Uncategorizedإصداراتبيت المقدس

“في التاريخ .. فكرة والمنهاج” : سيد قطب

شارك

مقدمة الناشر

قال ابن خلدون رحمه الله في مقدمته الشهيرة: (فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتُشدُّ إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السُوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيه الأقوال، وتضرب فيه الأمثال، وتُطرَفُ بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعدَّ في علومها وخليق).اهـ.

ولأن العناية بدراسة التاريخ واستخلاص العبرة والموعظة والفكرة من خلال التبصر في أحداثه وشخصياته وتأثير حلقاته المتصلة بعضها ببعض، يعد من وسائل الإعداد الفكري الضرورية لكل مسلم لا يرضى لنفسه أن يعيش في عتمة الجهل والتيه، جاءت عناية سيد قطب بهذا الفن تتجلى في الكثير من فصول كتاباته وفي هذا الكتاب الذي بين أيدينا بعنوان “في التاريخ فكرة ومنهاج” وهو ينضم للكتب المتخصصة في منهج التاريخ وتأصيله التي تهتم بدراسة منهج كتابة التاريخ وأصول الأخبار والشبهات المثارة حول التاريخ الإسلامي، تهديكم إياه بيت المقدس بحلة جديدة لتجديد الهمة والعزم وخوض غمار المعرفة والبحث.

قراءة ماتعة وجني للفوائد ثمين، نرجوه لكم مع هذه الصفحات ومع طيف الشهيد – نحسبه – يحلق بأسلوبه البديع وذوقه الرفيع وأدبه الأنيق!

فالحمد لله على فضله ورحمته وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

 

               صحوَة ليسَ بَعدَهَا سُبَات

لو كان مقدراً لهذا العالم الإسلامي أن يموت لمات في خلال القرون الطويلة التي مرت به ، وهو مكبل بالقيود وهو في حالة إعياء عن الحركة ، بعد أن حمل عبء الحضارة الإنسانية طويلاً ، وبعد أن تعب فاسترخى ونام ، والاستعمار الغربي إذ ذاك فتى فتهيأت له الفرصة ، ودانت له معظم أطراف الأرض. وكان ثقله كله علـى صدر العالم الإسلامي النائم !

لو كان مقدراً لهذا العالم الإسلامي أن يموت لمات في خلال فترة الاسترخاء والإعياء. وفي إبان فتوة الاستعمار وقوته …ولكنه لم يمت … بل انتفض حياً كالمارد الجبار ، يحطم أغلاله وينقض أثقاله ، ويتحدى الاستعمار الذي شاخ.

وحيثما مد الإنسان بصره اليوم شعر بهذه الانتفاضة الحية وشعر بالحركة والتوفر للنضال ، حتى الشعوب التي ما تزال في أعقاب دور الاسترخاء ، والتي ما تزال مرهقة بأثقال الاحتلال . حتى هذه الشعوب يدرك المتأمل في أحوالها أن الحياة تدب في أوصالها ويرى خلال الرماد وميض نار ، توشك أن يكون لها ضرام.

ما الذي احتفظ لهذه الشعوب بحيويتها الكامنة بعد قرون طويلة من النوم والاسترخاء ومن الضعف والخمود ، ومن الضغط والقسر ، ومن الاحتلال البغيض الذي بذل جهده لتقطيع أوصالها وإخماد أنفاسها.

إنه عقيدتها القوية العميقة . هذه العقيدة التي لم يستطع الاستعمار قتلها على الرغم من جهود الاستعمار الفكري والروحي والاجتماعي والسياسي … هذه العقيدة التي تدعو معتنقيها إلى الاستعلاء لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين . كما تدعوهم إلى المقاومة والكفاح لتحقيق هذا الاستعلاء ، وعدم الخضوع للقاهرين ، أياً كانت قوتهم المادية ، لأن القوة المادية وحدها لا تخيف المؤمنين بالله ، جبار السموات والأرض ، القاهر فوق عباده أجمعين .

هذه العقيدة الحية هي التي حفظت لهذه الشعوب المترامية الأطراف قوتها الكامنة ، وبعثتها بعثاً جديداً . والذي يراجع جميع النهضات والانبعاثات التي قامت في هذه الرقعة لمقاومة الاستعمار يجدها تستند أصلاً إلى هذه العقيدة.

هذه حقيقة كبيرة تستحق الالتفات لكي ندرك قيمة هذه العقيدة في كفاحنا، ولكي ندرك أن الاستعمار لم يكن عابثاً ، وهو يحاول تحطيم هذه العقيدة وتحطيم دعاتها في كل أنحاء العالم الإسلامي . فالاستعمار كان يدرك خطر هذه العقيدة على وجوده ، وما قدره الاستعمار كان حقاً ، وقد وجده حقاً ، والصيحات تأخذه من كل جانب ، وأصحاب العقيدة في الله القهار الجيار يقودون الصفوف المكافحة ضد الاستعمار .

لقد بذل الاستعمار أقصى ما كان مستطيعاً أن يبذل ، وظن الناس فترة أن الاستعمار قد أفلح ، وأن هذه العقيدة قد نامت إلى غير يقظة . فإذا بها تنتفض في صحوة إلى غير سبات !

وإذا بالعالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه يتجاوب بصيحة واحدة ضد الاستعمار . ويمد يده إلى كل قضايا التحرير ومعاركه في أطراف الأرض . لأن قضية الحرية واحدة لا تتجزأ . والعقيدة الإسلامية تتبنى كل قضايا التحرير في الأرض ، وتشد أزرها في كل مكان .

وإن يوم الخلاص لقريب . وإن الفجر ليبعث خيوطه . وإن النور سيتشقق به الأفق . ولن ينام هذا العالم الإسلامي بعد صحوته ، ولن يموت هذا العالم الإسلامي بعد بعثه . ولو كان مقدراً له الموت لمات . ولن تموت العقيدة الحية التي قادته في كفاحه ، لأنها من روح الله ، والله حي لا يموت .

¤¤¤¤¤¤¤

مًنهًج للأدَبْ

الأدب – كسائر الفنون – تعبير موح عن قيم حية ينفعل بها ضمير الفنان . هذه القيم قد تختلف من نفس إلى نفس ومن بيئة إلى بيئة ، ومن عصر إلى عصر ، ولكنها في كل حال تنبثق من تصور معين للحياة ، والارتباطات فيها بين الإنسان والكون ، وبين بعض الإنسان وبعض.

ومن العبث أن نحاول تجريد الأدب أو الفنون عامة من القيم التي يحاول التعبير عنها مباشرة ، أو التعبير عن وقعها في الحس الإنساني . فإننا لو أفلحنا – وهذا متعذر – في تجريدها من هذه القيم لن نجد بين أيدينا سوى عبارات خاوية ، أو خطوط جوفاء ، أو أصوات غفل ، أو كتل صماء .

