عدنان حديد

كتائب عياش، حماس هنية….جبهة النصرة هيئة تحرير الشام عملية تدمير الذات

شارك

كتائب عياش، حماس هنية….جبهة النصرة هيئة تحرير الشام عملية تدمير الذات

الانتقال من مجال القوة الذاتية وضعف العدو إلى مواطن الضعف الذاتي وقوة العدو مهلكة محققة…

لا شك أن العاقل عندما يجابه خصمه يسعى لجره إلى ميدانٍ للمعركة يكون فيه أقوى ما يمكن ويكون عدوه أضعف ما يمكن، وذلك بمحاولة حصر المعركة خلال تلك المعطيات التي تعظم من نقاط القوة الذاتية وتقلل من نقاط الضعف، وكذلك تبرز نقاط ضعف العدو وتحجّم نقاط قوته….هذا في الحالات الطبيعية فما بالنا بالاختلال الهائل في ميزان القوى بين طرفي الصراع؟؟

فمما لا يخفى على أحد حجم التباين الضخم في ميدان القوة المادية بيننا وبين عدونا نتيجة عقود متطاولة من التخلف عن الركب والتي نجني ثمارها المرّة اليوم، ما ألزمنا بضرورة التحرك والعمل بشكل فائق الدقة لتوجيه مجموع قوتنا إلى أضعف نقاط العدو دون إحداث اشتباك متعدد المحاور يفضي إلى ما لا تحمد عقباه في هذه المرحلة من الصراع؛ فلكل مقام مقال.

ولعل هذا يتجسد في جماعتين عاملتين على ثرى الشام المبارك؛الأولى ضد الاحتلال اليهودي لبيت المقدس، والثانية ضد الاحتلال النصيري الرافضي الصليبي لعاصمة الأمويين-دمشق- وما حولها من حواضر المسلمين….

وُلدت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” من رحم جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين السليبة كمواكبة للانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م، وقد قررت الجماعة في فلسطين تأخير العمل المسلح ضد اليهود داخل فلسطين لسنين طويلة حتى بات الأمر لا مفر منه ولا مهرب فأُنشئت كتائب الشهيد عز الدين القسام كجناح مسلح للحركة نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات على يد الشيخ الشهيد كما نحسبه صلاح شحادة تقبله الله.

انطلق العمل الجهادي ضد اليهود ولم يكن في الضفة الغربية وقطاع غزة إلا عدد من قطع السلاح يُعد على أصابع اليد الواحدة، وعلى أيدي شباب في مقتبل العمر لا يحملون الكثير من الخبرات العسكرية والميدانية في جعبتهم للتعامل مع نخب الجيش الصهيوني المنتشرة في كافة أرجاء فلسطين؛ وكذلك كان الوضع على المستوى السياسي ببدء منظمة التحرير سلوك طريق أوسلو بإعلانها الاستعداد لدخول المفاوضات مع الكيان المسخ عام 1988م.

وربما كان الحال على المستوى التنظيمي للكتائب ليس بأحسن منه على مستوى الإمكانيات المادية؛ حيث اعتمد على المبادرات الفردية، والقدرات الشخصية، والملكات المتفجرة هنا وهناك دون كبير ترابط بين خطوط العمل في إطار هيكلية منضبطة توجهه في مسارات مدروسة تخدم الأهداف التكتيكية والاستراتيجية.

وبرغم كل ذلك حققت الكتائب نجاحات منقطعة النظير خلال الخمس عشرة سنة الأولى من عمرها على أرض فلسطين…كيف؟؟

لقد توسع البناء التنظيمي في الضفة والقطاع لينتشر انتشاراً أفقياً في أوساط الشباب المتحمس لنصرة هذا الدين، ولجهاد اليهود على أساس عقائدي لتتكون شبكة واسعة تعتمد عليها الكتائب في عموم فلسطين؛ وكذلك تطور رشاش “الام-16” في يد عماد عقل إلى سيارة مفخخة على أكتاف يحيى عياش إلى صاروخ القسام بسواعد نضال فرحات في تدرج لافت لامتلاك بعض الأدوات التي تُعتبر مهدداَ استراتيجياً لمن امتلكها داخل ملعب الكيان المسخ.

