الشيخ بلال خريسات

#جديد ⚡️#الجمود_وحالة_الإنحباس_الفكري⚡️ بقلم الشيخ المجاهد : بلال خريسات [ أبو خديجة] حفظه الله

شارك

 

الجمود وحالة الانحباس الفكري

——————————–

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، ثم أما بعد :

يقول الحق تبارك وتعالى :

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} .
بلا شك أن قصص الأولين وما فيها من العظات والعبر تعتبر أحد أهم الإرشادات التي ينبغي لكل عاقل التعلم والاستفادة منها.

فهي بحد ذاتها نافدة تكشف لنا حوادث التاريخ وكيفية التفاعل معها والتصدي لها، كما أنها تغنيك عن إعادة التجربة مرة أخرى في قضية ما اثبتت لك فيها التجارب السابقة أنها لا تجدي نفعا ولا تحقق مكسبا، ولذلك كانت تلك القصص عبرة ولكنها فقط لأولى الألباب أصحاب العقول الذين يدركون مآل الشيء قبل وقوعه.

وما يحدث اليوم وبالاخص ما يعاني منه التيار الجهادي خاصة هو الإنجماد في التعاطي مع الأحداث من حوله ضمن معطيات محددة لا ينفك عنها مما يشكل لديه ولدى المتصدرين فيه حالة من الانحباس في الفكر والمنهج والآليات.

لقد بات التيار الجهادي يحاكي غيره من العاملين في الساحة الإسلامية فاقدا لتميزه وانفراده في المحيط من حوله، فبعد أن كان له سمته الخاصة به بدى اليوم كغيره من الجماعات

نحن نعلم أن الغريزة لدى البشر تحذر في عادتها وطبيعتها من التشابه والمحاكة مع الآخرين فالنفس تحب التميز والانفراد، فتشكل لنفسها ميزات تنفرد بها عن غيرها.

ومعلوم أن التميز يظهر في حالات الجمود والانحباس لدى الجماعات وكذلك لدى الأفراد، فتبرز حصيلة التجارب في تفادي الصعاب والأزمات.
ولهذا قيل:
إنّ السعيدَ له في غيرهِ عِظَةً … وفي التجارُبِ تحكيمٌ ومعتَبَرُ
وقيل:
ألم تَرَ أَن الْعقل زينٌ لأَهله … وأنَّ تَمام الْعقل طولُ التَّجارِب

فلماذا نرى اليوم التقهقر والانحدار لدى التيار الجهادي بعد أن كان متربع على هرم الريادة والقيادة.

هل هي النمطية التنظيمية المتبعة في إدارة الأزمات، أم أن المشكلة تكمن في القائمين على إدارتها والمتصدرين لها.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: [رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب]
إلا أن هناك من أعاد صياغة وضبط هذه الجملة بطريقة أخرى فقال : [أن رأيي صواب لا يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب]
هؤلاء هم الذين يعاني منهم التيار الجهادي فئة المنغلقين فكريا الذين يفضلون ويفرضون آرائهم بينما يرفضون أراء غيرهم، مؤمنين بأن قولهم يمثل الحقيقة المطلقة وحدها،لماذا وماهو الدافع، هل ذلك نتيجة لنمطية متبعة أو اغترار بالنفس وبالسابقة أو نتيجة الجهل بحقيقة أنفسهم وبالواقع الذي يعيشون فيه.

أن حالة الانحباس الفكري [أو ما يعرف الدوجماتية] والتي تعني حالة من التزمّت لفكرة معينة من قبل مجموعة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل يناقضها لأجل مناقشته، أو كما هي لدى الإغريق الجمود الفكري. وهي التشدد في الاعتقاد الديني أو المبدأ الأيديولوجي، أو موضوع غير مفتوح للنقاش أو للشك. يعود أصل الكلمة إلى اليونانية ????? والتي تعني [الرأي] أو [المعتقد الأوحد]
أدت إلى انهيار تام في البنية التركيبة لدى القاعدة الصلبة في التيار الجهادي مع العلم أن هذا التقوقع ليس ناتج عن ضعف في الخبرة والعلم كما يعتقد البعض، إنما هو ناتج عن عدم تقبل بعض القيادات لأفكار أو آراء من هم دونهم في المركز أو القيادة.

ونحن هنا لا نطالب بقبول كل وافد أو راغب مما يؤدي إلى الانفتاح المطلق على الأفكار والاقتراحات، بحيث تقبل جميع النصائح والارشادات، إنما نطالب بالقبول بالحد الأدنى لتصحيح المسار خاصة فيما دلت عليه الأحداث وأثبتته التجارب.

يعرف أصحاب الاختصاص الانغلاق الفكري بأنه ينقسم إلى أربعة أقسام :
الأول : الانغلاق الكلي
الثاني :الانغلاق الجزئي
الثالث : الانغلاق الاختياري
الرابع :الانغلاق الطبيعي

ما نعاني منه اليوم عند هؤلاء القيادات التاريخية هو الانغلاق الكلي، وفي بعض الأحيان الانغلاق الاختياري وهو ناتج عن انغلاق فكر الفرد عن كل فكرة أو نصيحة من حوله، وسبب هذا الانغلاق هو أن مسببات الانغلاق اجتمعت جميعها في الشخص ذاته،وأما الاختياري فهو أن يتقبل الفرد أفكار أشخاص معينين ويرفض أفكار أشخاص آخرين بناء على القرب في الأفكار أو على المعرفة المسبقة بمقدار الاستجابة والتنفيذ والاتباع.