كذلك من العبث محاولة فصل تلك القيم عن التصور الكلي للحياة والارتباطات فيها بين الإنسان والكون ، وبين كون الإنسان يشعر بأن له تصوراً خاصاً للحياة أو لا يشعر ، لأن هذا قائم في نفسه على كل حال . وهو الذي يحدد قيم الحياة في نظره ، ويلون تأثراته بهذه القيم .

عمر الخيام مثلاً كان له تصور معين للحياة والارتباطات فيها بين الإنسان والكون . ومن هذا التصور انبعثت كل إيقاعاته ، وتلونت قيم الحياة في نفسه .

لقد تصور الكون كتاباً مغلفاً لا ينفذ العلم البشري إلى سطر واحد من سطوره، وغيباً مجهولاً يقف الإنسان أمام بابه الموصد يدقه بلا جدوى . وفي هذا التيه لا يعلم الإنسان من أين جاء ، ولماذا جاء ؟ ولا يدري أين يذهب ولا يستشار في الذهاب !

من هذا التصور الخاص للعلاقة بين الإنسان والكون استمد الخيام كل تصوراته لقيم الحياة التي تأثر بها فنه. فهذه الحياة المجهولة المصدر والمصير ، في هذا العماء الذي يعيش فيه الإنسان لا تستحق أن يحفلها ويعني نفسه بها . وإذن فلا ضرورة للوعي الذي لا يؤدي إلى شيء .

ولو اختلف تصور الخيّام للحياة والارتباطات فيها بين الإنسان والكون ، لاختلفت قيمها في حسه ، واختلف اتجاهه الفني بكل توكيد ، لو تصور مثلاً أنه قطرة في نهر الحياة ، ولكنها قطرة تحس بأهداف النهر ، من المضي والتدفق والإرواء والإحياء ، لكان للحياة في نظره قيم أخرى . ولو تصور أنه نفخة من روح الله تلبست بجسد ، ليكون خليفة الله في هذه الأرض ، ينشئ فيها ويبدع لكان للحياة في نظره قيم أخرى .. كذلك لو تصور أنه فرد في طبقة ، وأن هناك صراعاً بين طبقته والطبقات الأخرى على  نحو ما يتصور بعض الناس لاختلف الأمر .. وهكذا ..

كل تصور خاص للحياة . وللإرتباطات فيها بين الإنسان والكون ، من شأنه أن ينشئ قيماً تتأثر بها الآداب والفنون ، سواء شعر أصحابها أنهم متأثرون بهذه القيم أم لم يشعروا .. ولكن التصورات تختلف وفقاً لعوامل ودوافع غير متفق عليها حتى الآن .

والإسلام تصور معين للحياة ، تنبثق منه قيم خاصة لها ، فمن الطبيعي إذاً أن يكون التعبير عن هذه القيم ، أو عن وقعها في نفس الفنان ، ذا لون خاص.

وأهم خاصية للإسلام أنه عقيدة ضخمة جادة فاعلة خالقة منشئة ، تملأ فراغ النفس والحياة ، وتستنفد الطاقة البشرية في الشعور والعمل ، وفي الوجدان والحركة ، فلا تبقي فيها فراغاً للقلق والحيرة ، ولا للتأمل الضائع الذي لا ينشئ سوى الصور والتأملات .

وأبرز ما فيه هو الواقعية العملية حتى في مجال التأملات والأشواق . فكل تأمل هو إدراك أو محاولة لإدراك طبيعة العلاقات الكونية أو الإنسانية ، وتوكيد للصلة بين الخالق والمخلوق ، أو بين مفردات هذا الوجود ، وكل شوق هو دفعة لإنشاء هدف ، أو لتحقيق هدف ، مهما علا واستطال .

وقد جاء الإسلام لتطوير الحياة وترقيتها ـ لا للرضى بواقعها في زمان ما أو في مكان ما . ولا لمجرد تسجيل ما فيها من دوافع وكوابح ومن نزعات وقيود . سواء في فترة خاصة ، أو في المدى الطويل .

التجديد مهمة الإسلام .

مهمة الإسلام دائماً أن يدفع بالحياة إلى التجدد والتطور والرقي ، وأن يدفع بالطاقات البشرية إلى الإنشاء والانطلاق والارتفاع .

ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي للحياة ، قد لا يحفل كثيراً بتصوير الضعف البشري ولا يتوسع في عرضها ، وبطبيعة الحال لا يحاول أن يبرزها ، فضلاً على أن يزينها بحجة أن هذا الضعف واقع ، فلا ضرورة لإنكاره أو إخفائه .

إن الإسلام لا ينكر أن في البشرية ضعفاً . ولكنه يدرك كذلك أن في البشرية قوة ويدرك أن مهمته هي تغليب القوة على الضعف ، ومحاولة رفع البشرية وتطويرها وترقيتها . لا تبرير ضعفها أو تزيينه .

 والأدب أو الفن المنبثق عن التصور الإسلامي للحياة قد يلم أحياناً بلحظات الضعف البشري ، ولكنه لا يلبث عندها إلا ريثما يحاول رفع البشرية من وهدة هذه اللحظات ، وإطلاقها من عقال الضرورة وضغطها .

وهو لا يصنع هذا متأثراً بالمعنى الضيق لمفهوم ” الأخلاق ” ، إنما يصنعه متأثراً بطبيعة التصور الإسلامي للحياة ، وبطبيعة الإسلام ذاته في تطوير الحياة وترقيتها ، وعدم الاكتفاء بواقعها في لحظة أو فترة .

والنظرية الإسلامية لا تؤمن بسلبية الإنسان في هذه الأرض ، ولا بضآلة الدور الذي يؤديه في تطوير الحياة ، ومن ثم فالأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي لا يهتف للكائن البشري بضعفه ونقصه وهبوطه ، ولا يملأ فراغ مشاعره وحياته بأطياف اللذائذ الحسية ، أو بالتشهي الذي لا يخلق إلا القلق والحيرة والحسد والسلبية . إنما يهتف لهذا الكائن بأشواق الاستعلاء والطلاقة ، ويملأ فراغ حياته ومشاعره بالأهداف البشرية التي تطور الحياة وترقيها ، سواء في ضمير الفرد أو في واقع الجماعة .

وليست الخطب الوعظية هي سبيل الأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي ، فهذه وسيلة بدائية وليست عملا فنياً بطبيعة الحال .

كذلك ليست وظيفة هذا الأدب أو الفن هي تزوير الشخصية الإنسانية أو الواقع الحيوي ، وإبراز الحياة البشرية في صورة مثالية لا وجود لها .

إنما هو الصدق في تصوير المقدرات الكامنة أو الظاهرة في الإنسان . والصدق كذلك في تصوير أهداف الحياة اللائقة بعالم من البشر ، لا بقطيع من الذئاب ! الأدب أو الفن المنبثق من التصور الإسلامي أدب أو فن موجه . بحكم أن الإسلام حركة تطوير مستمرة للحياة ، فهو لا يرضى بالواقع في لحظة أو جيل ، ولا يبرره أو يزينه لمجرد أنه واقع . فمهمته الرئيسية هي تغيير هذا الواقع  وتحسينه . والإيحاء الدائم بالحركة الخالقة المنشئة لصورة متجددة من الحياة .