لقد كانت حركة حماس وجناحها العسكري كتائب القسام يتحركان في إطار من التحرر من أية قيود أو أعباء ضاغطة تتمثل في مستلزمات الحوكمة،أوتوفير متطلبات الحياة اليومية للمسلمين في فلسطين بالنأي عن الدخول في مهزلة أوسلو، حيث كان الهدف الأبرز والوحيد خوض معركة استنزاف طويلة الأمد مع اليهود، وإدامة شعلة الجهاد متقدة على ثرى الأرض المباركة حتى استردادها من النهر إلى البحر غير منقوصة.

وفي هذا الميدان للمعركة، وبهذه الأدوات شكلت الحركة رقماً صعباً في معادلة الصراع مع اليهود رغم ضآلة الإمكانيات المادية والعسكرية في حينها مقارنةً بما تمتلكه اليوم من عتاد وذخيرة، ويتجلى ذلك واضحاً على سبيل المثال في زيارة رئيس الوزراء الصهيوني الهالك رابين لمنزل الشهيد عماد عقل في غزة استجداءً لأهله كي يدفعوه إلى الخروج من فلسطين مع التعهد منه بعدم المساس به في حالة حدوث ذلك، هذا الهالك الذي كان يرمي قادة فتح العلمانيون بكل أوراقهم تحت أقدامه دون أن يرضى عنهم.

وكذلك لا ينسى مسلم حجم الهاجس الذي سببه المهندس الشهيد يحيى عياش رحمه الله لقادة الكيان الصهيوني بإدخاله سلاح الاستشهاديين إلى ميدان المعركة، واستمراره في إدارة دفتها على مدار أربع سنين أذاقهم فيها الويلات حتى صار كابوس الكيان المسخ الذي يمشي على الأرض، والبطل المسلم الذي يؤرق نوم اليهود في فلسطين ليصير لقب “المهندس” حكراً على هذا الشبح المخيف….لينعقد المجلس الوزاري الصهيوني المصغر “الكابينت” خصيصاً لاتخاذ قرار اغتياله في غزة ليعده الشاباك فيما بعد الانجاز الذي أحيا مكانته بعد اغتيال رابين، حيث لم يمهل القسام اليهود حتى حمل البطل حسن سلامة فك الله أسره على عاتقه رد الصفعة لتدوي عمليات “الثأر المقدس” في عمق اليهود الاستراتيجي في سرية من رجل واحد!!

هذا ناهيك عن العمل العسكري المركز والنوعي الذي حوته انتفاضة الأقصى خصوصاً في عمق الكيان الصهيوني والذي وصل لمرحلة تفجير خطوط سير القطارات، ومحطات الوقود على يد خلية الأسير محمد عرمان فك الله أسره، وهذا مجال يحتاج مجلدات ومجلدات لحصره إنما الغرض هنا التمثيل وحسب…

وهكذا عملت حماس على توجيه مركز ثقلها وقوتها إلى نقطة ضعف العدو كدولة وكيان والتي تتمثل في سبب إنشائه وبقائه، كوطن آمن يوفر العيش الرغيد ليهود العالم بعيداً عن المخاطر والتمييز من قبل “الأمميين”، لتبدأ معدلات الهجرة العكسية في التصاعد بعد آخر الهجرات اليهودية الكبرى للكيان في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، لتجري عليه سنة الإمارات الصليبية الغازية لبلاد الشام منذ ما يقارب الألف سنة….

