تقارير

ما وراء الانقلاب في إثيوبيا

شارك

تقرير خاص لوكالة شهادة الإخبارية

فتحت حادثة الانقلاب الأخير في ثاني أكبر إقليم في إثيوبيا الباب لتخمين حجم وطبيعة المعارضة التي تهدد مستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في البلاد.

الحادثة التي أثارت قلقًا عميقًا لدى الحلفاء الدوليين لآبي أحمد، على رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قتل فيها قائد الجيش وحاكم إقليم الأمهرة الذي يقع بجوار إقليم الأورومو الأكبر كثافة سكانية في البلاد واللذان معا يقودان منذ 3 سنوات الاحتجاجات ضد الحكومة وسياساتها، وهي ذاتها الاحتجاجات التي أجبرت رئيس الوزراء السابق هايلي مريم ديسالين على الاستقالة في عام 2018 ثم تنصيب الائتلاف الحاكم رئيس وزراء جديد من عرقية الأورومو لمحاولة إخماد هذه الثورة الداخلية، فيما عدّ حدثًا تاريخيًا في عمر البلاد التي لم تزل السلطة فيها تحت هيمنة عرقية التيجري التي حكمت بسياسة الحديد والنار لثلاث عقود رغم كونها عرقية صغيرة الحجم بالمقارنة مع الأورمو والأمهرة.

ويجدر الإشارة إلى أن إقليم الأمهرة الذي شهد الانقلاب الأخير يعد من أهم ولايات إثيوبيا التسع، وتعد لغته هي اللغة الرسمية للبلاد وينتمي لها العديد من الرموز في التاريخ الإثيوبي، مثل الإمبراطور هيلا سيلاسي والزعيم الشيوعي منغستو هيلاماريام كما أن أغلب سكانه من النصارى.

وقال غوتريش أن “الأمم المتحدة لا تزال ملتزمة بدعم حكومة إثيوبيا في جهودها لمواجهة التحديات المستمرة”. وكذلك فعل العديد من الزعماء الأوروبيين والأمريكيين وبعض دول الجوار الذين يخشون من أن تنفجر إثيوبيا وتهدد أزمتها الأجندات الدولية في المنطقة برمتها.

وفي الوقت الذي حاول فيه بعض المحللين تفسير الانقلاب في إثيوبيا على أنه نتيجة سعي  دول يزعجها استقرار السودان المجاور، وذلك من خلال شغل إثيوبيا بالانقلاب لإفشال الوساطة السياسية التي تقوم بها أديس أبابا وإجهاض المبادرة الإثيوبية التي وافقت عليها المعارضة السودانية ومؤخرًا -بعد مماطلة- المجلس العسكري الانتقالي. يبدو من الضروري النظر إلى ما قبل هذا الانقلاب لفهم المشهد الإثيوبي على حقيقته خاصة وأن التعتيم الإعلامي الذي تمارسه الآلة الإعلامية لآبي أحمد يحاول أن يرسم واقعًا غير حقيقي لما تعيشه البلاد، ويحصر الأزمة في مجرد اقتتال عرقي في البلد الذي يضم نحو 110 ملايين نسمة بحسب آخر إحصاء للأمم المتحدة، من قوميات متعددة متوزعة على أقاليم البلاد.

فالانقلاب الأخير لا يمثل إلا حلقة جديدة في سلسلة من الاضطرابات عصفت بإثيوبيا منذ 3 سنوات، شهدت خلالهما البلاد الواقعة في شرق إفريقيا ثورة داخلية واحتجاجات دامية تندد بسياسات الحكومة وقوانينها التعسفية واعتداءاتها على ملكية أراضي مواطنين من عرقية الأورمو لتتطور بعد ذلك إلى مطالب سياسية وحقوقية وتنديدات بالائتلاف الحاكم – القمعي المستبد- من كل الفئات المعارضة في البلاد سواء في الداخل أو في الخارج أدت لمقتل المئات واعتقال الآلاف لكنها نجحت في إضعاف القبضة الحديدية للسلطات في البلاد التي فشلت بدورها في إخماد هذه الثورة سواء سياسيا أو بقوة السلاح.

وقد تسببت هذه الاحتاجاجات في نزوح أكثر من مليونين من اللاجئين داخليًا وتفاقم الوضع الأمني والمعيشي وانتشرت معه الأمراض واستعصت الأزمات الصحية وعجزت الحكومة عن استيعاب اللاجئين لتلجأ بدورها للمجتمع الدولي لطلب الدعم المالي لتخفيف وطأة الجوع والفقر على مواطنيها مع أن إثيوبيا تعد من أقوى اقتصادات إفريقيا الصاعدة.

وتوقعت السلطات الإثيوبية أن تتعلق الآمال برئيس الوزراء الأورمي الجديد آبي أحمد لإخماد الثورة، وهو الذي أطلق سراح المعتقلين من السجون وأعلن عن حزمة من الإصلاحات والمشاريع كان على رأسها مشروع المصالحة مع الجار الخصم اللدود – إريتريا – في سابقة تاريخية لم تكن متوقعة بين البلدين اللذين يحملان من الأحقاد ما يكفي لقطيعة لا نهاية لها.

