عدنان حديدمؤسسة بيان

#الآن #جديد/ معركة حماة….لماذا وكيف؟؟!- بقلم: عدنان حديد – (نص+ملف منسق ومصمم pdf)

شارك

 

معركة حماة - لماذا وكيف - بقلم عدنان حديد 7 محرم 1441 للهجرة
معركة حماة – لماذا وكيف – بقلم عدنان حديد 7 محرم 1441 للهجرة

معركة حماة….لماذا وكيف؟؟!

ملاحظة..المحتوى(نص+ملف منسق ومصمم pdf)

الحمد لله ناصر المؤمنين، مخزي النصيرية والصليبيين؛ والصلاة والسلام على من استأصل الله به شأفة اليهود القرظيين، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ثم أما بعد:-

فطوال ما يقارب الأربعة أشهر، دأب الصليبيون والنصيرية والرافضة على إبادة الوجود الإسلامي في ريفي حماة الشمالي والغربي بما يمثلانه من عمقٍ استراتيجي لا في سوريا فحسب بل في بلاد الشام جمعاء، في معركةٍ غير متوازنة القوى العسكرية والسياسية؛ فأمام الجحافل الكافرة الغازية براً وجواً المتسلحة بأطغى ما وصل إليه بنو البشر من أدوات التدمير، يقف المسلمون عاجزين حتى عن امتلاك إرادتهم الحرة للقتال بعد أن نجح الصليبيون من خلال نظامهم الوظيفي في أنقرة في السيطرة شبه التامة على قادة ورؤوس الفصائل المتناحرة حتى صاروا يوجهونهم كما يشاؤون يمنةً ويسرة.

لذلك يمكننا تعريف تلك المعركة تعريفاً بسيطاً موجزاً كما يلي:-

معركةٌ مصممةٌ وقائعها بدقة كبيرة بهامشٍ بسيطٍ من الخطأ، من خلال السيطرة والتحكم مرتفعي الكفاءة وصولاً إلى نتائج محددة سلفاً، مع قدرة الطرف الصليبي على تحقيق مكاسب غير متفقٍ عليها مسبقاً اعتماداً على وظيفية وارتهان النظام الأناضولي وانعدام إرادة وكلائه الفصائليين

هذه هي الحقيقة التي يتجمل ويتحذلق الكثيرون للهروب من إيضاحها بهذا الجلاء

وقد يتحدث متحدث، ويتشدق متشدق مدافعاً عن تلك الفصائل؛ متسائلاً عن موضع تضحيات أفرادها على خطوط القتال من الإعراب، وأن كيف لمن تنازل عن الريف الحموي تبعاً لأوامر راعيه في أنقرة أن يخسر خيرة جنوده وأثقل عتاده في مثل هذه المعركة؟؟!

والجواب جد بسيط؛ فبعض أهداف المعركة لا يتحقق بغير هذا الالتحام والقتال؛ وكذلك التسليم الفج لأراضي المسلمين قد يخرّب عملاً دام سنيناً طويلة للسيطرة على إرادة أهل السنة في الشام من خلال القناة الفصائلية المقيتة

كيف؟؟!

فأحد أبرز أهداف المعركة

يتمثل في قطع شوطٍ هام في سبيل الكسر النهائي لإرادة القتال في العقل الجمعي السني الشامي لعقودٍ طويلة؛ ومثل هذا الهدف لا يتحقق إلا من خلال التقتيل الممنهج، والإبادة الكاملة، والتهجير المدروس بدقةٍ متناهية.

أما عن الهدف الثاني

فيتمثل في حرق نخبة مقاتلي الفصائل من المهاجرين والأنصار والذين يُتوقع منهم تشكيل رأس الحربة في مقاومة إرساء أي حلٍ نهائي يخدم مصالح النظام العالمي وتابعه النصيري، وذلك بعد أن تشكّل في الشام جيلٌ جهادي متنوع المشارب والأقطار والأعراق لم يزل يشكل هاجساً وكابوساً يؤرق قادة الصليبيين عند التفكير في مستقبل بلاد الشام بل المنطقة بأسرها؛ لهذا فإن التخلص من كفاءاتٍ وقدراتٍ وازنة لهذه الفئة يعد أمراً لا يمكن التنازل عنه.

وبالنسبة للهدف الثالث

وهو المحوري في هذا الجواب، فيتمثل في الحفاظ على البنية السياسية والفصائلية القائمة في الشمال السوري المحرر والتي تم بناؤها واختراق مؤسساتها الفاعلة وترويضها على مدار سنين طويلة من خلال النظام الوظيفي في أنقرة الذي لعب دور الأداة الأمريكية في هذا السياق ببراعةٍ بالغة؛ وبالتالي فليس من المنطقي ولا العقلاني المغامرة بانكشاف الحقيقة السافرة للعمالةالجزئية والكليةلهذه البنية الفصائلية أمام الحاضنة الشعبية مما قد يدفعها إلى الثورة عليها، ويفسح المجال أمام من ينادي باستقلال الإرادة السنية في سبيل منع بضعة أشهرٍ من المعارك التي لا تمثل في ميزان حروب الإبادة والترسيم الديموغرافي شيئاً يُذكر؛ ولنا في أثر الصدام غير المتفق عليه سلفاً في خان شيخون وما تبعه من مفاوضاتٍ سافرة وتسليمٍ مفضوح على الحاضنة الشعبية خير مثالٍ على ذلك الأمر

ولكن هنا لابد من وقفةٍ للإيضاح..

فعند الحديث عن عمالة الفصائل ككيانات سياسية يتحكم فيها الأمراء تحكماً كاملاً، وعن دورها في تسليم أراضي المسلمين للكفار؛ فإن هذا الحديث لا ينسحب أو ينطبق على عامة الجند الذين بذلوا أرواحهم رخيصة دفاعاً عن دينهم وأهلهم وأعراضهم دون أن ينظروا أو يفكروا للحظة بالظفر بشيء من هذه الدنيا؛ فمنهم المخدوع في هؤلاء القادة، ومنهم من لا يجد سبيلاً للقتال إلا مع فصيله، ومنهم المتأول للبقاء في فصيله سعياً للإصلاح وإعادة توجيه البوصلة نحو الهدف الصحيح، ومنهم من همه دفع الصائل مع أيٍ كان دون اعتبارٍ لشؤون السياسة ومكائدها….

فإني أشهد الله أن خيرة شباب أهل الإسلام من المهاجرين والأنصار قد بذلوا دماءهم حسبة لله رياً لثرى حماة الطاهر في غير مجبنةٍ ولا مخذلة حتى لقوا ربهم غير خزايا ولا مبدلين كما نحسبهم والله حسيبهم.

