إذا.
ولو كان يعلم ليلتها ـ صلى الله عليه وسلم ــ على وجه اليقين لدل عليها أحب الخلق إليه . فهذا أفصح الخلق وأحسنهم بيانا ، وهذا تقريره ، فهل بعد هذا حجة لأحد كي يقطع بأن ليلة القدر في ليلة بعينها.
مستخلص من أحد البحوث العلمية :

—————————
اختصار وترتيب :
الشيخ المجاهد بلال خريسات [ أبو خديجة] حفظه الله
23 رمضان 1440 للهجرة
مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي
www.bayaan.info