عدنان حديد

السبيل لإنجاح المبادرات

شارك

 

السبيل لإنجاح المبادرات

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 

فإن أمر الصلح بين المسلمين، وزرع الألفة بينهم بعد فقدانها له شأن عظيم وأثر جليل في مسيرة هذه الأمة المباركة، وقد شهدت وقائع تاريخها المجيد على هذا غير مرة حتى صارت وحدة المسلمين عامة والمجاهدين خاصة من مقدمات النصر، ومبتدئات الظفر التي لا يخطئها ناظر ما كانت هذه الوحدة وهذا الاعتصام على كتاب الله وسنة رسوله.

 

ولما كان فعل سبط رسول الله الحسن بن علي -رضي الله عنه- في عام الجماعة بتنازله عن الخلافة لخال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان-رضي الله عنه- فعلاً أجمعت الأمة على مدحه وتعداد آثاره الحميدة، وقبل ذلك أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفه بالصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين؛ كان لزاماً علينا الاقتداء به ونحن أحوج إليه في هذه اللحظة من أي وقت مضى مع إضافة بعض الوسائل والأمور الهامة التي يقتضيها زمننا المعاصر لتكتمل الفائدة ويعظم النفع.

 

ولأن الموطن ليس موطن إطالة وسرد، إنما التعويل على الخطوات العملية  على الأرض أحببت الإشارة إلى بعض الإجراءات والخطوات المثمرة في نقاط على عجالة لعل الله ينفع بها المسلمين وهي كالآتي:

 

1-نصح الشيخ أسامة بن لادن –رحمه الله- في آخر كلماته قبل استشهاده على يد الأمريكان وقد عايش طلائع انتفاضة الأمة، ورأى بأم عينيه بعض ثمرات غرسه الذي رواه بدمائه؛ بتشكيل مجلس من حكماء الأمة، وأعيانها، وأهل العلم والتخصص فيها لتقديم المشورة للشعوب والجماعات، وتوجيهها نحو التغلب على مؤامرات الأعداء، وحشد الشعوب المسلمة في معركتها مع قوى الكفر على الأرض؛ وللأسف لم يُكتب لهذا الاقتراح الفذ النجاح بعد أن عاجلت صاحبه المنية نسأل الله أن يلحقنا به غير خزايا ولا مبدلين.

أما اليوم وقد وصل الجهاد في الشام إلى مفترق طرق يحمل في طيات اختياراته حفظ دماء الشهداء، أو إهدارها؛ إقامة دين الله، أو تنحيته لعقود طويلة قادمة، كان ولابد من تفعيل مثل هذا المجلس ولو على شكل مصغر بحيث يتضمن طائفة من أهل العلم الثقات أصحاب التجربة والقبول عند كافة أطراف المجاهدين، مع إشراك أعيان المجاهدين وقادتهم ورؤوسهم ممن لا تعلم عنهم الأمة عامة والمجاهدون خاصة إلا البأس في المعارك، والسداد في الرأي، والعطف على المؤمنين سواء من داخل الشام أو من خارجها.

ولابد مع ذلك من تحديد صلاحيات واضحة، وآليات عمل جلية لإنجاح وظيفة هذا المجلس؛ على أن تكون أول مهامه لعب دور الوسيط المؤتمن ذي السلطة المعنوية على أطراف الخصومات لتمهيد الأرضية لتأليف القلوب مع وضع خطة منضبطة لمتابعة بقاء الصلح وترسيخه على أساس شرعي متين مع مراقبة من يحاول عرقلته أو إفساده ومنعه وحجزه عن ذلك بكافة السبل الممكنة.

 

2-قد يتخلى أحد الأمراء عن حظ نفسه ويُقدم على التنازل لأخيه لمصلحة الإسلام والمسلمين كما فعل الحسن بن علي رضي الله عنه ولكن قد يُجابه من بعض أصحاب المصالح، أو بعض الجهال المتحمسين الذين يسعون بشتى السبل لإفشال خطة الإصلاح ووضع العراقيل في طريقها ولو أدى الأمر لاغتيال ذلك الأمير؛ فقد روى ابن سعد في الطبقات أن الحسن بن علي بن أبي طالب تعرض لمحاولة اغتيال وهو ساجد في المسجد بعد أن بدت منه بوادر وأمارات للصلح مع معاوية رضي الله عنه.