وانطلق آبي أحمد بدوره يطمئن المجتمع الدولي ويلتقي الوفود من واشنطن وتل أبيب والعواصم الأوروبية وبعض الدول العربية الذين أعلنوا جميعًا دعمهم له، ويؤكد لحلفاء إثيوبيا أن البلاد تسير وفق السياسات المتفق عليها بينهم جميعا.

لكن في يونيو/ حزيران 2018 تفاجأ آبي أحمد بمحاولة اغتياله خلال خطاب له أمام الجماهير في العاصمة أديس أبابا حين انفجرت قنبلة يدوية أدت إلى مقتل اثنين وجرح العشرات، وأشارت أصابع الإتهام بحسب ما خلص النائب العام إلى ضابط في جهاز الاستخبارات لم تكشف هويته.

لم تلبث هذه الحادثة أن تمضي حتى لحقتها حادثة تمرد الجيش الذي هاجم رئيس الوزراء في مكتبه فيما وصفه الأخير بأنه محاولة اغتيال فاشلة كانت تهدف لتصفيته جسديًا على أيدي عناصر من المؤسسة العسكرية.

لتكشف هاتان الحادثتان عن حقيقة أن آبي أحمد شخص غير مرحب به عند الكثير من القيادات الإثيوبية سواء التي تنشط في أروقة السلطة أو في خارجها. وخاصة تلك القيادات التي تنتمي إلى إقليم تيجراي وهو الإقليم الصغير الذي حكم رجاله إثيوبيا وهو ذاته الإقليم الذي أطاحت ثورته بنظام منجستو هيلا مريام في عام 1991.

وبالنظر للأحداث التي وقعت قبيل محاولة الانقلاب وتطورها في المحور الزمني للأحداث في إثيوبيا، يظهر جليا أن الثورة لم يخمدها تنصيب آبي أحمد ولو كان أصله من الأورومو أو أقدم على إطلاق سراح السجناء والمعارضين أو غيره من سياسات “إصلاحية”، بل زادت المعارضة واتسعت دائرتها واحتدت وتيرتها واتخذت أشكالا من العنف لم يسبق لها نظير، حيث اعترفت السلطات الإثيوبية باعتقال العديد من النشطاء الذين يحملون أسلحة ويحاولون تنفيذ هجمات داخل أديس أبابا إضافة إلى تأكيد تقارير محلية عن استعمال الجيش للقوة والقصف بالطائرات في عدة اشتباكات بينهم وبين الثوار المعارضين في الأقاليم الثائرة.

وفي الواقع يبدو أن المعارضة التي ثارت على الائتلاف الحاكم لا زالت مصرة على مطالبها ولم تقبل بعروض آبي أحمد “الواعدة”، أضف لذلك أن محاولة آبي أحمد سحب البساط من تحت التيجري، التي تهيمن على الحكم منذ رئيس الوزراء السابق ملس زيناوي، فتح أبواب النار على رئيس الوزراء الجديد الطموح وهدد حياته.

ويزيد من قتامة المشهد تعدد الخلافات السياسية وتشعبها، وأن التيغري في الواقع يمثلون الدولة العميقة في إثيوبيا والتي لا يمكن إزاحتها بتلك السهولة نظرا لتغلغل نفوذها في جميع مؤسسات الدولة وقدرتها على شراء الولاءات وإن كانت حول أهم الشخصيات التي تقف في صف آبي أحمد.

ولعل أحد أهم الدلالات التي تؤكد ذلك وحجم الخطر الذي يتوعد رئيس الوزراء المدعوم غربيًا، أن عملية اغتيال رئيس الجيش تمت على يد الحارس الشخصي له، وأن مدير الأمن الجنرال “تسيغي استفاد” الذي قاد الانقلاب في المنطقة كان من بين من  أطلق رئيس الوزراء سراحهم من السجن، كما أن آخر التقارير أشارت إلى مقتل أكثر من 50 شخصا في منطقة بني شنغول في ظروف غامضة لم تجد لها السلطات تفسيرا منطقيا مقبولا عدا كونها على علاقة بالانقلاب في إقليم أمهرة.

فهل سينفع قطع الأنترنت والتعتيم الإعلامي الذي يمارسه آبي أحمد في تأمين البلاد وإخفاء حقيقة الأزمات الداخلية المزمنة التي تعاني منها، هذا ما لا يعوّل عليه المراقبون إذ أن بلادا بمثل تركيبة إثيوبيا المعقدة قابلة للاشتعال مهما اشتدت القبضة الأمنية أو بلغ التكتيم مداه.

وعلى آبي أحمد أن ينظر للمشهد بنظارة الحقيقة لا نظارة الآمال الوردية لأن المحاولات المتتالية لتصفية حكمه تدل على أن هناك خصوما يسعون لإسقاطه بجدية وفي وقت لا زال هناك شعب ثائر يسعى لاقتلاع الائتلاف الحاكم من جذوره والتحرر من قبضة الحكم القمعي الدكتاتوري الذي حكمهم لعقود، فهل سيشهد مستقبل إثيوبيا تحرر الثائرين أم مزيدا من الدماء والانقلابات! هذا ما ستحدده الأيام المقبلة وسياسات آبي أحمد التالية ومخططات خصومه الماكرة ودرجة ثبات الإثيوبيين الثائرين، على مطالبهم.

ما وراء الانقلاب في إثيوبيا


الوسوم