وقد يلتقي في هذا مع الأدب أو الفن الموجه بالتفسير المادي للتاريخ . يلتقي معه لحظة واحدة . ثم يفترقان .

فالصراع الطبقي هو محور الحركة التطويرية في ذلك الفن ، أما الإسلام فلا يعطي الصراع الطبقي كل هذه الأهمية . لأن نظرته إلى الأهداف البشرية أوسع وأرقى ، إنه لا يرضى بالظلم الاجتماعي ولا يقره ولا يهتف للناس بالرضى به أو التذاذه ، وهو يعمل – فيما يعمل – لمكافحته وتبديله . ولكنه لا يقيم حركته التطويرية على الحقد الطبقي بل على الرغبة في تكريم الإنسان ورفعه عن درك الخضوع للحاجة والضرورة ، وإطلاق إنسانيته المبدعة من الانحصار في الطعام والشراب وجوعات الجسد على كل حال .

فالمحور الذي تدور عليه حركة التطوير في الفكرة الإسلامية هو تطوير البشرية كلها ودفعها إلى الانطلاق والارتفاع ، وإلى الخلق والإبداع . وفي الطريق يلم بآلام الطبقات وقيودها ليحطم هذه القيود ، ويزيل تلك الآلام .

إنه لا يحقر آلام البشر . ولكنه لا يستخدم الحقد الطبقي لإزالتها . لاعتباره أن الحقد ذاته قيد يحول دون انطلاق البشرية إلى آفاق أعلى !

أما كيف يعالج هذه الآلام علاجاً واقعياً عملياً ، لا وعظياً ولا خيالياً ، فمجاله ليس في صفحة الأدب .

المهم أن نقرر هنا أن الأدب أو الفن الإسلامي أدب أو فن موجه . موجه بطبيعة التصور الإسلامي للحياة وارتباطات الكائن البشري فيها . وموجه بطبيعة الفكرة الإسلامية ذاتها وهي طبيعة حركية دافعة للإنشاء والإبداع ، وللترقي والارتفاع .

وأخيراً فإن الإسلام لا يحارب الفنون ذاتها ، ولكنه يعارض بعض التصورات والقيم التي تعبر عنها هذه الفنون ، ويقيم مكانها – في عالم النفس – تصورات وقيماً أخرى ، قادرة على الإيحاء بتصورات جمالية إبداعية ، وعلى إبداع صور فنية أكثر جمالاً وطلاقة . تنبثق انبثاقاً ذاتياً من طبيعة التصور الإسلامي ، وتتكيف بخصائصه المميزة .

وللأدب والفن الإسلامي إذن منهج . منهج محدد ، يلتزمه في كل مجالاته .

وهذه الكلمة هي الخط الأول في تصوير هذا المنهج . وبها نفتح المجال لدراسته تقريراً وشرحاً ، ومعارضة ونقداً لجميع الأقلام ، ولجميع الاتجاهات .

¤¤¤¤¤¤¤

الإسلاَم حركة إبدَاعِيَّة شامِلَة

في الفَنّ والحَيَاة

يصعب أن نفهم أي جانب منفرد من جوانب الإسلام المتعددة ، ما لم نفهم طبيعة الإسلام ، كوحدة متكاملة ..

ليس الإسلام شعائر تؤدى فحسب ، وليس الإسلام دعوة أخلاقية فحسب ، كذلك ليس الإسلام مجرد نظام للحكم ، أو نظام للاقتصاد ، أو نظام للعلاقات الدولية .. إن هذه كلها جوانب منفردة من جوانب الإسلام المتعددة ولكنها ليست هي كل الإسلام .

إن الإسلام حركة إبداعية خالقة ، تستهدف إنشاء حياة إنسانية غير معهودة قبل الإسلام ، وغير معهودة في سائر النظم الأخرى التي سبقت الإسلام أو لحقته .. تلك الحركة الإبداعية الخالقة تنشأ عن تصور معين للحياة بكل قيمها وكل ارتباطاتها ، تصور جاء به الإسلام ابتداء وهي حركة تبدأ في أعماق الضمير ثم تحقق نفسها في عالم الواقع ، ولا يتم تمامها إلا حين تتحقق في عالم الواقع .

وهذا هو أحد الفوارق الرئيسية بين طبيعة ” المثالية ” كما عرفت في الغرب ، وطبيعة الإسلام .. إن المثالية أحلام تظل أحلاماً لأنها تتطلع إلى عالم غير منظور ، وغير مطلوب تحقيقه ، إذ هو بطبيعته غير قابل للتحقيق في عالم الأرض ، أما الإسلام فهو حركة إبداعية لتحقيق تصور معين للحياة قابل للتحقيق ، وفي طبيعة النفس البشرية استعداد لتحقيقه ، حين تستجيب لدعوته وحين تتأثر به تأثراً إيجابياً لا يكتفي بالمشاعر أو الشعائر .

وحين تستقر العقيدة الإسلامية في الضمير البشري استقراراً حقيقياً ، فإنه يستحيل عليها أن تبقى ساكنة ، يستحيل أن تظل مجرد شعور وجداني في أعماق الضمير . إنها لا بد أن تندفع لتحقيق ذاتها في عالم الواقع ، ولتتمثل حركة إيجابية إبداعية في عالم المنظور ، حركة تبدع الحياة كلها ، وما ينشأ عنها من ألوان وأطياف وتعمير .

ورجال الصدر الأول – رضوان الله عليهم – عندما تلقوا القرآن تلقياً حقيقياً شعروا أن كيانهم النفسي كله يتزلزل ليعاد تركيبه من جديد ، وفق ذلك التصور الجديد الذي جاءهم به الإسلام ، وأن الكيان القديم الذي بني في الجاهلية ، وفق تصورات معينة للحياة ، ووفق واقع معين للحياة ، لا يمكن أن يبقى ولا أن يثبت ولا أن يرقع ترقيعاً بالتصور الإسلامي الجديد ، بل لا بد من زلزلة وتصدع كاملين في الكيان القديم ، ليعاد إنشاؤه وفق هندسة جديدة ووفق تصميم جديد .

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

ولقد تصدع ما هو أقوى من الجبل ، تصدع كيان النفس البشرية التي مسها هذا القرآن مساً حقيقياً ، ليعاد تركيبها على نسق غير مسبوق .

محال إذن حين تتم العقيدة الإسلامية في قلب أن تظل قابعة سلبية في هذا القلب ، أو أن تتحول إلى عبادات وشعائر ثم تنتهي هناك ، إنها لا بد أن تنطلق محاولة إبداع الحياة كلها وفق التصور الإسلامي للحياة وفي الطريق تأخذ العبادات والشعائر لأنها القاعدة التي تقوم عليها الصلة بين القلب البشري وخالقه ، هذه الصلة التي يستمد منها العون والتصميم والاندفاع ، كما تأخذ الفنون والآداب والتصورات وكل ما يصدر عن النفس البشرية مـن تعبير .