 

ولذلك ينبغي التعامل مع هذا الجانب بتعليم الجاهل، وإفهامه، وإيضاح كافة الأمور له دون تعقيد أو غبش، مع العمل على تحجيم أهل الأهواء والفساد ومراقبة مكائدهم وإبطالها في مهدها دون السماح لها بالظهور واستقطاب الأنصار، فأغلب العوام يتسمون بالعاطفة ويسيرون خلف الشعارات البراقة دون النظر لحقيقة الأمر ومصالحه ومفاسده.

 

3-ضرورة الصبر على بعضٍ من أهل الإخلاص والبأس ممن جربوا الحرب وجربتهم وأشربت في نفوسهم بعض الحدة والغيرة المحمودة في موضعها والتي قد تحملهم أحياناً على التصلب في الرأي في غير موطنه بتأليف قلوبهم،ومشاورتهم في الأمر، وإشراكهم في القرار.

 

فعندما بلغ قيس بن سعد بن عبادة نبأ مبايعة الحسن لمعاوية-رضي الله عنهما- اضطرب في أول أمره، ورغب عنه حتى اتضح له الأمر وقرر الانضواء تحت جماعة المسلمين، وكذلك الحسين بن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- فقد أبى على أخيه في أول الأمر متابعته على ما رآه من أمر الصلح حتى رأى غضب الحسن وإصراره على إمضاء أمره فما كان منه إلا أن نزل على رأي أخيه وسار معه فيه؛ فالتعامل مع أهل الإخلاص والبأس من رؤوس المسلمين لابد له من حنكة وحكمة في استمالتهم ودفعهم لدفع العمل للأمام.

 

-ومن أهم ما ينبغي التنبه له في هذا المقام وضع الشروط والأسس التي تساهم في إنجاح الصلح وتنميته وتثبيته، ولنا في شروط صلح عام الجماعة خير معين على ذلك، ولذلك نسرد ما نحتاج في نقاط مع إسقاطها على واقعنا المعاصر:

 

الشرط الأول:

العمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء:

وهو الشرط الضامن لعدم الانحراف عن الطريق القويم بوضع المنهج الحق كحادي للمؤمنين في سيرهم في هذه الدنيا بكافة جوانبها، مع الإشارة لأهمية التأكيد على العمل بسيرة الخلفاء بما يتفرع عن ذلك السياق من مفاهيم وإطار يختلف تمام الاختلاف عن سياق الملك العاض والجبري، وإن كان الأمر اختلف بعد وفاة معاوية رضي الله عنه عما تم الاتفاق عليه عام الجماعة لبعض الظروف الزمانية والسياسية، إلا أنه لابد لنا من الاستفادة من ذلك في وضع الضمانات العملية التي تمنع مثل هذا بتعليقها على خطوات مؤسسية دون كبير تعويل على أشخاص لابد وأن المنية توافيهم يوماً.

 

الشرط الثاني:

التساهل فيما قد أصابته الأطراف من أموال تأليفاً للقلوب وجمعاً للشتات وتقديماً لمصلحة الاجتماع على ما دونها من أمور قد تثير النفوس..

فقد ذكر البخاري في صحيحه أن الحسن قال لوفد معاوية (عبد الرحمن بن سمرة-عبد الله بن عامر بن كريز): “إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال…فمن لي بهذا؟”

قالا:”نحن لك به”

 

ولا شك أن الحسن بن علي لم يكن قد أخذ مالاً بغير حق، كيف وهو سبط رسول الله وريحانته وسيد شباب أهل الجنة؟!!

