عدنان حديد

كيف حمل المجاهدون أردوغان لعرش الأناضول؟

شارك

كيف حمل المجاهدون أردوغان لعرش الأناضول؟

 

يعج التاريخ الحديث لبلاد الأناضول موطن الفاتحين من بني عثمان بالعديد من الانقلابات العسكرية العلمانية الخالصة، الهادفة لإبقاء دولة الضابط اليهودي مصطفى كمال أتاتورك حيةً جاثمةً فوق صدور الشعب المسلم الذي أذاق أسياده العلقم لقرونٍ طويلة.

 

فبدءاً من الانقلاب على عدنان مندريس في بداية الستينيات من العقد المنصرم ،ذلك الرجل العلماني الخارج من رحم حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي والذي تولى السلطة تحت سمع ونظر أباطرة العلمانية في الجيش، وأسيادهم من اليهود والنصارى، حيث كان خطأه الوحيد السماح ببعض -وبعض فقط- الحرية للمسلمين في ممارسة عباداتهم والرجوع بها لما كانت عليه قبل حلول كابوس انهيار الخلافة مع إبقاء النظام العلماني الوضعي كاملاً غير منقوص؛ انتهاءً بالانقلاب العسكري “الناعم” على نجم الدين أربكان-رحمه الله- في أواخر التسعينيات بعد توليه رئاسة الوزراء بشهورٍ قليلة وما كانت تهمته سوى إعادة فتح بعض مدارس القرآن الإسلامية، والسماح بحجاب المرأة المسلمة…

 

وما بين هذين الانقلابين عاش الأتراك انقلابان آخران ذاق خلالهما المسلمون المر والعلقم من بطش الآلة العسكرية الأتاتوركية خاصةً في انقلاب الهالك كنعان ايفرين -عليه لعنات الله تترى- والذي جاء بإيعاز صليبي يهودي بعد تنامي نفوذ حزب نجم دين أربكان، وتوسُّع قاعدته الشعبية والتي تجلّت في مظاهرته الشهيرة الحاشدة ضد الكيان الصهيوني واحتلاله لأراضي المسلمين في فلسطين والتي تلاها الانقلاب ببضعة أيام؛ فعاثوا في الأرض فساداً بالقتل والسجن والتعذيب ونهب الأموال وتكميم الأفواه.

 

وبعد الانقلاب الأخير على نجم الدين أربكان، انشق عن حزبه مجموعةٌ من شبابه وكوادره صغيرة السن، والتي اتهمت قيادة الحزب وعلى رأسها أربكان بعدم القدرة على إدارة المشهد السياسي، والتعامل مع القوى العلمانية وفي مقدمتها الجيش ومن يديرهم من خلف الستار في أوروبا الغربية وأمريكا؛ فأسسوا حزب العدالة والتنمية بالتخلي التام عن المبادئ الإسلامية التي كان ينتهجها أستاذهم السابق-وإن كان قد أخطأ خطأ عقدياً بيّنا باتباع النهج الديمقراطي كغيره من الإسلاميين الديمقراطيين والذي أثبت عواره شرعاً وواقعاً- ، والتركيز التام على البرنامج الاقتصادي لدولةٍ ترزح تحت الحكم العسكري شديد الفساد منذ عشرات السنين، والذي أوصلها لأدنى المراتب الاقتصادية والاجتماعية في سبيل جذب أصوات الناخبين مستغلين تجربة الإدارة الناجحة-بمقاييس أهل الدنيا- لأردوغان زعيم الحزب وقت رئاسته لبلدية اسطنبول.

 

وبالفعل تمكن الحزب من الاستحواذ على الأغلبية النيابية في انتخابات العام 2002م ليعمل بعدها على تشكيل الحكومة….ولكن يا ترى ما الذي منع الجيش الأتاتوركي من تنفيذ الانقلاب المعتاد عند وصول أو اقتراب من به مسحة إسلامية من سدة الحكم في أنقرة؟؟!

-ذلك جانب آخر لابد من التعريج عليه لفهم الأمر..

