الشيخ بلال خريسات

المقال الخامس من سلسلة مقالات “قبس من نور القرآن” بعنوان (الولاء والبراء والرضى … الخاشقجي ) للشيخ المجاهد بلال خريسات ثبته الله-

شارك

المقال الخامس من سلسلة مقالات “قبس من نور القرآن” بعنوان (الولاء والبراء والرضى … الخاشقجي ) للشيخ المجاهد بلال خريسات ثبته الله-

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ثم أما بعد :

يقول الحق تبارك وتعالى :
﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾

يقول شيخ المفسرين ـ ابن جرير الطبري رحمه الله ـ:
[وليست اليهود ـ يا محمد ـ ولا النصارى براضية عنك أبداً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم، ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم، لأن اليهودية ضد النصرانية، والنصرانية ضد اليهودية، ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد في حال واحدة، واليهود والنصارى لا تجتمع على الرضا بك، إلا أن تكون يهودياً نصرانياً، وذلك مما لا يكون منك أبداً، لأنك شخص واحد، ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة، وإذا لم يكن إلى اجتماعهما فيك في وقت واحد سبيل، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل، وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل، فالزم هدى الله الذي لجميع الخلق إلى الألفة عليه سبيل] انتهى

قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى :في معالم التنزيل:

قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
[هَذَا فِي الْقِبْلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا يَرْجُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى قِبْلَتِهِمْ، فَلَمَّا صَرَفَ اللَّهُ الْقِبْلَةَ إلى الكعبة أيسوا منه أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ، إِلَّا بِالْيَهُودِيَّةِ، وَلَا النَّصَارَى إِلَّا بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَالْمِلَّةُ الطَّرِيقَةُ]
قال الشيخ الطنطاوي رحمه الله تعالى :
[ثم بين القرآن موقف أهل الكتاب من الدعوة الإسلامية فقال: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ.

الملة: الطريقة المسلوكة، ثم جعلت اسما لما شرعه الله لعباده على لسان نبيه ليتوصلوا إلى السعادة الدائمة، وقد تطلق على ما ليس حقا من الأديان المنحرفة أو الباطلة، كما حكى القرآن عن يوسف عليه السلام- أنه قال:

إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ.

وأفرد القرآن الملة فقال- تعالى- ملتهم- «مع أن لكل من اليهود والنصارى ملة خاصة، لأن الملتين بالنظر إلى مخالفتهما لدين الإسلام وما طرأ عليهما من التحريف بمنزلة واحدة، فاتباع إحداهما كاتباع الأخرى في قلة الانتفاع به.

ومعنى الغاية في قوله: «حتى تتبع ملتهم الكناية عن اليأس من اتباع أهل الكتاب لشريعة الإسلام، لأنهم لما كانوا لا يرضون إلا باتباعه صلّى الله عليه وسلّم ملتهم وكان اتباع النبي صلّى الله عليه وسلّم لملتهم مستحيلا، فقد صار رضاهم عنه كذلك مستحيلا، فالجملة الكريمة مبالغة في الإقناط من إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منه.

ثم لقن الله- تعالى- نبيه صلّى الله عليه وسلّم الجواب فقال: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى.

وهدى الله: دينه والهدى، بمعنى الهادي إلى طريق الفلاح في الدنيا والآخرة. أى: ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي لا ما يدعيه هؤلاء من الأهواء.

وإيراد الهدى معرفا بأل مع اقترانه بضمير الفصل «هو» يفيد قصر الهداية على دين الله، وينفى أن يكون في دين غير دين الله هدى. وإذا كانت الهداية مقصورة على الدين الذي جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم فكيف يطمع أهل الكتاب في أن يتبع ملتهم؟

ثم حذر القرآن من اتباع أهل الكتاب فقال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ.

اللام في قوله: وَلَئِنِ تشعر بأن في الجملة قسما مقدرا روعي في صدرها ليفيد تأكيد ما تضمنته من أن متبع أهواء أهل الكتاب لا يجد من الله وليا ولا نصيرا.

والأهواء: جمع هوى، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق الصادرة من شهوات في أنفسهم. والعلم: الدين: وسمى علما لأنه يعلم بالأدلة القاطعة.

والولي: القريب والحليف. والنصير: كل من يعين غيره على من يناوئه ويبسط إليه يده بسوء.

والمعنى: ولئن اتبعت- يا محمد- آراءهم الزائفة، بعد الذي جاءك من العلم بأن دين الله هو الإسلام، أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة، مالك من الله من ولى يلي أمرك ولا نصير يدفع عنك عقابه.