وقد يكون طريق الإبداع للحياة الجديدة هو تطويرها ولكنه لن يكون ترقيعها، وفرق بين أن يكون لديك تصميم معين للبناء تنفذه شيئاً فشيئاً ، وأن ترقع بناء قائماً على تصميم آخر ، إن هذا الترقيع لن يحقق لك في النهاية بناء جديداً ! .

إن الإسلام يرسم صورة معينة للحياة البشرية ، صورة متكاملة ، يحدد فيها النموذج البشري الذي يريد تكوينه ، والعلاقت الاقتصادية والاجتماعية التي تربط هذا المجتمع ، ونظام الحكم والعلاقات الدولية التي تنظم الحياة العامة .

هذه الصورة المعينة التي يرسمها الإسلام للحياة لا يمكن تحقيقها بمجرد قراءة القرآن تجويداً وترتيلاً ، ولا بمجرد تسبيح الله بكرة وأصيلا ، إنما هي تتحقق بترجمة المدلولات القرآنية إلى واقع عملي في حياة البشر ، وبترجمة التسبيح إلى حركة وجدانية تتحول إلى حركة منظورة في عالم الواقع ، وبترجمة المشاعر إلى صور تعبيرية ليس الهدف فيها هو مجرد التعبير ، ولكن ما وراءه من حركة وتطوير …

وهذا المعنى كان مستقراً استقراراً تلقائياً في نفوس رجال الصدر الأول – رضوان الله عليهم – ومن ثم أمكنهم أن يغيروا واقع الحياة في فترة تشبه الأحلام .

روي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن .

والرجل يقول : ” حتى يعرف معانيهن ” والمعرفة شيء غير مجرد الفهم .. المعرفة إدراك كامل ، وانفعال بهـذا الإدراك يتم فـي أعماق النفس وأغوار الضمير .. ثم ” العمل بهن ” .

بهذا الإدراك الكامل لوظيفة القرآن أمكن إنشاء حياة جديدة كاملة لم يعرفها العرب قبل الإسلام ، وبمثل هذا الإدراك الكامل يمكن أن يحقق الإسلام ذاته في عالم النفس وفي عالم الواقع في كل زمان ومكان .

وحين يتم التكيف الشعوري في النفس البشرية بالتصور الإسلامي الإبداعي للحياة ، فإن أثر هذا التكيف يبدو في كل ما يصدر عن هذه النفس ، لا على وجه الإلزام والإرغام ، ولكن على وجه التعبير الذاتي عن حقيقة هذه النفس ، يستوي في هذا التعبير أن يكون صلاة في المحارب أو سلوكاً مع الناس ، أو عملاً فنياً وجهته تصور الجمال وتصور الحياة بما فيها من القبح والجمال .

وحينما أقول أن الأدب الإسلامي أدب موجه ، وأن له منهجاً يلتزمه ، فلا أعني بذلك التوجيه الإجباري على نحو ما يفرضه أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ ، إنما أعني أن تكيف النفس البشرية بالتصور الإسلامي للحياة هو وحده سيلهمها صوراً من الفنون غير التي يلهمها إياها التصور المادي أو أي تصور آخر ، لأن التعبير الفني لا يخرج عن كونه تعبيراً عن النفس ، كتعبيرها بالصلاة أو السلوك في واقع الحياة ، وليس الأدب الإسلامي هو وحده الذي يتحدث عن الإسلام أو عن حقبة من تاريخه أو عن شخص من أشخاصه ، إنما هو التعبير الناشئ عن امتلاء النفس بالمشاعر الإسلامية وكفى .

ولا يمكن تقسيم الإسلام إلى أجزاء ، وفصل جزء منه عن الآخر ، لا في طبيعة الإسلام ولا في آثاره في النفس البشرية أو في واقع الحياة .

فليس الإسلام تفسير آية أو حديث في جانب ، ثم دعوة إلى الجهاد في جانب ، ثم عرض طرف من السيرة في جانب ، ثم أدب أو فن مستقل في جانب ، ثم نظام حكم محلي ودولي في جانب .

كلا .. إن الإسلام تصور كامل للحياة ، ومنهاج كامل للحياة ، ثم هو حركة إبداعية لا تقف عند الواقع بما فيه من خطأ وصواب ، ومن قوة وضعف ، ومن نقص وكمال ، كما أنها لا تقف عند تصور تجريدي مثالي تعيش عليه في عالم الوهم والخيال .

إن الإسلام يرسم صورة للحياة في النفس ، ويكيف النفس بهذه الصورة ، فتندفع في حركة واعية مبدعة إلى تحقيقها في عالم الواقع بتطوير الحياة كلها في هذا الاتجاه ، والأدب والفن يشتركان في عملية التطهير والتغيير ، شأنهما شأن كل حركة أخرى في موكب العقيدة الإسلامية الشامل والصلاة والجهاد في سبيل الله ، ليسا حركتين منفصلتين إنما هما حركة استمداد للطاقة وحركة تصريف لهذه الطاقة ، فهما متصلتان كل الاتصال .

هذا التصور الكامل لطبيعة الإسلام هو الذي نحب أن يستقر في أخلاد المسلمين ، وفي المقدمة دعاة الإسلام في هذا العصر ، لأنه التصور الذي استقر في أخلاد الصدر الأول فأبدع الحياة الإسلامية الجديدة ، فكانت بدعاً في عالم الحياة كلها وما تزال .

¤¤¤¤¤¤¤

الرسَالة الإسْلامية والضمَان الاجتماعي

كانت الرسالة الإسلامية حدثاً هاماً في تاريخ البشرية . بل كانت مفرق الطرق في خط سير التاريخ الإنساني.

لقد طلع الإسلام على البشرية بفكرة جديدة عن الحياة كلها. فكرة لم تتطور عن الأفكار التي كانت سائدة قبلها ، إنما هي جديدة على البشرية تماماً ، نابعة من معين غير بشري أصلاً .. ذلك أنها كانت من وحي الله ، لتكون أمة جديدة غير مسبوقة النسق ، يقول عنها الله سبحانه في كتابه الكريم :

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ

هذه الفكرة الجديدة عن الحياة كلها ، كانت لها آثارها في كل تصورات البشر في الحياة ، وفي كل ارتباطاتهم وعلاقاتهم .. ومنها مسألة التكافل الاجتماعي ، التي تشتمل فيما تشتمل على قاعدة الضمان الاجتماعي .

إن الضمان الاجتماعي إجراء مالي ، تقوم به الدولة لإعانة من يعجزون عن العمل والكسب ، لسبب من الأسباب ، دائم أو مؤقت ، كلي أو جزئي .

أما التكافل الاجتماعي – والضمان الاجتماعي – جزء منه صغير ، وجانب منه ضيق ، والمساعدات المالية التي تؤديها الدولة للعاجزين عن العمل والكسب ، ليست سوى جانب من المساعدات المالية التي يقررها النظام الإسلامي ، لكل فرد في الجماعة الإسلامية .