أما وزر المتاجرة بدمائهم والعبث بتضحياتهم فعلى رؤوس الفتنة والتبعية والخور؛ فليس عليهم شيء بعد الإعذار إلى ربهم بأرواحهم في حدود علمهم وفهمهم واستطاعتهم..

ومن النقاط التي ينبغي التنبيه عليها قبل الولوج إلى تبيان الأهداف الرئيسية المتعددة المراد بلوغها من وراء معركة حماة وكيفية إبطال هذه الأهداف؛ الإشارة إلى الدور الأمريكي في هذه المعركة ومحوريته ومركزيته، وأن كافة أدوار اللاعبين الآخرين ما هي إلا مكملةٌ ودائرةٌ في فلكه

فالنظام النصيري تاريخياً يقع في مجال النفوذ الفرنسي داخل النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ وبالتالي يدخل في حيز النفوذ الأمريكي تبعاً باعتبارها وريثة نفوذ العالم الغربي، وما زاد من هذا النفوذ ان سوريا أحد بلاد الطوق المحيط بالكيان الصهيوني والذي يعد بقاؤه وأمنه ركيزة أساسية في هذا النظام الدولي القائم؛ وقد تجلت تلك الرعاية الأمريكية لنظام الباطنية في دمشق وافتضح أمرها في وفود مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية إبان عهد بيل كلينتون إلى بلاد الشام غداة هلاك المقبور حافظ الأسد للإشراف على عملية انتقال الحكم إلى وريثه وضمان تمامها بسلاسة ويسر بعيداً عن الانقلابات داخل الطائفة أو الجيش؛ غير أن وضع النظام بعد الثورة السورية المباركة لم يكن يسمح لواشنطن بالتدخل العسكري المباشر لحمايته وفقاً لاعتباراتٍ يطول شرحها، ما دفعها للسماح بالتدخل الإيراني ابتداءً ثم الروسي ختاماً لحماية الكيان النصيري من الانهيار على الرغم من الاختلافات الظاهرة مع طهران وموسكو في المصالح والمشاريع السياسية، غير أن الأهمية القصوى للنصيرية كأحد العقد الصلبة للنظام العالمي في قلب العالم الإسلامي فرضت على البيت الأبيض التنازل عن بعض المصالح والنفوذ لصالح الروس والإيرانيين.

فمن هذه الناحية استطاعت توفير الدعم العسكري للنظام، ومن ناحية القنوات الخليجية السرية استطاعت توفير دعمٍ اقتصادي موازن للاضطراب الذي أصاب اقتصاد الكيان النصيري بجانب التدفقات المالية والنفطية الإيرانية التي ضختها طهران بحثاً عن النفوذ المستقبلي.

ومن ناحية الطرف المواجه للنظام استخدمت واشنطن الأداة الاستخباراتية للحكومة الوظيفية في أنقرة في تفتيت وترويض واحتواء أكبر الجماعات المقاتلة للنظام النصيري والمهددة لبقائه، حتى بدأت تنسج بالتنسيق مع الروس خطوات الحل النهائي ومعاركه اللازمة لرسم حدوده بالدماء.

وليس أدل على ذلك من التخادم والتنسيق الروسي الأمريكي في حادثة استهداف بعض قيادات حراس الدين في أوج معركة حماة من قبل طيران التحالف الصليبي للقضاء على قدرة جناح الصقور داخل الجماعة على التأثير في تحويل اتجاه المعركة خارج الإطار المرسوم لها بدقة، وإمكانية تخريب أحد الحلقات الهامة في سبيل إرساء الحل النهائي لتثبيت الكيان النصيري بأفضل وضعٍ ممكن.

ثم مع إعلان الهدنة ووقف القتال بعد تحقيق الأهداف المرجوة من المعركة؛ انطلق طيران التحالف الصليبي مجدداً لقصف أحد معسكرات أنصار التوحيدجند الأقصى سابقاًللحد من قدرته على اختراق تلك الهدنة وإشعال المعركة في لحظاتٍ من الغضب الشعبي قد تخرج فيها عن السيطرة المرجوة.

فالتغاضي عن إبراز الدور الأمريكي باعتباره المحرك الرئيس للأحداث في الشمال السوري، والتركيز على الأدوار الروسية والتركية والإيرانية لهو عين تزييف الوعي المقيت الذي يحول بوصلة الأمة عن عدوها الأساسي الذي لا يفوت لحظة للمكر بها واستئصال شوكتها.

وبعد هذه المقدمة الموجزة اللازمة لتوضيح بعض النقاط الممهدة؛ نصل إلى الإشكاليتين الرئيسيتين في هذا المقال والمتعلقتين بالسؤالين:-

لماذا:

أي ما هي أهم الأهداف التي يتوخاها العدو بكافة أطرافه وقواه من وراء خوض غمار هذه المعركة، أو لماذا أطلق العدو معركة حماة؟!

كيف:

أي ما هي الوسائل المتاحة لمنع تحقيق هذه الأهداف على الأرض، أو كيف نواجه نتائج معركة حماة؟!

أولاً: الأهداف الرئيسية من المعركة

تنقسم الأهداف التي يروم العدو الوصول إليها إلى أهدافٍ سياسية واقتصادية وعسكرية وديموغرافية، والتي تتداخل في معظمها فيما بينها من حيث وسائل تحقيقها على أرض الواقع؛ ولكن لزيادة القدرة على إدراك واستيعاب مخططات العدو وكيفية إبطالها سأقوم بتقسيمها نظرياً بشكلٍ مستقل مع الإشارةكلما أمكنإلى نقاط التداخل عند وجودها.

أالأهداف السياسية

1-تفكيك صفوف الجماعات المجاهدة غير المروضة

على مدار سنوات الصراع في بلاد الشام تحولت الانتماءات، وتغيرت الولاءات، وأجادت أجهزة الاستخبارات إجادةً بالغة في التحول بكثيرٍ من الجماعات من تنظيمات مقاتلة مستهدفة للكيان النصيري في وجوده إلى مجرد جماعات وظيفية طفيلية مصلحية تابعة بشكل كلي أو شبه كلي لمشغلها، وصاحب دعمها المادي، والسياسي، والعسكري.

إلا أن بعض الفصائل التي ظلت عصية على التطويع مازالتوإن على ضعفتقف حجر عثرة في وجه مشروع النظام الدولي القاضي بتصفية الجهاد الشامي وتثبيت وضع ما بعد الحرب بشكلٍ يضمن بقاء الكيان النصيري ومصالح النظام العالمي وأمن كيان اليهود في فلسطين.

غير أن هذه الجماعات لا تخلو من الاختلافات والتضادات بين الجناحين المكونين جبلياً لأي تنظيمٍ بشري (الصقورالحمائم).

