عدنان حديد

قطار واشنطن وقاعدة الجهاد…..إنما العلم للعمل

شارك

قطار واشنطن وقاعدة الجهاد…..إنما العلم للعمل

 

“العلم للعمل”….هذا الاسم البليغ لذلك الإصدار الأشهر الذي أصدرته مؤسسة السحاب-تلك المؤسسة المرويّة تربتها بدماء الشهداء والمشيّدة لبناتها من عظامهم وأشلائهم- تأريخاً لذلك الحدث المدوي الذي حوّل مسار التاريخ لينشئ حقبةً جديدة في التاريخ البشري على يد تسعة عشر رجلاً من أحفاد الصحابة نفروا من كل فجٍ عميق تلبيةً لنداء ربهم وعملاً بما علموا من شريعة إلههم.

 

ولم يكن ذلك العنوان مجرد عبارة عابرة في تلك المسيرة الوضاءة الغرّاء، إنما مثّلت المنهج الذي قامت عليه تلك الجماعة المباركة منذ أول يومٍ في سبيلها لقيادة أمتها المؤمنة في معركتها المصيرية مع قوى الكفر والشرك والردة الجاثمة على صدر بني آدم في أرجاء المعمورة.

 

فهذا المبدأ الراسخ رسوخ أثر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تاريخ هذه البشرية كان ولازال شاهداً على عظمة ذلك الجيل الفريد، ذلك الجيل الذي ما كان يطلب العلم تكثّراً للمباهاة، والمجادلة، والمماراة، وطلب الرفعة، واستعراض القدرات كما يفعل كثيرٌ بل أكثر أبناء المسلمين في هذا الزمان؛ بل يطلب ذلك العلم النافع الذي ينعكس عملاً صالحاً في دنيا الناس دون سفسطات لا تغني عنهم يوم الحساب شيئاً؛ ذلك المبدأ الراسخ كان ولازال الدرس الأول في مدرسة أسامة والحكيم..

 

فعندما منّ الله على الأمة ببزوغ شمس قاعدة الجهاد، كانت الأمة تعاني أشد المعاناة من حقبٍ طويلةٍ من التخبط، والتشتت، والحيرة بين فلسفات تنظيرية مقيتة نسبت نفسها في مبادئها وآلياتها للإسلام وهي قد طعنته قَبلاً في مقاتل لا يتسع المقام لذكرها، وبين تلك المذاهب الغربية التي غزت بلاد الإسلام فيما يعرف بحقبة ما بعد الاستعمار، حيث تكابد تلك الأمة قتل الأبناء، وانتهاك أعراض العفيفات، وسجن الصلحاء والعلماء دون أدنى ردة فعل من هؤلاء المتشدقين المتفيقهين اللهم إلا جعجعة نسمعها ولا نرى معها طحيناً.

 

أخرجت القاعدة نفسها من كل تلك الأمراض التي ضربت هذه الأمة وتبدت ظاهرة جلية في تلك الجماعات المسماة “إسلامية”، الممسوخة فطرها، التائهة بوصلتها، المسحوقة رجولتها؛ وأيقنت منذ أول يوم أن ما صلح به أول هذه الأمة يصلح به آخرها…الجهاد طريقاً، والعلم النافع موجهاً، والعمل الصالح ثمرةً يذوق حلاوتها كل مسلمٍ يدفع عنه المجاهدون بمهجهم سهام اليهود والنصارى وأذيالهم سواء كانت سهاماً فكرية أو عقدية أو حديدية، ما اخترق الأجساد أو العقول سواء.

 

فبجوار تصدي رجالها وأبطالها الميامين لجحافل الكفر في أعظم ثغور المسلمين، ما توانت وما تراجعت للحظة عن رفع قواعد هذا البناء عظيم السمت، جميل المحيا في قلوب أبناء الأمة بكافة الوسائل الممكنة والمتاحة وإن أدّى ذلك لذهاب الأموال والمتاع والأنفس؛ هذا البناء الذي ما إن استقر قراره في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم حتى فتحوا مشارق الأرض ومغاربها في زمانٍ يسير لازال يعجب من قصره ألد أعدائنا، وأعتى خصومنا.