إن لكل فرد في النظام الإسلامي حقاً مفروضاً ، وهو أن يحصل على الكفاية من مقومات الحياة – المادية والمعنوية على السواء .

لكل فرد حق الطعام والشراب واللباس والمركب والسكنى ، وحق الزواج أيضاً ، بوصفها ضروريات تتعلق بحفظ الحياة وتلبية الحاجات الأولية ، ويقاس عليها العلاج والدواء ، ولكل فرد حق التعلم – لأن العلم فريضة – وحق العمل ما دام قادراً عليه ، وحق إعداده للعمل وتمكينه منه .

وعن طريق العمل والإعداد له والتمكين منه يتم أولاً سد الحاجات الضرورية . فمن لم يجد عملاً وهو راغب فيه ، أو عجز عن العمل كلياً أو جزئياً ، دائماً أو وقيها ، فهنا يجيء دور الضمانات الاجتماعية في الإسلام لسد حاجاته حتى يصبح هو بنفسه قادراً على سد هذه الحاجات . ومن ثم فالتكافل الاجتماعي في الإسلام ليس مجرد نظام للبر والإحسان إنما هو نظام للإعداد والانتاج والضمان .

ولكن هذا كله كما قلت ، ليس إلا جانباً واحداً من جوانب التكافل الاجتماعي كما يعنيه الإسلام .

إن التكافل الاجتماعي في الإسلام واجب عام ، على كل فرد في الجماعة الإسلامية منه نصيب ، ونصيب الدولة منه وعلى كل مجموعة محلية من الأمة ، ثم على الأمة كلها في النهاية لا يتميز فيها حاكم عن محكوم . والقاعدة العامة في هذه التبعات المشتركة هي قول الرسول الكريم ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، والإمام راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته ) .

وهكذا تتداخل التبعات وتتوالى ، وتشمل كل فرد حاكماً أو محكوماً ، والضمان الاجتماعي بمدلوله المحدود يدخل في مشتملات هذا التكامل العام . ثم يمضي التكافل الإسلامي في مجالاته الأخرى ، حتى يشمل جوانب الحياة جميعها .

وحين يولد المولود في الدولة الإسلامية تترتب له مع حق الحياة ، سائر الحقوق التي تحفظ له الحياة ، والتي تجعل الحياة كريمة لائقة ببني الإنسان ، والتي ترقي هذه الحياة وترفعها لتقبل عند الله . وعليه في مقابل هذه الحقوق التي يكفلها له النظام الإسلامي بمجرد ولادته واجبات لربه وواجبات لإنسانيته وواجبات للجماعة التي يعيش فيها . هذه الواجبات متوازنة مع تلك الحقوق ، ( ولا تظلم نفس شيئاً ) ولا تكلف نفس إلا وسعها ، والجانب الاقتصادي في هذه الواجبات وفي تلك الحقوق هو أحد الجوانب لا كلها . لأن الحياة في نظر الإسلام أوسع آماداً وأبعد آفاقاً من مجرد الجانب الاقتصادي – وإن كان الإسلام لا يغفل من حسابه أهمية العوامل الاقتصادية ، بل يمنحها العناية التي تستحقها في واقع حياة الإنسان . ولقد قلنا إن المساعدات المادية المفروضة للعاجزين عن الكسب ، لسبب من الأسباب ، ليست سوى جانب من المساعدات الكلية التي يقررها النظام الإسلامي لكل فرد في الجماعة الإسلامية .

ونضرب لذلك مثالاً ( حق التعلم وحق التربية والتهذيب ) – والإسلام يجعل العلم فريضة على كل فرد ومن ثم يجب على الجماعة أن تحقق له هذه الفريضة حين يعجز عنها – والأطفال لا يملكون تحقيق هذه الفريضة بأنفسهم لأنفسهم ومن ثم يصبح تحقيقها من واجب الجماعة الأقرب فالأقرب من أهل الطفل ، فإذا عجزوا وقع عبئُها على الدولة باعتبارها الجهة المنوط بها تشريعياً إقامة الفرائض والتربية – ويدخل فيها إعداد الفرد للحياة والعمل والإنتاج حق لكل فرد ، والجماعة بأجهزتها المختلفة ، جهاز الإسرة وجهاز الجماعات المحلية ، وجهاز الدولة في النهاية ، الجماعة بأجهزتها كلها مكلفة بتحقيق هذا الواجب .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – وهو فرض كفاية على الجماعة الإسلامية لا بد أن تقوم به طائفة منها – هو نوع من التربية العامة في البيئة الإسلامية ، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم – تتوارد تترى في التوجيه إلى القيام بواجب التربية والتأديب ” لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع ” … ” ما نحل والد ولده من نحلة أفضل من أدب حسن ” .. ” من عال ثلاث بنات أو ثلاث أخوات ، أو أختين أو بنتين فأدَّبهن وأحسن إليهن وزوجهن فله الجنة “.

فأما حق العمل وتمكين القادرين عليه فتشهد له الحادثة التالية من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم :

روى البخاري وغيره أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله مساعدة فلم يعطه مالاً، ولكنه دعا بقدوم ودعا بيد من خشب سواها بنفسه ، ووضعه فيها ، ثم دفع بها إلى الرجل وأمره أن يذهب إلى مكان عيَّنه له وكلفه أن يعمل هناك لكسب قوته وكلفه أن يعود إليه بعد أيام ليخبره عن حاله .

وعمل الرسول – صلى الله عليه وسلم – تشريع ، وهو يضع على كاهل الدولة تمكين القادرين على العمل منه ، مع ملاحظتهم لمعرفة أحوالهم في العمل .

وكذلك ثبت حق العلاج والدواء من تصرف الرسول مع القوم الذين ساءت صحتهم في المدينة المنورة ، فأرسل بهم صلى الله عليه وسلم – إلى مكان صحي بظاهرها بجانب إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها حتى صحت أجسامهم … وهكذا نجد الإسلام سابقاً بقرون وقرون عقلية الضمان الاجتماعي الذي ظهر في القرن الأخير . كما نجد تقديره للحياة أوسع وأرحب وتقريره للحقوق والواجبات أشمل وأدق .

ولو نرجع إلى الهدى لنتبعن هذا الدين في سننه القويم ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .. ﴾.

¤¤¤¤¤¤¤

في التاريخ .. فكرة ومنهَاج

التاريخ ليس هو الحوادث ، إنما هو تفسير هذه الحوادث ، واهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها ، وتجعل منها وحدة واحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات ، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان .

ولكي يفهم الإنسان الحادثة ويفسرها ، ويربطها بما قبلها وما تلاها ، ينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقومات النفس البشرية جميعها : روحية وفكرية وحيوية ومقومات الحياة البشرية جميعها : معنوية ومادية . وأن يفتح روحه وفكره وحسه للحادثة ويستجيب لوقوعها في مداركه ولا يرفض شيئاً من استجاباته لها إلا بعد تحرج وتمحيص ونقد .