والنظام الدولي يعلم علم اليقين أن بقاء الحمائم في سدة إمارة مثل هذه الجماعات يسهل الحد من تأثيرها إلى أدنى درجةٍ ممكنةوإن لم تخضع للترويض أو التطويعنظراً لاستراتيجياتهم التي تميل إلى التعامل مع الواقع بشيءٍ من التماهي والحذر انتظاراً للحظة إفاقة واستعادة بعضٍ من المؤهلات التي تمكن من الاستمرار بالمعركة، دون كبير مخاطرةٍ بخطط قد تقلب الموازين رأساً على عقب مغيرةً مجرى التاريخ.

بينما الصقور بصلابتهم العقدية واستراتيجياتهم التي عادةً ما ترفض الخضوع لإكراهات الواقع، ساعية ًإلى تغييره وتطويع ما يمكن من مقوماته للوصول إلى هدفها المنشود دون استسلامٍ أو خضوعٍ لتأطير العدو؛ يرفعون من كفاءة هذه الجماعات ودرجة خطورتها على مخططات النظام الدولي، مهددين بإفشال كثيرٍ منها من خلال العمل خارج الآليات المتفق عليها والتي تخول النظام الدولي إمكانية الترويض والسيطرة والتحكم التي يمارسها على مختلف المكونات القابلة لذلك أو حتى دفعها إلى تقليل فاعليتها بشكلٍ غير مباشر.

وبالتالي فإن الدفع باتجاه تولي الحمائم سدة الإمارة وإقصاء الصقور عنها يحقق للنظام الدولي أقصى مصلحة ممكنة عند الصدام؛ غير أن هذا التمكين لهذا التيار يحتاج إلى إحداث انشقاقٍ في الجماعة من خلال طروء وقائع تنقسم المواقف تجاهها على أساس عقدي واستراتيجي؛ وهو ما حدث في معركة حماة

فجناحٌ اختار العمل تحت إكراهات الواقع في حدود ما رسمه العدو، وجناحٌ آخر بطبيعته واستراتيجيته المتبصرة رفض ذلك الاتجاه وحاول الدفع بالجماعة نحو سلوك عكسه؛ لذلك كان لابد من تدخلٍ للنظام الدولي كتدخل مبضع الجراح لترجيح كفةٍ على أخرى من خلال القصف الاستخباراتي الموجه محققاً هدفين رئيسيين:-

أهدفٌ تكتيكي بالإبقاء على مسار معركة حماة دون فتح جبهات جديدة على أيدي جناح الصقور إن نجحوا في تولي زمام القيادة بما يهدد نجاح إحدى خطوات الحل النهائي في بلوغ أهدافها.

بهدفٌ استراتيجي بتعزيز هيمنة جناح الحمائم على الجماعة من خلال ضرب الرموز المحركة لجناح الصقور خاصةً في ظل ارتفاع أهمية الشخص المؤثر الوازن في حالة غياب العمل المؤسسي كما هو الحال اليوم.

2- كسر إرادة القتال عند المسلمين في الشام

الهزيمة ليست بفقدان الأرض بل بنضوب الرغبة في القتال واليأس من تحقيق النصر.

هذه هي المعادلة بكل بساطة..

فعندما أسقط الأمريكيون قنبلتهم النووية الأولى على هيروشيما في أواخر الحرب العالمية الثانية لم يكونوا يستهدفون بالأساس إيقاع أكبر قدرٍ من الخسائر البشرية اليابانية على سبيل الانتقام، بل كانوا يستهدفون كسر الإرادة ودفعهم إلى الاستسلام غير المشروط، لذلك وعندما لم تعلن طوكيو الاستسلام عقب إسقاط القنبلة الأولى، أتبعتها واشنطن بالثانية على ناجازاكي والتي كانت القاصمة لإرادة اليابانيين، ليوقعوا استسلاماً غير مشروط على ظهر مدمرةٍ أمريكية في المحيط الهادئ.

فالانتصار والانهزام في الحرب يتعلق بكسر إرادة الخصم، فقد تنهزم وتسلم لعدوك قياد أمرك وأنت تسيطر على مساحات شاسعة من الأرض، وقد تستمر في القتال سيراً نحو النصروإن كان بعيد المدىوأنت لا تملك من أدوات القتال إلا ما يمكنك من بعض الوجود الآني..

لذلك استخدم الطيران الروسي خلال هذه المعركة أسلحةً ربما لم تُستخدم من قبل على ثرى الشام يمتد أثرها إلى أغلب الشمال المحرر لبث الرعب في النفوس، وترسيخ اليأس من جدوى أي مقاومة، ودفع السكان إلى التهجير القسري بما يحملونه من رسائل عما عاشوه من رعبٍ يدفن أي أملٍ في المواجهة في العقل الجمعي للحاضنة الشعبية.

فانكسار إرادة القتال شرطٌ لازم لتثبيت الحل النهائي الذي يحقق مصالح النظام الدولي وتابعه النصيري.

3-تثبيت الوكيل التركي باعتباره المخلص الأوحد

بعد انقطاع الأمل واستلاب الإرادة يبحث الغريق عن أي طوقٍ للنجاة وإن أخبره عقله أن فيه هلاكه؛ إلا أن غريزة البقاء تتغلب على العقل في ذلك الحين.

فحكومة أنقرة الوظيفية وتبعاً للعوامل الجيوسياسية صارت الملجأ الوحيد والأخير الذي يمسك بماء الحياة بإحدى يديه، ويشحذ الخنجر المسموم بالأخرى متحيناً الفرصة للقضاء المبرم على الجهاد الشامي وثورة الشعب المسلم في تلك البلاد المباركة؛ وعلى الرغم من تزايد إدراك العوام لهذه الحقيقة خصوصاً بعد معارك حماة إلا أن انعدام البديل في اعتقادهم يدفعهم إلى البقاء في هذه الدائرة المهلكة.

فالنظام الدولي يصمم مستقبل الشمال السوري المحرر محاكياً وضع قطاع غزة الذي لا يملك نافذة على الدنيا إلا تلك الكوة التي تتحكم من خلالها حكومة القاهرة الوظيفية في كثيرٍ من معطيات إدارته وتوجيه أحداثه.

وهكذا يدفع النظام الدولي من خلال الأحداث المتعاقبة نحو تعزيز مكانة النظام التركي باعتباره الوكيل الوحيد لشؤون الشمال المحرر؛ تلك الوظيفة القذرة التي ما فتئت النظم الوظيفية على تنفيذها طوال عقود دون كللٍ أو ملل، وما الدور الاحتوائي لدائرة الأوقاف الأردنية في بيت المقدس عنا ببعيد..