إلا أن وأد مسائل الخلافات المالية في مهدها، والتآلف والاتفاق بعدم إثارة ما يدور حولها من خلال السبل الشرعية من أهم السبل لقطع دابر أحد أهم المداخل التي يدخل منها الشيطان للإنسان ألا وهو جانب “حب المال” والنزاع حوله.

ومن باب أولى التنازل عن الحقوق المالية الشخصية في سبيل تحقيق مصلحة المسلمين؛ فمصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، ومصلحة الدولة مقدمة على مصلحة الجماعة، ومصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الدولة كما قال أبو عبد الله أسامة بن لادن رحمه الله.

 

الشرط الثالث:

طي صفحات الفتنة وما سُفك فيها من دماء، وما وقع فيها من مظالم سداً لباب شرٍ إن فُتح ولج منه شر مستطير.

 

فلقد اشترط الحسن على معاوية-رضي الله عنهما- ألا يطلب أحداً من أهل المدينة والحجاز والعراق بشئ، وقد التزم أمير المؤمنين معاوية –رضي الله عنه- بذلك الشرط تمام الالتزام وفاءً بالعهد، وعلماً وفطنةً منه بأهميته لاستقرار ووحدة أمور المسلمين.

فقد أورد ابن قتيبة في عيون الأخبار أن:” معاوية بن أبي سفيان لما قدم بعد عام الجماعة، دخل دار عثمان بن عفان، فصاحت عائشة بنت عثمان بن عفان وبكت ونادت أباها، فقال معاوية: با ابنة أخي، إن الناس أعطونا طاعة، وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا لهم حلماً تحته غضب،وأظهروا لنا ذلاً تحته حقد، ومع كل إنسان سيفه ويرى موضع أصحابه، فإن نكثناهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا تكون أم لنا،لأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خيراً من أن تكوني امرأة من عرض الناس”

 

وهذا من دقيق فهمه رضي الله عنه، فلقد قدّم مصلحة المسلمين، وبقاء شوكتهم،واتحاد كلمتهم مع بعض الكدر في النفوس على الفرقة التي لا تأتي إلا بشر وذهاب لدين المؤمنين ومعاشهم…

 

فلا نطالب في الصلح بتصفية كافة الشوائب العالقة في النفوس وهذا أمر يحتاج بعض الزمن ليداويه، إنما نطالب بما كان عليه أصحاب رسول الله من ضبط النفس وانقيادها لشرع الله وتغليب مصالح المسلمين.

 

الشرط الرابع:

اشتراط الشورى:

 

فقد جاء في شروط الصلح أن يكون الأمر بعد معاوية شورى بين المسلمين، وهو الشرط الذي يمثل الدعامة الحقيقية للحكم الإسلامي الراشد، والضمانة الرئيسية لعدم استبداد الحاكم بالأمر، والسبب الموصل لتكميل نواقص الأمير وثغراته الشخصية والمعرفية في سبيل القيام بالولاية على أحسن ما يكون؛ وإن كان هذا الشرط قد تخلف بعد خلافة معاوية -رضي الله عنه- كما قلنا لأمور يطول شرحها.

فالنقص اليوم في الأمراء والقواد أكبر منه بمسافات متباعدة من أهل ذلك الجيل المزكّى نبوياً، ومع توسع العلوم والمعارف ومجالات الصراع بين الإسلام والكفر؛ كان لابد لأهل الإسلام في ذلك الزمان من شورى تقيم أمرهم وترشّد مسيرهم، وتمنع من في قلبه مرض من الاستبداد بأمر المسلمين.

 

 

 

-وأختم بكلمة رائقة لأبي محمد بن حزم رحمه الله:

“فبويع الحسن ثم سُلّم الأمر إلى معاوية، وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منهما بلا خلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل، وكلهم؛أولهم عن آخرهم بايع معاوية، ورأى إمامته”

وفي كلماته المختصرات خير ختام.

فاللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويحكم فيه بكتابك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وألف بين قلوب المسلمين، واجمعهم على كلمة التوحيد.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين