عدنان حديد

بناء الردع وانهياره…بين جبال الهندوكوش وجبل المكبّر

شارك

بناء الردع وانهياره…بين جبال الهندوكوش وجبل المكبّر

بناء الردع وانهياره…بين جبال الهندوكوش وجبل المكبّر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:-

فإن مفهوم الردع لا يزال يتطور ويأخذ أبعاداً جديدة كلما مضت قافلة الزمان ببني البشر، وتجددت أساليب صراعهم وتدافعهم، وتعددت ميادين التصادم فيما بين كياناتهم؛ إلا أن أصل المفهوم ثابتٌ سياسياً منذ قديم العصور.

فالردع هو ذلك السلاح غير المرئي الذي يتكوّن بشكل تدريجي شديد البطء  والذي يتسم بعظم الكلفة من الأرواح والأموال والأوقات؛ ولا يكاد يظهر أثره إلا عندما يبدأ مفعوله في السريان بحجز عدوك عن الاقتراب من خطوطك الحمراء التي رسمتها بالدماء والعرق حذراً مما يخشاه من مغبة فعله إن هو أقدم على المساس بها.

وكلما تباينت فوارق القوة والإمكانيات المادية بين أطراف الصراع- كما هو حالنا اليوم في قتالنا لأعداء الأمة المجتمعين عليها يريدون إفناءها- زادت التكلفة اللازمة لبناء جدارٍ من الردع متين يصمد لهجمات العدو الضارية حتى يكتمل بنيانه فلا يستطيع له نقباً؛فكان جداراً رويت أساساته بدماء خيرة رجال هذه الدنيا في ذلك الزمان، وأُقيم صرحه بجماجم أناس أبوا إلا أن يقدموا رؤوسهم لبنات في ذلك البناء السامق، وتوطدت دعائمه بسنين طويلة من البذل الذي لا ينقطع لطائفةٍ منصورة من خير أمة أخرجت للناس؛ ولكن تداعى ذلك الجدار وانهار في مواطن، واشتد ورسخ وتجذّر في مواطن أخرى فكان لابد من إطلالةٍ سريعة لاستخلاص العبرة لعل الله ينفع بها من قام على ثغر المسلمين راجياً نصر ربه…

وقد آثرت أن أسلط الضوء على نموذجين بارزين للنجاح والفشل متناولاً إياهم بقليلٍ من التفصيل حتى تتضح الفكرة ونصل إلى ما نبتغيه من هذه الكلمات منتجين عملاً ينفع الأمة على أرض الواقع، وإلا فما أقل حاجة الأمة لترفٍ فكري وهي تخوض أشد مخاضاتها.

-أما النموذج الأول فهو الردع على أرض فلسطين..

فبعد أن وقع ما خطط له اليهود والنصارى لقرونٍ طويلة بزرع دولة اليهود في قلب العالم الإسلامي، انطلقت بعض الحركات العلمانية ذات التوجه اليساري التي كانت تنادي بتحرير فلسطين في أواسط ستينيات القرن العشرين متخذةً من “دول المواجهة” قاعدة للانطلاق والعمل، ومن الاتحاد السوفيتي الشيوعي ظهيراً سياسياً داعماً بالخبرات والسلاح متناسين أن الأنظمة العربية لا تعدو كونها أنظمة وظيفية وُجدت لحماية يهود، وأن هذا الاتحاد السوفيتي هو أول المعترفين بالكيان الصهيوني المسخ ومزوّده بالأعداد الأكبر من المهاجرين الروس اليهود؛ فتم احتواء حركتهم وضرباتهم بكل نجاح من قبل هذه الأطراف وتم حصر الصراع في التصادم المتقطع على الحدود مع فلسطين تارة، وبعض العمليات النوعية لضرب المصالح الصهيونية حول العالم تارةً أخرى دون إحداث خطرٍ مهدد لوجود الكيان الصهيوني كدولة مستقرة قائمة على المهاجرين.

وقد آلت الأحداث بهؤلاء “الثوار” العلمانيين إلى التشرد في الأرض بحلول نهاية ثمانينيات القرن العشرين حتى أعلن كبيرهم الهالك ياسر عرفات اعترافه بدولة “إسرائيل” واستعداده للتفاوض على ما تبقى من أرض فلسطين فيما بعد قيام الكيان عام 1948م أو ما يعرف حالياً بــ” الدولة الفلسطينية على حدود 4 من حزيران عام 1967م” ، لتنتهي حكاية “الثورة الفلسطينية” العلمانية بنهايةٍ مأساوية ما كانت لتختلف لو أُعيدت لألف مرة.