بالأهداف العسكرية

يمكن تلخيص الأهداف العسكرية لمعركة حماة في نقطتين رئيسيتين:-

1ضرب الكتلة السكانية المناهضة للنظام النصيري في كامل حماة وإخلاء المنطقة من أي وجودٍ لها، ودفعها إلى إدلب مما يخلق منطقة عازلة تزيد الهوة الجغرافية بين مدينة حماة التي تمثل الخزان السني الأكبر في وسط سوريا، وبين المناطق المناهضة للنظام النصيري في الشمال السوري.

وتتمثل خطورة مدينة حماة في أن بنيتها السنية المحافظة والمناهضة تاريخياً للحكم النصيري لم تُستنزف بشكل كبير خلال الحرب الدائرة منذ ما يقارب التسع سنوات، وهو ما يؤهلها للعب دورٍ بارز في إعادة إحياء الجهاد الشامي إن اقتربت النار (الفصائل المجاهدة) من وقودها (سنة حماة).

فالنظام النصيري بل الدولي لم ينس للمدينة خروجها الكامل عن سلطة النظام وحملها السلاح في وجهه بشكلٍ استشهاديٍ كامل عام 1982م، ويدرك أن ما تبع ذلك من مجازر وقبضة حديدية يئن تحتها الحمويون حتى اليوم قد أورث بجانب الخوف والحذر ثأراً يمثل أحد أهم معالم الشخصية الحموية السنوية تجاه نظام دمشق.

وفي سبيل الوصول إلى الحل النهائي، يعلم النظام العالمي قبل النظام النصيري أن هذه البقعة لابد وأن تظل محاطة بطبقاتٍ من الحصار العسكري والأمني والديموغرافي للحفاظ على ثورانها خامداً أطول فترةٍ ممكنة إلى حين التمكن من تفكيك بنيتها على المدى الطويل، تلك البنية التي تهدد الكيان النصيري في قلب سوريا المفيدة“.

2-توسيع دائرة الحماية حول مطار حماة العسكري لما يمثله موقعه المتوسط لبلاد الشام من أهمية دفاعية بالغة للكيان النصيري المراد تثبيته..

وقد يخطر ببال البعض سؤالاً عن منطقية هذا الهدف في ظل الوضع الدفاعي المتراجع للمسلمين في الشمال السوري، والقضم المتواصل لأراضيهم ومدنهم، وهل يمكن أن يفكر أحد في مهاجمة هذا المطار أو إطلاق معركةٍ تهدف للوصول إليه؟؟!

فالجواب على هذا السؤال يرتبط بالطبيعة الاستراتيجية التي تصبغ تفكير الدول، والتي تضع كافة الاحتمالات والسيناريوهات المستقبلية في الحسبان عند وضع الأسس والعوامل الوجودية للكيان أو الدولة؛ ولعل ذلك يتجلى في تصرفات الكيان الصهيوني مع مختلف خصومه تبعاً لدرجة خطورتهم

جالأهداف الاقتصادية

1-سهل الغاب

تمثل المحافظات الشرقية والشمال شرقية في سوريا السلة الغذائية الرئيسية للبلاد، والتي تقع تحت سيطرة الكيان الكردي الناشئ شرقي الفرات؛ وبالتالي فإن الكيان النصيري قد فقد عمقه الاستراتيجي الغذائي الذي كان يمده قبل الثورة باحتياجاته الغذائية ويدر عليه بعض الأرباح من خلال الفائض المتجه للتصدير.

وعلى الرغم من التفاهمات الاقتصادية المتوقعة في حال إقرار الحل النهائيلاقدر اللهبين الكيان النصيري والكيان الكردي والتي سوف تضمن للكيان النصيري بعضاً من احتياجاته الغذائية باعتباره الكيان الرئيسي الذي يلقى رعاية مختلف الأطراف في المشهد السوري شرقاً وغرباً وتحديداً الطرف الأمريكي؛ إلا أن ذلك النوع من الاتفاقيات في الدول الفاشلة عادة ما يتعرض إلى التعثر والتوقف الجزئي أو الكلي بفعل ضعف بنية الدولة ومؤسساتها، ونشاط المؤسسات الموازية المدعومة من المليشيات الحاكمة لمختلف المناطق والتي تبحث عن الإثراء الذاتي قبل كل اعتبار..

فالبوسنة والهرسك نموذجٌ حي على الدولة الفاشلة في مرحلة ما بعد حروب التطهير العرقي

لذلك لا يألو النظام الدولي جهداً في تأمين المصادر الغذائية للكيان النصيري المفترض إقراره وفقاً لصيغة الحل النهائي؛ ولعل سيطرته بمساعدة الروس على مناجم الفوسفات في تدمر في ربيع عام 2017م باعتبارها مصدراً للأسمدة الفوسفاتية رخيصة الثمن إحدى مراحل ذلك الجهد..

وبالتالي أصبح سهل الغاب بما يحويه من ثروةٍ زراعية وسمكية وحيوانية وازنة أحد الأهداف الاستراتيجية اللازمة لإمداد الكيان النصيري المعاد صياغته بأسباب الحياة..

ومع افتقار الساحل السوريمعقل النظام وخزانه البشريإلى زراعة المحاصيل الاستراتيجية، اتجهت الأنظار إلى السهل الخصيب على ضفاف نهر العاصي الذي يزخر بأنواع المحاصيل الاستراتيجية من قمحٍ وقطنٍ وشوندر سكري، بالإضافة إلى المساحات الواسعة المزروعة بأنواع الخضر والفاكهة ما يؤهله لسد جزءٍ معتبر من الاحتياجات الغذائية للكيان النصيري.

حيث تشير الإحصائيات إلى أن سهل الغاب كان ينتج قبل اندلاع الثورة السورية المباركة حوالي 280 ألف طن من القمح، 80 ألف طن من القطن، 400 ألف طن من الشوندر السكري؛ ذلك بالإضافة إلى 5800 طن من الأسماك؛ فضلاً عن الأعداد الكبيرة من الأبقار والماشية.

ولعل الاستهداف المتكرر للقرى السنية في سهل الغاب والواقعة شرقي نهر العاصي بالصواريخ الحارقة للمحاصيل، ومن خلال عمليات القتل الممنهج للمزارعين منذ بداية سيطرة الثوار عليها؛ دليلٌ على إدراك النظام النصيري المبكر لأهمية المنطقة في تحقيق تقدمٍ كبير في ملف الأمن الغذائي للشمال المحرر، ما قد يخلق لهأي الشمال المحررهامش من المناورة وتحرر القرار السياسي الذي يعود عليه أي النظامبمزيدٍ من التراجع والانضغاط..