للانغلاق عدة أسباب:
أولها : الثقة الزائدة عن الحد.
حيث يشعر الشخص أنه مكتف بما يملك من آراء ومعلومات وعدم حاجته إلى معلومات الآخرين،معتمدا على سابقته الجهادية وإرثه التليد فلا يقبل نصح وإرشادا خوفا من أن ينتقصه أحد أو يقلل ذلك من مكانته القيادية.

ثانيها :الجهل وعدم الرغبة في التطور والعلم.
وذلك برفض أية فكرة تصل إليهم، فهم متمسكون بالكم القليل من المعلومات التي كانوا يملكونها.
ثالثها :الإيمان القاطع بامتلاك الحقيقة والتشكيك في آراء الآخرين.
هذه وغيرها الكثير من الأسباب الموجبة لتنامي ظاهرة الانحباس الفكري لدى قيادات التيار الجهادي.
وفي نظري أن حالة التردي الناجمة عن الواقع المشاهد هي نتيجة الصلف والكبر عند تلك القيادات التاريخية في فهمهم لإدارة الصراع وفي عدم التفريق بين العدو والوفي.

يكفي أن ندرك أن إنتاج المكرر هي الحالة المثالية لدى تلك القيادات، فيكفي أن نتعلم من تجربة واحدة في تفادي الأخطاء والعثرات،فحين نعود إلى نفس الطريقة ندرك أن تلك القيادات ثابتة على نهجها وطريقتها في إدارة الملفات، مع ثبوت فشلها وردائتها وفساد نتائجها.

إذن ماهو المطلوب من تلك القيادات في هذه الحالة هل هو الاعتراف بالخطأ وفسح الطريق لاصحاب الكفائات أم ماذا؟

أعتقد أن المطلوب هو الاعتزال التام والخروج من إرث الماضي والبكاء على حجم الضياع والانحدار والتردي والذي أدى إلى تكرار حالات الفشل في صناعة واقع جديد مغاير لما يعيشه واقع التيار الجهادي اليوم.

لقد وصلت حالة اليقظة لدى المجاهدون في مرحلة ما إلى كسر الطوق والخروج على كل التوقعات في السياسات المرتقبة لدى النظام الدولي، فبدلا من الحث على الأيدي في الدفع قدما إلى تحقيق تلك الأهداف، فإذا بتلك القيادات تعود بنا إلى المربع الأول، مربع التشرذم والاختزال.

البعض يتعامل مع تلك القيادات بإضفاء حالة من القدسية على الأسماء والأفعال وكأن ما يقومون به حق مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ونحن إذا راجعنا السياسات المتبعة لتلك القيادات التاريخية في رسم خريطة الطريق في ساحتي العراق والشام لعلمنا الحقيقة المرة في ذهاب تضحيات المجاهدين عبثا وهدرا.

ورحم الله نور الدين زنكي:
يذكر المؤرخون أن وفاة نور الدين زنكي كانت أوائل شوال عام 569هـ 1174 م، بالذبحة الصدرية، ودفن في بيته بقلعة دمشق، ثمّ نقل جثمانه إلى المدرسة النوريَّة التي أسسها في دمشق. وقد كان نور الدين محمود رجلاً صالحاً، حارب الصليبيين وحلم بتحرير القدس، فقد بنى منبراً عام 563 هـ 1168م، ليضعه في المسجد الأقصى بعد تحريره، وقد نُقل هذا المنبر بالفعل للمسجد الأقصى بعدما حررها صلاح الدين الأيوبيّ لاحقاً.

ومن المعلوم أن جهود نور الدين هي التي مهدت للمسلمين تحرير بيت المقدس من الصليبيين لاحقاً، على يد صلاح الدين الأيوبيّ، رغم الخلاف الذي كان قد بدر بينهما في أواخر حياة نور الدين زنكي.

ولو استجاب صلاح الدين رحمه الله تعالى لنور الدين لفتحت القدس قبل موعدها بسنوات ولكنها أقدار الله تعالى.

ولو أن تلك القيادات استطاعت إدارة كفت الصراع واستجابت للناصحين لكنا اليوم نقاتل في أحياء القدس وحيفا ويافا.

ولكن سياسة التقوقع والجمود في التعامل مع الأحداث والمستجدات أبقت المجاهدين يترنحون في بقعة محددة بناء على التوجيهات والارشادات.

ولا أدري هل وعت تلك القيادات التاريخية أنها بتلك السياسات لا تختلف عن غيرها من حركات التحرر والمقاومات الشعبية، وأنها تنطلق معها في مسار واحد، وهي بذلك لا يحق لها أن تعيب على غيرها من الجماعات كحركة حماس ومن يسير على دربها .

لذلك يجب أن يعي المجاهدين اليوم أن تلك القيادات استنفذت كل ما في جعبتها وأنهم أحوج الناس إلى الدعاء بأن يختم الله لهم ولنا بالصالحات.
هذا والله تعالى أعلى واعلم.

————————
كتبها :
الشيخ المجاهد بلال خريسات [أبو خديجه] حفظه الله
11 شوال 1440 للهجرة الموافق ل 14 أيار 2019

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي
www.bayaan.info

 

التحميل

144.6 KB