ولكن شاء الله سبحانه وتعالى أن يترافق مع هذا الانهيار العلماني في فلسطين قيام حركة المقاومة الإسلامية حماس وانطلاقها من رحم الانتفاضة الفلسطينية الأولى “انتفاضة الحجارة” لتدشّن البداية الفعلية للجهاد “الإسلامي” ضد اليهود من داخل فلسطين للمرة الأولى منذ أن أعلن الهالك بن جوريون الدولة في الخامس عشر من مايو عام 1948م لتنقلب معادلات الصراع رأساً على عقب من حيث طبيعة المواجهة من ناحية، وطبيعة ميزان الردع من ناحية أخرى..

فبدأت كرة الثلج تكبر، ونداء الجهاد يصدح في آذان وقلوب وعقول شباب فلسطين المسلم أن حي على الجهاد؛ فتشكّلت كتائب عز الدين القسام على يد الشهيد البطل كما نحسبه صلاح شحادة في العام 1990م ولم يكن في الضفة الغربية وقطاع غزة يومئذ سوى بندقية واحدة يتناقلها المجاهدون فيما بينهم وقد عمدوا في أول أمرهم إلى التركيز على تصفية الجواسيس والمرتدين نظرا لضيق ذات اليد وانعدام الإمكانيات وقلة الناصر؛ وما هي إلا شهور قليلة حتى بدأت الخلايا في التشكل، والعمليات المؤثرة في الانطلاق فهذا عماد عقل في غزة يسخن في دوريات اليهود، وهذا يحيى عيّاش يقيم في محرابه في الضفة ليجهّز الاستشهادي الأول في أرض المسرى، وهذا ساهر التمام يمتطي جواده ليحيي سنة عمير بن الحمام في بدر وقد أوشك كثيرٌ من المسلمين على نسيانها، واتسعت رقعة المواجهة حتى بلغت قلب فلسطين المحتلة في تل الربيع مع ما صاحب ذلك من عمليات أسر الجنود والتي كان أشهرها على يد خلية القدس بإمرة القائد المقدسي محمود عيسى فرّج الله عنه.

ولم يكن تأثير تلك العمليات الاستراتيجي نابعاً من فتك السلاح المستخدم أو تطوره أو إتقان استخدامه، بل من النتائج السياسية المترتبة عليها والتي تضرب دولة الكيان في مقتل باعتبارها دولة قائمة على هجرة اليهود من أصقاع الأرض لإمدادها بسبب البقاء وأي ضرب لرفاهيتها وأمنها يحوّل معدلات الهجرة الوافدة إلى معدلات من الهجرة العكسية التي تؤذن بفناء هذا الكيان على المدى الطويل، ذلك الهاجس الذي يطاردهم ويرونه رأي العين في مصير مماليك الصليبيين في سواحل الشام قبل ما يقارب الثمانمائة عام.

فهرع اليهود إلى حلفائهم المرتدين لتشكيل “سلطة وطنية” من مرتدي الفصائل العلمانية ليستلموا مهمة القضاء على هذه الشرارة التي تكاد تشعل ناراً لا يطفئها سوى إحراق كيانهم المسخ ولو على المدى الطويل، فتمت اتفاقية أوسلو من هذا الباب حفظاً لأمن الكيان من انهيار أهم أسسه بسبب الضربات المتتابعة-وإن كانت عشوائية- للمجاهدين على أرض فلسطين.

وعلى الرغم من انخفاض وتيرة الحرب بتوقيع اتفاقية أوسلو لأسباب يطول شرحها، إلا أن المجاهدين استمروا في تشييد جدار الردع في قلوب وعقول قادة الكيان المسخ وأفراده بتتابع العمليات الضاربة على يد الضيف وحسن سلامة ومحيي الدين الشريف وعادل عوض الله وغيرهم مع تعظيم حجم الضربات عندما يتم الاقتراب من أحد الخطوط الحمراء التي بدأت تتشكل وتتضح تدريجياً بعد أن تشربت من دماء الشهداء القاني لما يقارب العقد من الزمن.