2-السيطرة على خان شيخون باعتبارها عقدة هامة على طريق حلب دمشق الدولي

تعد الطرق وعقد المواصلات التي تربط أجزاء الكيان السياسي الواحد ببعضها البعض، وتربط الكيان بكامله بما يجاوره من الدول؛ أحد المقومات الرئيسية لبقائه، خصوصاً إذا كانت طبيعة هذا الكيان متنافرة وغريبة بل وعدائية مع محيطه الواسع كما هو الحال في وضع الكيان النصيري….

لذلك تُعد الطرق الدولية اليوم في الشمال السوري أحد النقاط البارزة التي يركز عليها كافة أطراف الحل النهائي، وخاصةً طريق حلبدمشق الدولي..

فطريق إم-5 الذي يبدأ من حلب مروراً بإدلب فحماة وحمص انتهاءً بدمشق يربط أهم محافظات السيطرة النصيرية مما يزيد لحمتها وتقاربها؛ بالإضافة إلى امتداده من الجنوب إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن، ومن الشمال إلى مدينة غازي عنتاب جنوبي الأناضول وهو ما يعود على الكيان النصيري بفائدتين مهمتين:-

أتطبيع علاقاته السياسية مع شعوب الدول المجاورة قبل أنظمتها السياسية من خلال البوابة التجارية، مما يعيد إكسابه الشرعية بعد سنين من الرفض الشعبي لوجوده؛ وعلى الرغم من أن هذه العملية تدريجية بطيئة تحتاج إلى الزمن إلا أنها في غالب الأحيان تكون أكيدة..

بإدماج النظام النصيري في دائرة التجارة العالمية من جديد من خلال عمله كمحطة ترانزيت للبضائع الآتية من أوروبا والأناضول نحو الأردن ودول الخليج؛ مما يوفر للنظام مصدراً دائماً ومعتبراً للدخل القومي يساعده على البقاء والاستقرار

وما سبق يفسر بشكلٍ واضح الإصرار الروسي على السيطرة على مدينة خان شيخون بما تمثله من موقعٍ استراتيجي على هذا الطريق، على الرغم من عدم إدراجها في سياق الاتفاق على المعركة مع الجانب التركي؛ حيث احتاج احتلالها إلى مفاوضات مفاجئة وعلنية تمت من خلالها عملية التسليم المفضوح

ءالأهداف الديموغرافية

الحرب في الشام حرب تطهيرٍ عرقي تعتمد اعتماداً أساسياً على التهجير والإبادة لتغيير حقائق التركيبة السكانية وتوزعها على الأرض؛ لذلك تعد الأهداف الديموغرافية لأي معركةٍ يخوضها العدو الصليبي النصيري هي الأخطر على الإطلاق نظراً لآثارها طويلة المدى صعبة الإزالة..

ولعل الأهداف الديموغرافية لمعركة حماة تتلخص في هدفين رئيسيين:-

1-الطائفة الصليبية المقاتلة في محردة والسقيلبية

تضم بلدتا محردة والسقيلبية الصليبيتان في ريف حماة ما يقارب 100 ألف نسمة تخضع للتوجيه المباشر من كنيسة الروم الأرثوذكس التي تشكل القلب النابض لهذين الحصنين الصليبيين؛ وهذا الوزن السكاني العقدي المقاتل يمثل نقطة ارتكازٍ هامة ورئيسية لصالح النظام العالمي بشكلٍ عام وروسيا بشكلٍ خاص في إقليم وسط سوريا..

وفضلاً عن اتخاذ النظام النصيري لبلدة السقيلبية مركزاً لعملياته الأمنية والعسكرية في ريف حماة؛ فإن البلدتين تشكلان رمزية عقدية هامة للحملة الروسية الصليبية على بلاد الشام..

ويرجع ذلك إلى وراثة الإمبراطورية الروسية للزعامة الأرثوذكسية بعد فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح رحمه الله، حتى صارت تلك الزعامة عاملاً بنيوياً في تركيبة الإمبراطورية الروسية إلى جوار العامل العرقي السلافي الذي يربطها عرقياً بشرق أوروبا؛ ولذلك عندما سيطر الغرب على أوكرانيا من خلال انقلابٍ شعبي عام 2014م، دفع بطريرك الكنيسة الأوكرانية إلى الاستقلال عن الكنيسة الروسية كنوعٍ من تحجيم النفوذ الديني المتوارث لموسكو منذ قرون رداً على التحركات الروسية التوسعية في محيطها الحيوي

وتتجلى تلك الزعامة الأرثوذكسية الصليبية في الظهور الدعائي البارز للبطريرك الروسي عند انطلاق الحملة الصليبية الروسية على بلاد الشام عام 2015م، وإلباسه إياها لبوس الحرب المقدسة التي تهدف في جزءٍ منها إلى حماية نصارى المشرقإن صح التعبير

ولهذا استخدم الروس سلاحهم الجوي والمدفعي بكثافةٍ نيرانية باطشة لا لاحتلال مناطق الريف الحموي وحسب، بل وقبل ذلك بهدف إفراغ ذلك الريف المحيط بهاتين البلدتين من تركيبته السنية الراسخة عبر التاريخ سعياً وراء تشكيل حزامٍ جغرافي يضمن لهذه القواعد الصليبية جداراً من الأمان على المدى الطويل

2-القرى النصيرية غرب نهر العاصي كحائط صدٍ متقدم للساحل السوري

حرصت كل قوى النظام الدولي بغير استثناء على حماية الساحل السوري باعتباره خزان النصيرية البشري ونقطة الثقل المركزية لنظامهم الحاكم في دمشق، وذلك من خلال الوسائل الاستخباراتية القاضية باغتيال من يدفع المعركة المشتعلة باتجاهه، ومن خلال وسائل الضغط السياسي والمادي على الأطراف الفاعلة حتى أصبح خطاً أحمراً في العقل الجمعي لعامة فصائل الشام اللهم إلا استهدافه ببعض العمليات الأمنية من قبل جماعة الدولة، أو بعض إغارات حرب العصابات على أطرافه السنية القريبة من ريف إدلب الغربي.

ولهذا كان لابد لهذا الساحل السوري من خطوط دفاعٍ متقدمة تمنع عنه الأخطار، أو تقللها إلى الحد الأدنى في أسوأ الأحوال قبل وصولها إليه؛ ويتجسد أحد تلك الخطوط في شريط القرى النصيرية الواقعة في سهل الغاب غربي نهر العاصي.

لذلك ومع الأهمية الاقتصادية المشار إليها سلفاًلاحتلال سهل الغاب وإفراغه من سكانه، إلا أن الأهمية الديموغرافية المتمثلة في خلق عمقٍ آمن لخط الدفاع الأول عن الساحل السوري تفوق ذلك البعد الاقتصادي بأشواط متطاولة

المعادلة واضحة..