 

فلقد أدركوا أن المعركة طويلة مستمرة حتى تبلغ هذه السفينة شواطئ الفتح والنصر والخلافة، ومع ذلك فالحرب تأكل الرجال،فكان ولابد من إعداد وتجهيز قوافل المدد والنجدة وتجديدها باستمرار للحفاظ على جذوة هذه المعركة مشتعلة فتية غير متأثرة بمن أرادوا إطفاء نور الله بأفواههم وأسلحتهم وإعلامهم ودجاليهم؛ وأدركوا مع هذا أن الجهد قليل،و أن الرجال أمثال أبي عبيدة بن الجراح -الذي تمنى عمر داراً ملؤها أمثاله- أقل القليل، فكان حاديهم في الطريق ” إنما العلم للعمل”، عالمين أن المؤمن-وخصوصاً في هذه اللحظات الحرجة- مسؤول عن كل دقيقة من وقته فيما أنفقها وصرفها….أفي إنقاذ أخته الطاهرة من براثن وأسر الكافر المشرك، أم في إرضاء وإشباع حظوظ النفس؟؟!

 

ولعل أبرز الأمثلة الحية على امتثال هذا المبدأ الرباني الشيخ المجاهد الشهيد أنور العولقي تقبله الله وأعلى منزلته في جنان الخلد والنعيم المقيم…

فبمجرد أن وطأت أقدام الشيخ أرض جزيرة العرب حتى ظهرت بركة عمله، وعظيم جهده، وتعدد آثار جهاده؛ فمن التدريس والتعليم، إلى ترشيد وتوجيه المجاهدين، إلى مصاولة أعداء الملة والدين في ساحة الحرب الإعلامية المستعرة حتى عرض الشيخ أبو بصير الوحيشي -أسكنه الله فسيح جناته- على الشيخ أسامة بن لادن-تقبله الله- تسليمه الإمارة والتراجع لصفوف الجنود لما عاينه من رفيع قدره وجلال أثره.

 

ثم توّج هذه الأعمال المباركة بما أحسبه درة التاج، وواسطة العقد وهو إطلاق مجلة “انسباير” تلك المجلة التي أقضت مضاجع الصليبيين وهي تخرج من عمق صحراء جزيرة العرب على قلةٍ في العدة والمال، ولكن على كثرةٍ في الإخلاص والبذل كما نحسب القائمين عليها والله حسيبهم.

 

وما لبث أن حان موسم الشهادة لترتقي روحه الطاهرة كما كان يتمنى على يد عدوه الذي طالما نازله نزال الرجال، وإنه وإن تمكن من قتل الشيخ فلم يصل بحول الله لإيقاف تلك المجلة المباركة عن المضي قدماً في طريق تمهيد السبيل للاستشهاديين الذي يكمنون وسط حصون الصليبيين، فكان لها أعظم الوقع في وقعات متتاليات أذاقت عباد النصارى بعضاً مما أذاقوه لإخواننا في كل أرضٍ ومصر.

 

وبمجرد أن طالعتُ إعلامهم ينوح نواح الثكلى على هلكاهم في قطار واشنطن المنحرف عن طريقه، تذكّرت تلك الأيادي المتوضئة التي خطّت وأصدرت العدد السابع عشر من مجلة انسباير منذ أشهرٍ معدودة وقد ضمنتها أسهل الطرق لتصنيع أدوات حرف القطارات عن مسارها دون أدنى شبهة أو ريبة، مرفقين ذلك بأهم النصائح الأمنية والشرعية التي يجب توخيها قبل الانطلاق في تلك الجولة من المعركة والتي أزاحت الستار عن عشرات القتلى والجرحى من رعايا زعيم الصليب…

 

وهكذا تسير القاعدة في مسيرتها لإرشاد الأمة،وتعليمها، وتربيتها بالأقوال، والأفعال، وأجساد الشهداء أن نحّوا عنكم ما لا فائدة منه ولا طائل وإن مالت إليه نفوسكم، وأملته عليكم حظوظها، وقوموا إلى سد الثغور التي تئن من انشغال أحفاد من سادوا الدنيا عنها؛ واذكر أختاً لك تستصرخك في سجونهم أن فك قيدي وخذ بثأري يا أخا العقيدة والدين.

 

فهل من مقتدٍ بذلك النهج الناصع النقي ليقتفي أثره، ويحمل رايته، ويكمل بناء ما أرسى قواعده رجالٌ منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا؟؟!

 

قال صلى الله عليه وسلم:-

“إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها”

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

عدنان حديد