حتى أتى تدنيس الهالك أرئيل شارون لبيت المقدس ليكون بمثابة التعدي الصارخ على الخط الأحمر الأبرز في الصراع بين المسلمين واليهود في فلسطين معلناً انطلاق انتفاضة الأقصى التي حصدت آلاف القتلى والجرحى من اليهود، والتي شهدت ميزان الردع المسلم في أعظم تجلياته عندما كانت تصدح الأحزمة بالثأر في وسط حافلاتهم وملاهيهم الليلية رداً على مقتل قادة الجهاد وأطفال المسلمين، حتى كاد أن يفجر الأسير محمد عرمان محطة وقود وسط تل الربيع المحتلة رداً على مقتل الشيخ صلاح شحادة رحمه الله لولا أن الله لم يأذن بنجاح العملية التي كادت تغير معادلة الصراع ولو لحظياً في فلسطين بل والعالم الإسلامي بأسره كما اعترف بذلك ضابط الشاباك الصهيوني لمنفذ العملية بعد أسره.

ولكن ما إن بدأت حركة حماس في البدء بالجنوح نحو ألاعيب السياسة وتكاليفها، والانتخابات والتزاماتها، والاتفاقيات القذرة ودهاليزها حتى بدأت تفقد بل وتهدم بنيان الردع الذي بناه آلاف الشهداء وسقوه بدمائهم على مدار ما يقارب االخمس عشرة سنة، ليكون رد الفعل على استشهاد قائدي الحركة ورمزيها أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي في أقل من شهر ضعيفاً مترهلاً متأخراً عن الحدث ببضعة أشهر وفاءً ببعض الالتزامات فيما تحت الطاولة التي قررت الحركة عليها خوض الانتخابات التشريعية تحت مظلة أوسلو حتى وصلت لما وصلت إليه.

لنرى اليوم ملك الروم ورأسهم يخرج علينا معلناً التسليم النهائي لبيت المقدس لليهود دون رجعة،غير آبه لأيٍ من عواقب قراره، وقد أعلنت سفيرته في الأمم المتحدة نيكي هيلي أن السماء لم تنطبق على الأرض بعد قرار رئيسها المعتوه ترامب!!

فماذا كان رد حماس؟؟

-بعض المظاهرات والصراخ المصحوب ببعض الدعوات لإتمام الخضوع المذل لأذناب اليهود من المرتدين تحت عنوان “المصالحة” !!

-فلتقارن بين عواقب تدنيس شارون للمسجد الأقصى منذ 17 عاماً، وبين عواقب بيع المسجد بل القدس بالكامل لليهود على مرأى الجميع لتدرك حجم الانهيار في ميزان الردع هناك في فلسطين بما كسبت أيدي قادة حماس،فعلى الرغم من تزايد القوة المادية لحماس بشكل هائل عما كانت عليه في ذلك اليوم قبل 17 عاماً إلا أن ميزان الردع لم يُقس يوماً بالقدرات المادية وحدها بل بأثر القوة على نقاط ضعف العدو وإن صغرت.

-وأما النموذج الثاني فهو الردع على أرض أفغانستان

فعلى الرغم من حداثة عهد حكومة الطالبان بالحكم إلا أنها واجهت منذ يومها الأول حرباً ضروساً من مختلف قوى الكفر والردة العالمية، حتى من كان يتظاهر بمودتها كان يفعل ذلك بأوامر سيده الصليبي جراً لها إلى مستنقعهم الآسن، لتتوالى الضغوط وتتعدد المطالب بتسليم المهاجرين والتخلي عن حاكمية الشريعة حتى وقعت الحادثة التي غيّرت مجرى التاريخ:

الحادي عشر من سبتمبر….

وعندها كان موقف أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد-تقبله الله- شديد الوضوح لا يحتمل التأويل برفض كافة الإغراءات الدنيوية والسعي في الانطلاق نحو خوض معركته متخففاً من أعباء الدنيا مشيّداً لميزان الردع البشتوني الذي يجبر الغازي الصليبي على شد الرحال من الأرض وإن طال زمن مكوثه العابر وقد عبّر حينها الملا عبيد الله نائب الملا عمرعن ذلك بقوله:

“إن العدة والعتاد الذي نملكه لا يساوي شيئاً أمام قوة الاحتلال، لكن الله أكبر من كل شئ..

لقد احتشد كفار العالم كلهم واتحدوا ضدنا، وليس لنا الآن موطئ قدم على وجه الأرض، ولا توجد دولة واحدة في العالم تساندنا أو تقف معنا..