 

ففي الوقت الذي كان أردوغان، وأوغلو، وعبد الله جول، وباقي قيادة الحزب يعدون العدة لاقتحام النزال البرلماني؛ كان هناك في بلاد الأفغان في أرض سجستان الحبيبة أناسٌ يسكنون الجبال والكهوف، يلتحفون الحصى، وينامون على الجمر، لا توقفهم الحمم المتساقطة من السماء،أو الجحافل المرتدة على الأرض، تركوا القصور والفراش، وأبوا إلا أن يشيدوا قصور مجد أمتهم، تلك الأمة الشاهدة على غيرها من الخلق…

 

وقد بدأت تلك الثلة المباركة معركتها مع طاغوت العصر، وهبل الزمان أمريكا منذ ما يقارب العقد، وقت أن نزلت جيوش الصليب واليهود في أرض جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أحاطت بقبلة المسلمين ومسجد نبيهم إحاطة السوار بالمعصم، بعد أن سلّمت قبلاً بيت المقدس للمغضوب عليهم شر أهل الأرض؛فابتدأت المواجهة بدحر قوات المارينز من الصومال على يد فئةٍ قليلةٍ فقيرةٍ من المهاجرين والأنصار أبوا إلا أن يطلقوا الطلقة الأولى في المعركة الفاصلة بين المسلمين والنظام العالمي الصليبي الجديد بقيادة حاكم البيت الأبيض –سوّد الله وجوه ساكنيه-، ثم تتابعت الجولات من جزيرة العرب، إلى أبراج التجارة في نيويورك وتصويب الضربة التمهيدية على يد المجاهد البطل رمزي يوسف- فك الله أسره-، حتى اجتمع المجاهدون من أقطار الأرض في بلاد الهندوكوش تحضيراً لانطلاق الملاحم الكبرى، فضُربت مقرات المخابرات الصليبية في إفريقيا، وديس على كرامة البحرية الأمريكية في عدن بقارب الاستشهاديين، حتى أعلنها النسور التسعة عشر مدويةً في قلب عاصمة الصليب أن تجهّزوا لهلاككم…

 

وقد كانت أمريكا قد وصلت يومئذ لقمة عنفوانها وغطرستها المادية حتى حدا ذلك بسفيههم الأحمق فوكوياما إلى إعلان نهاية التاريخ وسيادة الحضارة الرأسمالية الجشعة على البشرية إلى الأبد، فما إن انهار البرجين وتحطم بيت الشياطين المسمى بالبنتاجون حتى كشّر الصليبيون الجدد المعروفين بالمحافظين الجدد من بوش وحاشيته عن ذات الأنياب التي نهش بها فرسان المعبد أجساد المستضعفين من المسلمين في حروبهم الصليبية قديماً قبل أن يكسرهم فرسان الإسلام ويمحقونهم شر محق، فجمع حلفاؤه وحشد مرتدوه ليحتل أفغانستان في غضون أشهرٍ قليلة، ثم يلتفت إلى بلاد الرافدين درة المشرق، وموطن الخلافة ليضع قاعدة الأساس لمشروعه الخبيث…

 

ولكن سرعان ما تبخّرت تلك الأحلام الشيطانية على وقع ضربات المجاهدين ورسوخهم وثباتهم، فكما أنسى الصديق الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، فقد أنساهم أمير المؤمنين الملا محمد عمر-تقبله الله- إياها في بلاد الأفغان، وأذهب عقولهم الليث البطل أمير الاستشهاديين أبو مصعب الزرقاوي-رحمه الله- في بلاد الخلافة والرشيد بلاد الرافدين،وأطارت ما تبقى منها جيوش أسامة الرابضة والزاحفة التي ترسم بدمائها فجر الإسلام في شتى بقاع المعمورة، من لندن ومدريد غربا، إلى بالي في اندونيسيا شرقاً، حتى رأى الكفار ذلك الكابوس نفسه الذي عايشوه أيام “لويسهم التاسع” ملك فرنسا حين التحمت الأمة حول أبنائها المجاهدين لصد عاديتهم، وكسر شوكتهم…

 

فما كان منهم إلا العمل بتوصيات شياطينهم بالسعي في تدجين هذه الجماهير المسلمة العزيزة الأبية بمسخ فطرتها الإسلامية وخلطها بالمفاهيم الغربية والنصرانية، مع فتح بعض المسارات البديلة ذات الطابع الإسلامي والتي تخضع للاحتواء والسيطرة من قبلهم لامتصاص غضبتهم، مع تلميعها باعتبارها بديلاً عن الجهاد في سبيل الله لتحصيل الحقوق، ورد المظالم وذلك بالسماح لها ببعض هوامش التصريحات والأفعال التي لا تحدث كبير ضررٍ على أرض الواقع كمرحلةٍ انتقالية للقضاء المبرم على أي حراكٍ لهذه الأمة…

 