كل مسلم اقترب من الساحل ديموغرافياً فهو مستهدفٌ بالتهجير أو القتل دون كبير اعتبارٍ لتوازنات قد يتم أخذها في الحسبان عند التعامل مع مناطق أخرى، كونك تتحدث عن الأمن الوجودي للطائفة الموكل إليها حماية أحد أهم مفاصل النظام العالمي المرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن القاعدة المتقدمة للحضارة الغربية المتجسدة في الكيان الصهيوني

وقبل الانتقال إلى الإشكالية الثانية في هذا المقال والمتعلقة بوسائل مواجهة هذه الأهداف وإبطالها، لابد لنا من الإشارةباختصارٍ شديدٍ جداً لا يحتمل المقام غيرهإلى أمرٍ شديد الأهمية..

إن ذات الأهداف التي حركت ودفعت الحملة العسكرية نحو ريفي حماة الشمالي والغربي، ربما تدفع مثلها نحو كلٍ من جسر الشغور، وريفي حلب الجنوبي والغربي

أما جسر الشغور فلاعتبارين رئيسيين:-

أجغرافيتها المميزة التي تؤهلها للعب دور منصة انطلاق إغارات العصابات من المناطق السنية نحو الساحل السوري كسلاحٍ طويل المدى.

بمرور طريق حلب اللاذقية بالمدينة والتي تعتبر من أهم عقده الاستراتيجية، بما يمثله هذا الطريق من أهمية سياسية واقتصادية للساحل السوري عامة واللاذقية على وجه الخصوص.

وفيما يتعلق بريفي حلب الجنوبي والغربي فلاعتبارٍ رئيسي:-

وهو توفير العمق الآمن الكافي للمستوطنات الشيعية المقاتلة الكيبوتس الرافضي، والموكل إليها مسؤولية تثبيت سيطرة النظام النصيري على مدينة حلب باعتبارها العاصمة الصناعية للبلاد، ومركز الحركة التجارية مع دول الجوار، والمدينة التي تمثل ثقلاً سنياً تاريخياً مرجحاً على مر الأزمان

وعليه؛ سأعمل على تضمين وسائل المواجهة محوراً يتصل بالتعامل مع المستوطنات الإيرانية في حلب بشكلٍ استباقي، مع الأخذ في الاعتبار أن باقي المحاور تخدم تلقائياً إبطال أهداف الحملات العسكرية المحتملة نظراً للتداخل السياسي والديموغرافي والاقتصادي بين المناطق محل الإشارة..

ثانياً:وسائل المواجهة

إنما العلم للعمل، ولا معنى للفهم والوعي والدراية بغير إنزالٍ لها على الواقع المشتبك مع العدو؛ هكذا علمنا ديننا، وهكذا تعلمنا من الرعيل الجهادي الأول.

لذلك عند الحديث عن أهداف العدو وتفصيلها لابد من التطرق إلى وسائل إبطال مفعولها، وقطع أسباب تحققها على أراضي المسلمين.

وبناءً على ذلك؛ أردت أن أشير إشارات غير جامعةٍ ولا مانعة للحلول والسبل، بل مضيئة للفكر، موقدة للأذهان، محفزة على الإقدام على اقتحام الصعاب ومواجهة العدو فكرياً قبل نزاله عسكرياً، حتى يكون العمل موجهاً منتظماً ضمن آلية مسبقة تضمن النجاح.

من ثمّ؛ سيكون الحديث ضمن هذا الإطار على سبعة محاور رئيسية، هي في حقيقتها متداخلةٌ فيما بينها، ومتقاطعة مع أكثر من هدفٍ للعدو؛ إلا أني وكما فعلت في الإشكالية الأولىسألتزم بالتقسيم النظري تسهيلاً على القارئ وتقريباً للفكرة

أالمحور الأول: الجماعات المجاهدة

إن الحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث، وقد عهدنا قيادة المجاهدين على مدار سنوات طويلة عالمةً بالمؤامرات، بصيرةً بالواقع، مدركةً لمكائد العدو ، صارخةً في المسلمين صباح مساء أن احذروا عدوكم

ولذلك؛ فعندما تصل هذه المكائد والمؤامرات إلى جسد الجماعة المجاهدة بشكلٍ غير مباشر عبر دفع بعض الجماعات الزائغة عن الطريق من قبل بعض الأنظمة الوظيفية للتأثير على قرار ومسار جماعةٍ مجاهدة أملاً في دخولها فيما دخلت فيه من إطار، وظهور بعض الشواهد على نجاحها الجزئي في ذلك وإن كان عن حسن قصد من قيادة الجماعة المجاهدة؛ عندئذٍ لابد للقيادة من التدخل وعكس مراد العدو، وتثبيت أركان الجماعة الصادقة بتولية من فقه العلم والواقع، وخبر مكامن الخطر واحتاط لها، وثبت على درب أسلافه من غير حيدةٍ عن انضغاطٍ أو وجل.

فعندما تدخل العدو بطائراته في الخلاف الداخلي للجماعة المجاهدة ضد طرفٍ معينٍ لحسمه، عُلم يقيناً أي المسارين أصلح للسلوك وأيهما في حاجةٍ إلى المراجعة؛ وقد خبرنا ذلك من قبل وذقنا مرارته التي لا نزال نتجرعها إلى اليوم

فالله الله في إنقاذ سفينة الجهاد قبل ولات حين مندم

بالمحور الثاني: تركيا

عندما يكون فارق القوة بينك وبين خصمك عظيماً، وقد استفحل شره وامتد أثر عمالته، لابد لك أن تبحث عن خاصرته الضعيفة لتسدد إليها بعض الضربات التي تردعه ولو جزئياً عن المضي قدماً في غيه..

والقضية الكردية تمثل الخاصرة الأضعف والأكثر هشاشة لنظم الحكم المتعاقبة في الأناضول بدايةً بكمال أتاتورك ونهايةً بوريثه طيب أردوغان..