لكن يكفينا أن ناصرنا وحامينا وحافظنا هو الله عز وجل وحده، عليه توكلنا وعزمنا أن نجاهد ونقاوم الاحتلال بما نملك ولا ننتظر توفر الأسلحة والعتاد المكافئ لقوة الاحتلال..

وإذا لم نجد شيئاً فسنرجم جيوش الاحتلال بالحصى والحجارة، ولن نتهاون في جهادهم بما نملك، وسنقول لله عز وجل يوم القيامة، يا ربنا لم نجد سوى الحجارة، لكنا مع ذلك لم نتخاذل عن الجهاد وقاومنا أعداءك بها..”

وبالفعل بدأ أسود الإسلام من الطلبة ببناء معادلة الردع الخاصة بهم من نقطة الصفر وقد كانوا مُحاربين من طواغيت الأرض عربهم وعجمهم بلا استثناء؛ لتستمر المسيرة وتمضي القافلة بتضحيات الملا عمر، والملا داد الله، والملاد عبيد الله، والملا أختر منصور،وآل حقاني الأشراف الأطهار، في سياسة حكيمة مستمدة من مشكاة النبوة في ترسيخ حقائق الإسلام على الأرض تدريجياً حتى اعترف الصليبيون باستحالة تحقيق النصر في جبال الهندوكوش بعد أن توعد أحمقهم المطاع بوش الثاني ذات يوم بــ”استئصال الإرهابيين” هناك في أفغانستان ولكن خاب وخسر ولله الحمد….

فاليوم يسيطر الطلبة على ما يزيد عن نصف مساحة بلاد الأفغان سيطرة كاملة،ناهيك عن النجاحات الضخمة في اختراق المدن الواقعة تحت سيطرة العدو، بل واختراق مليشياته من خلال الذئاب المنفردة التي تطالعنا بعملياتها الاستشهادية بين الحين والآخر، حيث أوشك الصليبيون على رفع الراية البيضاء بعد أن حققوا هدف المجاهدين باستنزاف امبراطوريتهم المتداعية لما يزيد على العقد ونصف..

وأصبحت الخطوط الحمراء الأفغانية واضحة بادية في أعين الصليبيين يعلمون جيداً فداحة ثمن تجاوزها بل مجرد الاقتراب منها حتى باتوا يستجدون التفاوض ويدفعون بكلابهم لتمهيد طريقه مع الطلبة ولا يجدون إلا الرد الذي ألفوه….

” دحر المحتلين وطردهم من كامل ولاية روزجان للمرة الرابعة

بحمد الله وفضله تم دحر القوات المحتلة التي قدمت قبل شهر ونصف بكبر وغرور مع تعزيزات ضخمة وتمركزت في مدينة ترينكوت عاصمة ولاية روزجان، حيث أجبرت قوات الاحتلال أمس بالانسحاب الكامل من هذه الولاية بعد تكبدها خسائر فادحة.

القوات المحتلة قدمت إلى هذه الولاية لرفع معنويات جنود الجيش العميل، وشاركت في عمليات قصف جوي ومدفعي للمناطق السكنية واستهداف منازل الأهالي، كما شنت عمليات دهم وإنزال كثيرة، كما شاركت في هجمات واسعة في محاولة لاستعادة المناطق من المجاهدين وتمكين عملائها من التقدم وتدشين مراكز أمنية ونقاط عسكرية فيها، لكن بفضل الله ثم صمود المجاهدين ومقاومتهم الشرسة انهزم المحتلون ولم يتمكنوا من إحراز أي تقدم رغم استخدامهم كل أنواع الأسلحة والقوة.

كما قصف المجاهدون القاعدة الجوية في مدينة ترينكوت حيث تعتبر من أهم قواعد الاحتلال في المنطقة بحوالي 116 صاروخ “عمري” وصواريخ أخرى في غضون شهر ونصف الشهر، مما أسفر عن إلحاق خسائر فادحة بالمحتلين.

الجدير بالذكر أن هذه هي المرة الرابعة التي تنهزم فيها القوات المحتلة في ولاية روزجان منذ عام 2001م وتنسحب منها”

فتأمل الحال في فلسطين وأفغانستان لتعلم أهمية الصبر وتحمل الصعاب في بناء معادلة ردع واضحة قوية تحجز عن المسلمين الكثير من شرور أهل الكفر وطغيانهم…

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

عدنان حديد