ولكن ما لبثت الحركة إلا قليلاً بعد استشهاد قادتها البارزين تباعاً حتى غيّرت معادلة الصراع تماماً بتغيير ميدان المعركة لصالح نقاط الضعف الذاتية ونقاط قوة العدو، فقررت خوض الانتخابات العلمانية تحت ظل معاهدة أوسلو الذليلة والدخول في نفق الحوكمة والحكم قبل الأوان بمراحل طويلة؛ مع ما يرافق ذلك من التزامات حكومية على المستوى الشعبي، والتزامات وقيود سياسية على التحرك والعمل العسكري، وتنازل “لازم” عن المبادئ والعقيدة التي يقوم عليها العمل الجهادي لمواكبة ذلك التيار الجارف، وعلاقات بأطراف ضاغطة ومُوجهة لاستجلاب الدعم اللازم لمقتضيات الميدان الجديد للمعركة…..فماذا حدث؟؟!

تم حصر الحركة في قطاع غزة الضيق البعيد عن العمق الصهيوني، وحصاره من كافة الجهات، وقطع كافة أسباب الحياة عن شرايينه إلا ما يمنع الموت والانفجار الذي لا يُحمد عقباه، مع عمليات عسكرية محسوبة جيداً كل فترة لإضعاف القدرات العسكرية المتراكمة لكتائب القسام مع بعض العمليات المتفرقة لضرب بعض الأهداف الحيوية، أما الضفة الغربية حيث الميدان الأوسع والأبرز والأخطر للمعركة فقد تم التمكن منها تمكناً كاملاً بإسقاطها التام في أيدي الجيش الصهيوني وذنبه “الأوسلوي” بتطبيق مشروع دايتون لتدريب القوات الفلسطينية المرتدة الساهرة على حماية أمن الكيان المسخ، وما يوازي ذلك من مشروع “السلام الاقتصادي” الهادف إلى رفع مستوى المعيشة وضخ الأموال في شريان الاقتصاد حتى تصير تلك المكتسبات الدنيوية والاقتصادية حاجزاً منيعاً أمام أي حركة موسعة للجهاد ضد اليهود تهدد بفقدانها؛ باختصار ضرب الحاضنة الشعبية في مقتل.

فاختفى العمل العسكري في الضفة وداخل الكيان المسخ إلا من بعض الهبّات أو العمليات غير المنظمة هنا وهناك، وتم تحييد شبه كامل للجبهة الأهم على صعيد الاستنزاف، و تم تفكيك الترابط بين مختلف جبهات العمل على المستوى الشعبي وحتى الحركي داخل حماس لتتضارب الأهداف والأولويات في العمل بتطاول الزمن على هذا الوضع الغريب حتى ظهرت في الآونة الأخيرة حجم الخلافات بين قيادات الضفة والقطاع داخل الحركة نتيجة هيمنة قضية مناطقية “غزة” على مجمل تحركات حركة ترفع شعار تحرير “كامل” فلسطين؛ لنصل اليوم إلى تسليم الحصن الأخير في غزة لأنياب عملاء الصهاينة تحت شعار المصالحة التي يديرها نظام السيسي الأكثر يهودية من نتنياهو ربما…..

ويكاد الحال في الشام يتطابق بين سوريا وفلسطين…

فجبهة النصرة لأهل الشام..تلك الجماعة المباركة التي نشأت على يد القليل من الرجال، وعلى ندرة في العدة والعتاد؛ جابهت العدو النصيري مجابهة الأبطال الأشاوس حتى أرغمت أنفه، واستدعت الأمريكان لتصنيفها على لوائح الإرهاب قبل أن يقدم حتى مجلس الأمن على هذه الخطوة في فترة لم تتجاوز الأشهر من العمل على الأرض والتي شهدت التوسع الكمي والتنظيمي والنوعي الذي أدى بها أن تكون الكيان الأبرز على الساحة الشامية، والرقم الأصعب في الحرب الدائرة هناك في محيط دمشق.