فأما إذا كان يتلقاها بادئ ذي بدء وهو معطل الروح أو الفكر أو الحس عن عمد أو غير عمد – فإن هذا التعطيل المتعمد أو غير المتعمد ، يحرمه استجابة معينة للحادثة التاريخية أي أنه يحرمه عنصراً من عناصر إدراكها وفهمها على الوجه الكامل . ومن ثم يجعل تفسيره لها مخطئاً أو ناقصاً .

هذه الاستجابة الناقصة هي أول ظاهرة تتسم بها البحوث العربية عن الموضوعات الإسلامية ، ذلك أن هناك عنصراً ينقض الطبيعة الغربية – بصفة عامة – لإدراك الحياة الشرقية بصفة عامة والحياة الإسلامية على وجه الخصوص .. عنصر الروحية الغيبية – وبخاصة في العصور الحديثة بعد غلبة النظريات المادية ، والطريقة التجريبية على وجه أخص – وكلما كانت هذه الموضوعات الإسلامية ذات صلة وثيقة بالفترة الأولى من حياة الإسلام كان نقص الاستجابة إليها أكبر في العقلية الغربية الحديثة .

وقد ذكرت عنصر الروحية الغيبية على وجه التخصيص لأنه أظهر ما يبدو فيه هذا النقص في الطبيعة الغربية ، وفيه تكمن معظم أوجه الاختلاف بين الطبيعتين وهي شتى وكثيرة .

هذه المقدمة الصغيرة لا بد منها لبيان ما في تناول المؤرخين الغربيين للتاريخ الإسلامي من نقص طبيعي في الإدراك ، ونقص طبيعي في الفهم ، ونقص طبيعي في التفسير والتصوير . فانعدام عنصر من عناصر الاستجابة للحادثة أو ضعفه ، لا بد أن يقابله نقص في القدرة على النظر إلى الحادثة من شتى جوانبها . وضياع عنصر من عناصر التقويم والحكم ، لا يؤمن معه سلامة هذا الحكم ، أو على الأقل لا يسلم على علاته .

هذا النقص يعد عيباً في منهج العمل التاريخي ذاته ، وليس مجرد خطأ جزئي في تفسير حادثة أو تصوير حالة ، ومن ثم فالمنهج الأوربي في البحث بسبب تعطيل أحد عناصر الاستجابة سواء كان ذلك ناشئاً عن الطبيعة الغربية ذاتها وملابسات حياتها البيئية والتاريخية ، أو ناشئاً عن تعمد المؤرخ الأوربي تعطيل هذا العنصر ، استجابة لمنهج معين في الدراسة . هذا المنهج غير صالح لتناول الحياة الإسلامية بل لتناول الحياة الشرقية على وجه العموم . ولكن عدم الصلاحية يتجلى في جانب الدراسات الإسلامية أوضح وأقوى .

وثمة سبب للشك في قيمة الدراسات التاريخية الغربية للحياة الإسلامية .

ذلك أنه لا يخفى أن كل مرئي يختلف شكله باختلاف زاوية الرؤية . وكذلك الشأن في الأحداث والوقائع . والأوربي بطبيعته ميال إلى اعتبار أوروبا هي محور العالم ، فهي نقطة الرصد في نظره ، ومن هذه الزاوية ينظر إلى الحياة والناس والأحداث . ومن هنا تتخذ في نظره أشكالاً معينة ليس من يملك الجزم بأنها أصَحُّ الأشكال ، وهو يدركها في هذه الأوضاع ويفسرها ويحكم عليها كما يراها .

وإذا كان بديهياً أن أوربا لم تكن هي محور العالم في كل عصور التاريخ ، وكان الأوربي لا يملك اليوم أن يتخلص من وهم وضعها الحاضر حين ينظر إلى الماضي .. أدركنا مدى انحراف الزاوية التي ينظر بها الأوروبي للحياة الإسلامية التاريخية ، ومدى أخطاء الرؤية التي يضطر إليها اضطراراً ، ومدى أخطاء التفسير والحكم الناشئة من هذه الرؤية المعينة .

ذلك كله على افتراض النزاهة العلمية المطلقة ، وانتفاء الأسباب التي تؤثر على هذه النزاهة ، فإذا نحن وضعنا في الحساب ما لا بد من وضعه ، وما لا يمكن جدياً إغفاله من أسباب ملحة قاهرة عميقة طويلة الأجل ، متجددة البواعث تؤثر في نظرة الأوربي للإسلام ، وللحياة الإسلامية ، وللعالم الإسلامي . من اختلاف في العقيدة ، إلى كراهية لهذا الدين وأهله ، إلى ذكريات تاريخية مريرة في الأندلس وفي بيت المقدس وفي الأستانة ، وفي سواها ، إلى صراع سياسي واقتصادي واستعماري، إلى نزوات شخصية والتواءات فكرية .. إلى آخر تلك البواعث القديمة المتجددة أبداً.

إذا نحن وضعنا في الحساب ذلك كله – ولا بد أن نضعه لنضع الأمور في نصابها – وأضفنا إليه خطأ الرؤية .. أمكن أن نقدر قيمة الدراسات الأوربية في الحقل الإسلامي – وبخاصة في التاريخ – قدرها الصحيح ، وأن تتحرز التحرز العلمي الواجب لا من قبول هذه الدراسات على علاتها ، بل من قبول المنهج الذي قامت عليه ، أو محاولة اتباعه في دراساتنا الإسلامية على وجه خاص .

إن التاريخ الإسلامي يجب أن تعاد كتابته على أسس جديدة وبمنهج آخر .

إن هذا التاريخ موجود اليوم في صورتين : صورته في المصادر العربية القديمة ، وهذه من التجوز الشديد أن تسمى تاريخاً . بل هي لا يمكن أن تحمل هذه الاسم. فهي نثار من الحوادث والوقائع والحكايات والأحاديث والنتف والملح والخرافات والأساطير والروايات المتضاربة والأقوال المتعارضة على كل حال .. وإن كانت بعد ذلك كله غنية كمصدر تاريخي بالمواد الخامة التي تسعف من يريد الدراسة ويوهب الصبر ويحاول الغربلة .. بالمواد الأولية اللازمة له في بناء هيكل التاريخ .

وصورته في المصادر الأوروبية – وبخاصة في أعمال المستشرقين – وهي الصورة التي تحدثنا من قبل عنها ، وألقينا عليها في إجمال بعض الأضواء . وهي تعتمد في جملتها على المصادر العربية القديمة . وهي على ترتيبها وتنسيقها تتسم بتلك السمات التي لا تطمئن الباحث الواعي إليها . وهي في أحسن صورها دراسة من الظاهر للحياة الإسلامية – إذا صح هذا التعبير – وخير ما فيها هو الجهد في جمع النصوص وتحريرها وتنسيقها والموازنة بين الرويات المختلفة من ناحية السند الخارجي، لا من ناحية الإدراك الداخلي . لأن هذه الإدراك هو الذي يحتاج إلى تلك الحاسة الناقصة في شعور الغربيين تجاه الحياة الإسلامية كما أسلفنا ، فضلاً عن الغرض في كثير من الأحيان والهوى ، مما يخل بنزاهة الموازنة ، فضلاً عن فقد عنصر التجاوب الكامل مع المؤثرات جميعاً .