وقد كانت الفرصة سانحة أمامهم متمثلةً في مجموعةٍ من الشباب الأغرار، مهتزي المبادئ،خائري العقيدة، والذين فازوا لتوهم بالانتخابات البرلمانية ويبحثون تثبيت أقدامهم هناك على عرش الأناضول؛ فتلقفتهم الأيدي الصليبية الآثمة بالحماية والرعاية والاحتضان، وقد كان الجيش العلماني على بعد خطوة من تنفيذ انقلابه المعتاد لحماية “علمانية الدولة” و”المبادئ الأتاتوركية” التي قامت عليها حتى جاءت الأوامر من القيادة العليا في البنتاجون بوقف الانقلاب وعدم الإطاحة بسلطة الحزب الجديد…

 

وقد أدرك هؤلاء الدجالون حقيقة الأمر، فشمّروا عن سواعدهم وشرعوا في تلبية طلبات راعيهم الجديد بكل ما يملكون، فبعد أن رفض البرلمان استخدام الحدود التركية كقاعدة انطلاق عسكرية للحرب على العراق-وقد كان كبيرهم أردوغان يدفع باتجاه الموافقة كما ذكر الإعلامي أحمد منصور في كتابه عن حرب العراق- سارع في تذليل الأرض للغزاة النصارى بالموافقة على جعل أرضه قاعدةً مفتوحة للإمداد اللوجيستي لتلك الجيوش التي أذاقت المسلمين في العراق المر بالقتل والتشريد والأسر وانتهاك أعراض المسلمات العفيفات الطاهرات؛ وكذلك استمر في لعب الدور المنوط به في حرب أفغانستان باستمرار إشراك جيشه فيها حتى تولى يوماً ما قيادة الحلف الصليبي على ثراها، فكيف بمحمد الفاتح إن رأى هذا المسخ الذي يدعي الانتماء لدولته وقد رفع راية الصليب في أرض المسلمين المروية بدماء الصحابة والتابعين؟؟!!

 

وقد فهم هذا الدجال المدعو برجب أن العلاقة مع يهود هي التي تدعّم موقفه أمام أسياده في واشنطن، فعمل على استمرار وتقوية العلاقات معهم، وإدامة المناورات العسكرية المشتركة، مع بعض “الجعجعات” اللازمة لصبغة النظام وطبيعة وظيفته ودوره المنوط به تأديته كبديل عن الجهاد في سبيل الله.

 

واستمرت المخازي والطوام من هذا المتمسح بالفاتحين من بني عثمان، وما يجد من جماعته وحزبه وعلماء طريقته إلا الترقيع، والمدح، والتأصيل لما يرتكب من نواقضٍ للإسلام حتى غدت ردته أشهر من أن يُحكى عنها، حتى جاء دوره القذر في جهاد المسلمين في سوريا و الذي كلله ببيعه لحاضرة الشام والإسلام “حلب” بثمن بخس دراهم معدودة لحامل راية بطرس الأكبر الصليبية وتابعيه النصيري الباطني والرافضي الحاقد على الإسلام والمسلمين..

 

ولكن وقت أن قرّر السادة التخلي عن التابع الذي يؤدي دوره بمهارة لانتهائه في وجهة نظرهم، أشاروا إلى الجيش الذي منعوه من الانقضاض على السلطة منذ ما يزيد على العقد بالانقلاب على خادمهم الوفي إلا أن الله أراد شيئاً آخر لحكمةٍ يعلمها سبحانه..

 

ومن الجدير بالذكر علاقته وأقرانه المتوترة بأستاذهم السابق نجم الدين أربكان لمواجهته إياهم في ذلك الانزلاق العقدي الخطير نحو الكفر والردة، فعلى الرغم من كون أربكان إسلامياً ديمقراطياً إلا أنه لم يصل يوماً لما وصل إليه هؤلاء من فجورٍ فج، فصاحب المبدأ وإن كان ضالاً في مواضع لا يتخلى عنها ولو عُرض على السيف.

 

وبعد..

فإنك لتجد أتباع أردوغان وأشياعه يتغنون بعبقريته في مناورة أمريكا والغرب وخداعهم للبقاء على سدة الحكم، والتمكين لــ”المشروع الإسلامي”، وما دروا أنه قد صعد إلى ذلك العرش تأديةً لوظيفة تخدم أسياده على سلمٍ من جماجم الموحدين الثابتين في وجه جيوش زعيم الصليبيين “بوش الثاني” وخلفائه…

 

فاللهم عليك بمن ارتد وكفر وناصر الكفار على المسلمين…

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

عدنان حديد