فلقد تحركت الجبهة -كما حماس بل وزيادة عليها بمسافات ليست بالهينة- في إطار من التحرر الكامل من قيود التزامات الحكم والإدارة، وتوفير مستلزمات المعيشة اليومية لأفراد الشعب، مما جنبها الكثير من مزالق هذا المسار في ذلك التوقيت الحرج، معتمدة في إدامة وتطوير المعركة على معين من الأمة لا ينضب يمدها بأسباب الانتصار، وعلى قاعدة تنظيمية متمثلة في تنظيم قاعدة الجهاد تمثل دعماً استراتيجياً افتقدته غيرها من التنظيمات كزاد محوري على طريق الجهاد والنصر.

فحققت الجبهة انتصارات عريضة في جنبات الشام المبارك، بل وبدأت في مد أذرعها إلى عقر دار العدو في لبنان لبدء صياغة معادلة الردع التي لابد لها وأن تحكم الصراع؛حتى جاءت فتنة تنظيم الدولة بما حوته من ارتدادات سلبية على الجهاد بشكل عام و الشام على وجه الخصوص.

فما لبثت الجبهة-كما حماس- أن فقدت أبرز قادتها الراسخين في الجهاد في ظرف من التصعيد مع النظام العالمي تبع تمدد جماعة الدولة-ظرف موازٍ لانتفاضة الأقصى في حالة حماس من حيث تصعيد المواجهة مع العدو- حتى بدأت الخيارات تميل نحو ترك الخط الصريح والمباشر في العمل والدخول في مسار الاستحواذ والسيطرة والحكم لكيان جزئي يعيش على العلاقة مع الدول الراعية تحت ظل غير مباشر من الالتزام بكثير من الخطوط الحمراء، وكثيرٍ من خطوط مصالح تلك الدول الراعية للكيان الجديد…

ومثل حالة حماس تماماً..تم حصر “تحرير الشام” –النسخة السياسية والفكرية الجديدة للجبهة- في سجن إدلب في الشمال السوري ليشكل كياناً يتم فيه احتواء أهل السنة المُذبّحين في أرجاء الشام منعاً لانفجارٍ غير محمود العواقب على مصالح اليهود والصليبيين والروافض، مع فصل هذا الكيان عن كافة جبهات العمل والجهاد في ربوع الشام والتي يتم ابتلاعها تدريجياً الواحدة تلو الأخرى سواءً بالحصار والتهجير أو المذابح و”التطهير العقائدي” لا العرقي.

ليتوالى الضغط المدروس والمنسق بسياسة العصا والجزرة من كافة الدول ذات المصلحة على هذا الكيان الجديد لتلبية مطالب ومتطلبات البقاء تحت شروطهم والتي تحمل في طياتها نسفاً تاماً للمبادئ والعقيدة القتالية التي قامت عليها المعركة إيذاناً بانتهائها وإخمادها.

وهكذا تم تسليم الحصن الأخير في إدلب-كما غزة- لبراثن أذناب نظام الناتو التركي بتسويد حكومة تتلقى أوامرها وأسباب إعاشتها من أنقرة عاصمة أتاتورك المتأسلم لتمارس عملها تحت حماية الجيش الذي قاد عمليات الناتو في أفغانستان، والذي احتل مواقعه على جماجم الشهداء دون أن تُطلق عليه طلقة واحدة؛ ليبدأ العد التنازلي لتفكيك ما تبقى من قوة للمجاهدين على الأرض.

وللخروج من هذا المأزق في فلسطين كما الشام كان ولابد من العمل على توفير المقومات اللازمة على الأرض للعودة لذلك الميدان من المعركة الذي حققنا عليه انتصاراتنا والذي يوفر تلاقي نقاط قوتنا مع نقاط ضعفهم…

فالوزن السياسي للجماعة لا يعتمد على ما تمتلكه من عدة وعتاد وسلاح، إنما يعتمد على أثرها السياسي على الأرض وإن كانت لا تملك غير استشهادي واحد ربما يعدل ويزيد على جيوش جرارة فقدت أسباب تأثيرها…

عدنان حديد