فبعد أن تنصل أتاتورك من وعوده إبان قتال الأكراد إلى جواره بمنحهم دولة مستقلة في موطنهم جنوبي الأناضول؛ أشعل الأكراد خلال فترة حكمه ثماني عشرة ثورة حتى وصل إلى استخدام الطيران الحربي والأسلحة الكيميائية في الواقعة الشهيرة المعروفة بـــمجزرة درسيمعام 1937م والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأكراد بهدف إخماد الثورة المندلعة قبل عامٍ من ذلك التاريخ

فأكراد الأناضول يمثلون مركز الثقل الرئيسي لـــالقضية الكرديةنظراً لسابقة كفاحهمالتاريخي المنادي بتحقيق الاستقلال لــــالكيان الكردي، بالإضافة إلى ثقلهم السكاني والجغرافي ضمن كردستان الكبرىالممتدة من إيران حتى تركيا مروراً بالعراق والشام؛ حتى أن الأنظمة التركية المتعاقبة انتهجت سياسة التهجير الداخلي والخارجي للحد من قدرة الأكراد على تنظيم أنفسهم والتحرك ضد الدولة، ولعل من أشهر تلك الهجرات الهجرة الكردية إلى شمال سورية في خمسينيات القرن العشرين والتي تلعب دوراً هاماً في المشهد الجيوسياسي السوري اليوم

ويلاحظ حتى المتابع العابر للشؤون السياسية في المنطقة مدى الحساسية الشديدة لدى حكومة أنقرة تجاه القضية الكردية في موقفها من استفتاء كردستان العراق على الانفصال، فعلى الرغم من تبني الاستفتاء من قبل مسعود بارزاني حليف أنقرة القديم ضد حزب العمال الكردستاني ومراهنته عليه بتاريخه ومستقبله السياسي؛ إلا أن أنقرة شكلت تحالفاً تكتيكياً ضاغطاً مع إيران بهدف منع تطبيق نتائجه وهو ما تحقق في نهاية الأمر.

إلا أن النقطة المفصلية التي تشكل مربط الفرس في ذلك المحور تتعلق بالمكون النصيري داخل تلك التركيبة الكردية..

فالنصيرية يمثلون حوالي 30% من إجمالي الوجود الكردي على أرض الأناضول مما يجعلهم هدفاً رخواً،وشرعياً، وذو فوائد متعددة

فالامتداد السكاني الكبير لهذه الطائفة النصيرية الكردية يجعل أمر الاستهداف ميسوراً إن اُتخذ القرار.

كما أن المكون الكردي السني لا يجوز بحالٍ استهدافه لأي غرض سياسي فدماء المسلمين معصومة لا تحل لهدف عارض؛ بينما استهداف المكون النصيري الكردي مباح شرعاً لكفرهم لا لعرقهم، وتكون الاستفادة من كونهم أكراداً تبعاً لا أصلاً

وتتعدد أوجه الاستفادة من الاستهداف الممنهج لهذه الطائفة كما يلي:

1-يعاني أردوغان بالأساس من أزمةٍ متصاعدة الحدة مع الأكراد في أعقاب تحالفه الانتخابي الممتد مع حزب الحركة القومية المناهض على أساسٍ عقدي قومي طوراني للمطالب الكردية بالاستقلال والحكم الذاتي والتي انعكست على نتائج الانتخابات الأخيرة؛ وبالتالي فإن أي استهدافٍ للأكراد في الأناضول نتيجة تحركات أنقرة السياسية على الأرض السورية سيتم تحميله مباشرة للحكومة التركية مما يدفع باتجاه الصدام بين العاصمة والأطراف الكردية، وبالتالي ارتفاع وتيرة الاضطراب في الخاصرة الجنوبية من خلال حزب العمال الكردستاني

2-استهداف النصيرية الأكراد بعمليات منتظمة سوف يؤثر على الملف الأمني الأول لحكومة أنقرة المتعلق بإقامة المنطقة الآمنة شرقي الفرات في الشمال السوري بهدف إضعاف قدرة حزب العمال الكردستاني على استخدام قواعد حزب الاتحاد الديمقراطي كمنصات لإطلاق هجماته نحو الجنوب التركي؛ ففي الآونة الأخيرة توصلت أنقرة مع واشنطن إلى اتفاقٍ جديد بدأ تنفيذه بخطوات بطيئة وعلى مضض وتحت وطأة الضغط الأمريكي من قبل أكراد الشمال السوري الذين يُتوقع منهم استغلال أي اضطرابٍ في العلاقة بين أكراد الأناضول وأنقرة للدفع نحو إفساد هذا الاتفاق بدعوى الاضطهاد التركي لإخوانهم الأكراد؛ وهو ما سيمثل ضربة موجعة لحكم أردوغان ككل

3-وعلى ذات المنوال؛ سيعمل أكراد تل رفعت على الدفع باتجاه تأجيل تسليم المدينة للقوات المدعومة تركياً بدعوى الاضطهاد التركي، ما سيضرب عصفورين بحجرٍ واحد:-

أإبقاء شوكة الأكراد غربي الفرات كنقطة تهديد للجنوب التركي..

بتأجيل فتح الطريق الرابط بين حلب وغازي عنتاب والمار من تل رفعت بما يؤثر على الطموح التركي بالاستفادة من فتح طريق حلبدمشق الدولي من خلال استخدامه كحلقة وصل تربط جنوب الأناضول بالأسواق الأردنية ومن ثم الأسواق المجاورة مع ما يلازم ذلك من تدفق تجاري أوروبي إلى الأناضول، وتدفق للبضائع التركية نحو أسواقٍ جديدة تسهم في إنعاش الاقتصاد التركي المنهك..

4-يمثل استهداف النصيرية الأكراد أحد أدوات الردع للطائفة النصيرية الممتدة من الشام إلى الأناضول؛ فكما أرسل النصيرية في الأناضول أبناءهم للدفاع عن الساحل السوري، فإن الاستهداف في عقر دارهم هو المقابل

المحور الثالث: الروم الأرثوذكس في ريف حماة

نظراً لما تحدثنا عنه من مكانةٍ لتواجد الروم الأرثوذكس في بلدتي السقيلبية ومحردة بريف حماة، فإن الاستهداف المنظم الممنهج المحسوب بدقة لهاتين البلدتين سيمثل استهدافاً لأحد ركائز النظام الدولي في وسط سوريا بكاملها، وضرباً لأحد أسس الحملة الصليبية الروسية على بلاد الشام المتعلقة بحماية نصارى المشرقما سيعود بالأثر السلبي على الصورة البوتينية في الداخل الروسي..

ونظراً للعوامل الجغرافية الحالية فإن الاستهداف لهاتين البلدتين يمكن أن يكون من خلال:

أالعمليات الأمنية خلف خطوط العدو ؛ حيث تمثل الكنيسة الهدف الأمثل بعد أن صارت مقراً لانطلاق الحملات العسكرية، وساحةً للاحتفال وقرع الأجراس ابتهاجاً بسفك دماء المسلمين، محتلةً المكانة المركزية في هاتين القريتين الأقرب للمستوطنات المقاتلة..

بعمليات القصف الصاروخي المنتظم الممنهج

جعمليات الاغتيال لرؤوس المليشيات، والقساوسة الداعمين للأعمال العسكرية بشكلٍ سافر..