وإنما أوثر خطابه صلّى الله عليه وسلّم بذلك ليدخل دخولا أوليا من اتبع أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكا بولايتهم، وطمعا في نصرتهم] لقد تابع الكثير منا ردود الأفعال الدولية حول حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي فلم يبقى منبر اعلامي إلا وتحدث عنه ولم يبقى رئيساً لدولة الا وذكره مطالبين دولة المسخ بإظهار الحقائق كاملة وبلا نقصان
فما هي حالة الرضى التي يتمتع بها جمال خاشقجي والتي نال بها هذا المقام بين صفوف تلك الدول والمنظمات

ربما تتشابك ملفات كثيرة في قضيته بين الدول الوظيفية والدول الموجهة وهذا مما لا شك فيه إلا أن أصل الحكاية نابع من المركز وهو جمال خاشقجي

إذن حتى تنال تلك الحظوة في أجندات تلك الدول وتذكر على منابرها وعلى ألسنة رؤسائها لابد لك أن تكون مثل جمال خاشقجي

ولو رجعنا إلى الوراء قليلاً وفرضنا تواجد جمال خاشقجي في أحد العصور الذهبية في تاريخ الإسلام المشرق حيث لا مجاملات ولا مداهنات ولا أنصاف حلول لأن بعض الناس يحب أن يعيش حالة الحياد والتفرد حتى ولو كان شاذا في تبنياته ومواقفه
ولكنه الهوى وأثره في النفوس ومن اتبع الهوى فقد هوى

لو وجد جمال خاشقجي في زمن شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فكيف سيكون التعامل معه بين طبقات المجتمع المسلم نفسه بين رواده وكتابه وعلمائه
فهل يا ترى سنجد مادحا أو راثيا أو مترحما أو متباكيا

أنا لن أتحدث عن حالات القتل الممنهج لأبناء الإسلام في كل بلادنا ولا عن العلماء المغيبين منذ عشرات السنين والذين مازالوا قابعين في أقبية وزنازين الظلام فهؤلاء لم تتناقلهم وسائل الإعلام ولم تسعهم حرية الرأي والتعبير لكونهم لم يتحصلوا على نيل الرضى الخاشقجي فهؤلاء لم يذكرهم القريب المحب فضلاً عن البعيد المبغض
ولكن هؤلاء لهم ربهم يكفيهم ويؤنس وحشتهم فكيفهم أن الله جل في علاه يذكرهم نحسبهم والله حسيبهم
يكفي أن نعلم أن ميزان القرآن وصراطه المستقيم يتمثل في اشخاص يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه

إذ لابد من نماذج ربانية تمثل لنا صراطه المستقيم

فالذين يتخذون قدوات لهم لابد أن يميزوا أقوالهم ويمحصوا أفعالهم لكي يعلموا هل مازال مبرزوهم
على الصراط المستقيم أم أنهم جانبوا الصواب

ولعل حادثة جمال أظهرت لنا كثيراً من هؤلاء الذين ظنوا أنهم ملكوا ناصية الكلام واحترفوا صياغة البيان مع أنهم حتى هذه اللحظة لم يوفقوا في أي استقراء أو نحت عنوان
اخوة الإيمان أن قاعدة الولاء والبراء من ركائز الإيمان
وطمسها والتلاعب بها يظهرها قضية ثانوية ويجعلها ضعيفة منكسرة محطمة في نفوس أبناء الإسلام

فالترحم على جمال خاشقجي أو السكوت عنه وعن حقيقة امره ليست قضية اختياريه يستطيع المرء اختيار ما يريد اتجاهها لا والف لا بل هي قضية محورية حساسه فهي تمس عقيدة الموالاة والمعاداة فهل دعى جمال إلى تحكيم الشريعة ونبذ ما يخالفها أم هل دعى إبراز عقيد الولاء والبراء……… أخبروني إلى أي شيئاً دعى أخبروني لماذا وقف العالم معه

إن طامسي الحقيقة هم أول المتأثرين بها ولا حصانه

ومن ظن أنه على الصراط المستقيم فليراجع نفسه قبل أن يخسرها
وذلك هو الخسران المبين

ورحم الله ابن عقيل حين قال :
«« إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك ، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة . « الآداب الشرعية» لابن مفلح ( 1 / 238 ) »»
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
——————————————-
بقلم الشيخ المجاهد :
بلال خريسات « أبو خديجة» – حفظه الله ورعاه –
23 صفر 1440 للهجرة || 1 تشرين الثاني 2018