هناك أجزاء لم تتم من صورة ثالثة للتاريخ الإسلامي – لم نشأ أن نعتبرها في الفقرتين السابقتين ، لأنها – فضلاً على كونها أجزاء معدودة – لا تزيد على أن تكون ظلالاً باهتة أو كاملة للدراسات الأوروبية ، حتى وهي تناقش أحياناً أو تعارض هذه الدراسات . فهي أولاً : تتبع المنهج الغربي في صميمه دون زيادة ، وهي ثانياً : تستمد عناصرها من الدراسات الغربية في الغالب ، وهي ثالثاً : متأثرة بالإيحاءات الغربية من ناحية زاوية الرؤية . فهي لا تقف في المركز الإسلامي لتطل منه على تلك الحياة ، لأنها ليست من القوة والأصالة بحيث تجد نفسها في خضم الثقافات الغربية ، لتفهم الإسلام بعقلية أصيلة وعلى ضوء كذلك أصيل . والعقلية التي تحكم على الحياة الإسلامية ينبغي أن تكون في صميمها إسلامية مشربة بالروح الإسلامي ، لكي تدرك العناصر الأساسية في هذه الحياة ، وتحسبها ، وتتجاوب معها ، فتستكمل كل عناصر التفسير والتقدير .

يجب إذن أن تعاد كتابة التاريخ الإسلامي على أسس جديدة وبمنهج آخر . يجب أن ينظر إلى الحياة الإسلامية من زاوية جديدة ، وتحت أضواء جديدة . لكي تعطي كل أسرارها وإشعاعاتها ، وتنكشف بكل عناصرها ومقوماتها ..

في هذه الدراسة الجديدة يجب أن تكون المصادر العربية هي المرجع الأول ، والدراسات الغربية هي المرجع الثاني . على أن ينتفع من هذا المرجع الأخير ، بتحرير النصوص وتنسيقها ، وببعض الموازنات بين شتى الروايات من جهة السند ، ولا شيء بعد ذلك أبداً . فبقية العمل يجب أن تكون ذاتية بحتة ، غير متأثرة إلا بمنطق الحوادث ذاتها بعد أن يعيش الباحث بعقله وروحه وحسه في جو الإسلام كعقيدة وفكرة ونظام . وفي جو الحياة الإسلامية كقطعة من حياة البشرية الواقعية . وهذه الحياة في هذا الجو ضرورية جداً لتفتح نوافذ إدراكه جميعاً ، لا لفهم تلك الحياة فحسب ، بل لإدراكها ككائن حي ، وإدراك مواقع الحوادث والوقائع في جسم هذا الكائن الحي .

وإنه ليعز على الباحث في أية فترة من الحياة الإنسانية أن يدركها إدراكاً حقيقياً داخلياً ، إلا أن يتجاوب معها بكل ذاتيته ، وأن يعيش في جوها بكامل مؤثراتها وإيحاءاتها ، فليست هذه خصيصة قاصرة على الحياة الإسلامية . وإن كانت أكثر وضوحاً بالقياس إلى الحياة الإسلامية ، لأن مقومات هذه الحياة تختلف في كثير من أنواعها وماهياتها عن مقومات الفترة الحاضرة وبخاصة في العالم الأوربي .

وإنه ليصعب أن نتصور إمكان دراسة الحياة الإسلامية كاملة دون إدراك كامل لروح العقيدة الإسلامية ولطبيعة فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان ، ولطبيعة استجابة المسلم لتلك العقيدة وطريقته في الاستجابة للحياة كلها في ظل تلك العقيدة . وهذه الخصائص كلها لا يمكن أن تطلب عند باحث غير عربي بوجه عام ، ولا عند غير مسلم على وجه التخصيص ، وهي الخصائص التي لا بد من توافرها عند إعادة كتابة التاريخ الإسلامي .

إنه لا بد من إدراك البواعث الحقيقية لتصرفات الناس في خلال هذه الحياة التاريخية الإسلامية وعلاقة هذه البواعث بالحوادث والتطورات والانقلابات . ولا بد من ربط هذا كله بطبيعة الفكرة الإسلامية وما فيها من روح انقلابية ثورية – لا في شكلها الخارجي وخطواتها العملية فحسب – ولكن في تفسيرها للعلاقات الكونية والعلاقات الإنسانية والعلاقات الاجتماعية . وفي تصويرها لنظام الحكم وسياسة المال وطرق التشريع ووسائل التنفيذ الخ . وهي كلها من مقومات الحياة وبالتالي من مقومات التاريخ لهذه الحياة .

إن المعارك الحربية والمعاهدات السياسية والاحتكاكات الدولية .. وما إليها ، مما يعنى به التاريخ غالباً أكثر من سواه .. إنها كلها محكومة بعوامل أخرى هي التي يجب أن تبرز عند كتابة التاريخ .. هذه العوامل هي التي يختلف الباحثون في إدراكها وتقديرها ؛ كل يخضع للفلسفة التي تسيطر على تفكيره وتقديره ، أي لطريقة إدراكه للحياة في عمومها ، وللباحث المسلم مزية هنا في دراسة الحياة الإسلامية ، لأن طريقة إدراكه للحياة تمت بصلة إلى حقيقة هذه العوامل المؤثرة في سير التاريخ . ومن ثم فهو أقدر على التلبس بها واستبطانها ، والاستجابة لها استجابة كاملة صحيحة .

وعلى ضوء إدراكه لطبيعة العقيدة الإسلامية وطريقة استجابة المسلمين لها ، يستطيع أن يزن دوافع الحياة الإسلامية في تلك الفترة التاريخية والقيم الإنسانية الكامنة فيها وأسباب النصر والهزيمة في كل خطوة . وأن يتصور الحياة الظاهرة والباطنة لتلك الجماعات الإنسانية في مهد الإسلام الأول وفي البلاد التي انساح فيها ، فيضم إلى الجوانب الظاهرة التي لا يدرك الغربيون سواها في الغالب ، كل الجوانب الروحية الخفيفة التي يعدها الإسلام واقعاً من الواقع ، ويحسب لها حسابها في سير الزمان وتشكل الحياة في كل زمان ومكان .

ولما كانت الحياة الإسلامية فترة من الحياة البشرية ، والمسلمون جماعة من بني الإنسان في حيز من الزمان والمكان والإسلام رسالة كونية بشرية غير محدودة بالزمان والمكان .