المحور الرابع: النصيرية في سهل الغاب

العمل على استهداف التواجد النصيري في سهل الغاب لابد أن يسير في خطين متوازيين:-

الأول:خطٌ شعبي يعمل على إيقاع أكبر الخسائر الممكنة بالقطاع الزراعي في سهل الغاب من خلال وسائل المقاومة الشعبية مثل البالونات الحارقة التي يستخدمها أهل غزة لحرق المحاصيل اليهودية المحاذية للحدود؛ وعلى أهل الاختصاص في ذلك الباب اقتراح الآليات التي تُمكّن من استغلال غضب العوام وتوجيهه نحو مسارات ناجعة تؤثر وإن نسبياًعلى موارد النظام الاقتصادية

الثاني: خط عسكري يتحرك على ثلاثة أرجل:-

أعمليات الإغارة المتواصلة على ما يمكن الوصول إليه من القرى النصيرية القريبة من المناطق المحررة.

بالقصف المدفعي والصاروخي المنتظم الهادف إلى جعل المناطق النصيرية في سهل الغاب طاردة للسكان بما ينعكس في نفس الوقت على انخفاض الإنتاج الزراعي.

جالقصف المدفعي والصاروخي وقت الحصاد بهدف إتلاف المحاصيل وتقليل الفائدة الاقتصادية للنظام من احتلال سهل الغاب.

المحور الخامس: الطرق الدولية (حلبدمشق،حلباللاذقية)

لن يكتمل حلٌ نهائي للنظام الدولي على أرض الشام بغير الفتح الكامل والمستقر للطرق الدولية، وتطبيع العلاقات بين مختلف الكيانات السياسية داخلياً، وبين هذه الكيانات ومحيطها الخارجي؛ وبالتالي فإن تعطيل الشريان الاقتصادي لذلك الحل الدولي المراد فرضه لتصفية أي شوكةٍ إسلامية في تلك البلاد المباركة صار فرض عين، وجهاداً لا يقل منزلةً عن جهاد الثغور والالتحام والنزال..

ولكن التحرك في هذا الباب يحتاج انضباطاً شرعياً صارماً كون التعامل فيه سيتسع مع دوائر من المسلمين؛ لذلك لابد من العمل فيه على عدة مسارات:-

أاستغلال حالة الغضب الشعبي الأخيرة بعد معارك حماة تجاه الفصائل والأتراك من جهة، والنصيرية والروس من جهةٍ أخرى في التوعية بخطورة فتح الطرق الدولية على أمن المناطق المحررة، وكيف أن النظام سيعمل على اخترافها والعبث باستقرارها من خلال ما يملك من قدرات أمنية واستخباراتية قد تذيق أهل الإسلام في الشمال والويلات

مع الحث على بذل الوسع كلٌ في محله لمنع إعادة فتح تلك الطرق بكافة الوسائل الممكنة

بتشكيل سرايا متخصصة داخل الجماعات المجاهدة تضع الخطط المناسبة لإعطاب تلك الطرق وجعلها غير صالحةٍ للاستخدام؛ مع أهمية الالتفات إلى ضرورة العمل الدؤوب لملاحقة محاولات الفصائل المهيمنة الرامية لإعادة تأهيل الطرق من جديد، مستغلين في ذلك الامتداد الواسع لتلك الطرق في المناطق المحررة واستحالة حمايتها بشكلٍ كامل

جإطلاق التهديدات المنضبطةشرعاً التي تخوف العوام من سلوك تلك الطرق، أو الاندماج في التبادل التجاري عبرها مع مناطق سيطرة النظام النصيري

المحور السادس: المستوطنات الإيرانية في حلب

يعتمد الإيرانيون على النموذج اليهودي في الاستيطان لتثبيت أقدامهم في المناطق ذات الغالبية المناقضة لعقيدتهم، وذلك من خلال الاعتماد على نموذج الكيبوتس المقاتلأو المستوطنة المحاربةالتي تضم مجموعة من الغرباء الذين يدافعون عن وجودهم وبقائهم من خلال القتال العقدي الموجه ضمن استراتيجية عامة تأتي من المركز.

وهذا النوع من الاستيطان يعتمد على قلبٍ نابض يجمع تلك الأصول المتباينة، وفي الحالة الرافضية تلعب الحوزةدور تلك النواة التي تدور حولها المستوطنة..

فمواجهة الاستيطان في مراحله الأولى تختلف اختلافاً جذرياً عن مواجهته بعد التجذر والتمدد والتصلب؛ لذلك فإن الهدف الأول المتوخى من ذلك المحور هو رفع معدلات الهجرة العكسية في أوساط المستوطنين الرافضة من خلال تحويل الحياة داخل تلك الكيبوتساتإلى أمرٍ شبه مستحيل، وإيصالهم إلى مرحلة القناعة أن حياتهم البائسة في بلدانهم الأصلية خيرٌ من الموت في نعيم الشام المأمول

ولعل أهم ما يساعد على تحقيق ذلك الهدف وقوع تلك المستوطنات داخل منطقة تمثل أحد حصون أهل السنة تاريخياً في مواجهة أعدائهم

وعلى الرغم من أن هذا المحور بالتحديد يحتاج إلى دراسة معمقة مفصلة، غير أن المقام لا يكفي سوى للإشارة السريعة إلى بعض الوسائل الناجعة:-

أاستغلال المحيط السني للمستوطنات والرافض جبلةً لوجودها وتمددها من خلاله في التشكيل طويل النفس للشبكات الأمنية التي تعمل على استهداف:-

1-الحوزات العلمية الرئيسية.

2-المشاهد المقدسة كحسينية النقطة الشهيرة.

3-مراكز القرار الإيراني كالقنصلية الإيرانية بجوار جامعة حلب.

4-رؤوس الطوائف الاستيطانية المختلفة من أفغان وباكستان وعراقيين

5-المتشيعين السوريين الذين يعملون كذراع ناعمة لمد المستوطنات بتأييد المجتمع السني المحلي، واجتذاب أفراده القابلين للاندماج في المشروع الرافضي.

بتكثيف الإغارات انطلاقاً من ريفي حلب الغربي والجنوبي استغلالاً لاتساع الجبهة وقربها الشديد من المستوطنات الرئيسية للرافضة.

جالقصف الصاروخي المدروس والممنهج الهادف لرفع معدلات الهجرة العكسية.

وبعد

فإن كل ما سبق ليس له أي فائدةٍ تُذكر أو ثمرةٍ تُرجى على مستوى الوعي والفهم، أو على مستوى العمل والتطبيق ما لم يصغ المجاهدون استراتيجية محكمة، طويلة النفس، وئيدة الخطا، تحدد الهدف والطريق الواضح إليه دون أي استسلامٍ لإكراهات الواقع الآني….

اللهم ماحق الأمريكان في واشنطن، ممرغ أنف الروس في كابل، هازم الفرنسيس في الجزائر؛ اهزمهم وانصرنا عليهم..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين بقلم :

عدنان حديد

7 محرم 1441 للهجرة الموافق ل 9 أيلول 2019

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي

التحميل

5.6 MB
الوسوم