فإن التاريخ الإسلامي لا يمكن فصله من التاريخ الإنساني . وقد تأثرت تلك الفترة – من غير شك – بتجارب البشرية كلها من قبل ، وبخاصة تلك العوامل التي كانت واقعة عند مولد الإسلام ، ثم أثرت بدورها في تجارب البشرية من بعد وبخاصة تلك الجهات التي امتدت إليها أو جاورتها .

فلا بد إذن عند كتابة التاريخ الإسلامي من الإلمام بالصورة التي انتهت إليها تجارب الإنسانية قبيل مولد الإسلام والحالة التي صارت إليها المجتمعات البشرية في الأرض وبخاصة من ناحية العقائد الدينية وسائر ما يتعلق بها من أفكار وفلسفات ونظريات . ومن ناحية الأوضاع الاجتماعية وما يتعلق بها من نظم الحكم وسياسة المال وعلاقات المجتمع والأخلاق والعادات والأفكار . كي تتبين على ضوئها حقيقة دور الإسلام وطبيعته . ويمكن تفسير استجابة العالم لهذا النظام الجديد قبولاً أو رفضاً وتصور أسباب الصراع وعوامل النصر والهزيمة كاملة ، وعناصر التفاعل والتدافع والتلاقي والانعكاس على مر الأيام .

وإذا كان الإلمام بوضع العالم إذ ذاك ضرورياً فإن الإلمام بوضع الجزيرة العربية وتصور الحياة فيها من كافة نواحيها أكثر ضرورة بوصفها مهد الإسلام الأول من جهة ، ومركز التجمع والانسياح من جهة أخرى .

فهل كانت مصادفة عابرة أن يظهر هذا الرسول بهذا الدين في هذا الموضع من الأرض في هذا الزمان ؟ إن هنالك نظاماً مقدوراً أو قصداً مقصوداً وتدبيراً معيناً وترتيباً موضوعياً لتلتقي هذه الظواهر كلها حيث التقت كي تؤدي دوراً معيناً ليس أقل نتائجه تخطيط خريطة العالم في عالم الظاهر وفي عالم الشعور على هذا الوضع الذي صارت إليه الأمور منذ ذلك التاريخ البعيد ! ..

ولعل هذا الخاطر أن يسوق إلى دراسة ” محمد الرسول ” في هذا السياق الكوني للتاريخ . ولعل في شخصه وفي نسبه وفي بيئة حياته وفي تقاليد بيئته .. وفي سائر ما يحيط بالفرد الإنساني من مقومات . عوامل مقصودة وموافقات مدبرة وإنها لم تكن مصادفة عابرة أن يشار إليه من بين الجموع البشرية الحاشدة وأن يقال له : أنت . فانتدب لهذا الحدث الكوني الذي لم يسبق ولم يلحق بنظير .

ولعله كذلك أن يسوق إلى دراسة طبيعة هذا الحدث والفكرة الكلية التي يتضمنها قبل البدء في دراسة الأحداث والانقلابات العالمية التي تمت على أساسها .

وبذلك تتهيأ للقارئ لمثل هذا التاريخ صورة مستكملة الجوانب لكل الأوضاع والأحوال التي نشأت عنها الاستجابات التي وقعت بالفعل في تاريخ الإسلام في الفترة التي تلت ظهوره كما يتهيأ له تفسير هذه الاستجابات تفسيراً صحيحاً مستكملاً لكل عناصر الحكم والتقدير .

وبذلك يستحيل التاريخ عملية استبطان وتجاوب في ضمائر الأشياء والأشخاص والأزمان والأحداث . ويتصل بناموس الكون ومدارج البشرية ويصبح كائناً حياً ومادة حياة .

ومتى استقام البحث على ذلك المنهج الذي أسلفنا في ” مقدمات التاريخ الإسلامي ” وبرزت تلك المقومات الأساسية لطبيعة الدعوة وطبيعة الرسول وطبيعة البيئة التي استقبلت الدعوة واستقبلت الرسول ، وطبيعة المجتمع الإنساني الذي كان يعاصر مولد الإسلام وطبيعة العقائد والأفكار التي كانت تسوده يوم ذاك .

متى برزت تلك المقومات الأساسية سهل تتبع نشاطها وتفاعلها وصيرورتها ، وأمكن تصوير وتصور خطوات الدعوة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، هذه الخطوات التي تسير متأثرة في هذا الجيل أن نعرف كيف اختار الرسول رجاله ، ومن أية طينة كان هؤلاء الرجال ؟ وكيف صاغ الرسول رجاله وكيف أعدهم للمهمة العظمى ؟ وكيف بنى الرسول نظامه وعلى أي الأسس قام هذا النظام الجديد ؟ وماذا كان في طبيعتها وفي ظروفها وفي رجالها وبيوتها وعشائرها وفي علاقاتها الاجتماعية وملابساتها الاقتصادية والجغرافية والحيوية .. من استعداد لتلبية هذا الحدث أو معارضته ؟ . إلى آخر هذه المباحث التي تصور المرحلة الأولى من مراحل حياة الإسلام أو من تاريخ الإسلام والتي تصح تسميتها باسم ” الإسلام على عهد الرسول ” .

ثم تجيء المرحلة الثانية مرحلة ” المد الإسلامي ” وذلك عندما انساح الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها . عندما فاض ذلك الفيض الانفجاري العجيب الذي لم يعرف له العالم نظيراً في سرعته وفي قوته . لا من ناحية الفتح العسكري وحده ولكن من ناحية التأثير الروحي والفكري والاجتماعي أيضاً : أي من الناحية الإنسانية الشاملة التي شهدت تحولاً كاملاً في خط سير التاريخ على مولد هذا الدين الجديد وانتشاره ذلك الانتشار العجيب ! .

وهنا تبدو قيمة المنهج الذي أشرنا إليه . ويمكن تتبع أعمال الهدم والبناء التي قام بها الإسلام في تلك الرقعة الفسيحة التي امتد إليها ، وتفاعله مع الأفكار والعقائد التي كانت سائرة فيها ، ومع النظم الاجتماعية التي كانت تظللها ومع الظروف الاقتصادية والمخلفات التاريخية والملابسات الإنسانية ، في أخصب بقاع الأرض وأكثرها حضارة في ذلك الزمان .

والمد الإسلامي لم يقف عند الحدود التي وصلت إليها فتوحاته العسكرية ، فلقد امتدت الموجة الفكرية والحضارة التي كونها إلى ما وراء حدود العالم الإسلامي قطعاً . ولا بد من دراسة آثار هذا المد فيما وراء هذه الحدود . دراستها طرداً وعكساً في حياة العالم الإسلامي ذاته ، وفي حياة العالم الإسلامي كله . فقد أخذ هذا العالم من الإسلام وأعطى وقد تأثر به وأثر فيه . ودراسة هذه التفاعلات في ضوء المنهج الذي صورنا خصائصه كفيلة بأن تنشئ صورة للعالم الإنساني وخطواته الحية مختلفة قليلاً أو كثيراً عن الصورة التي اعتاد الغربيون أن يرسموها والتي اعتدنا نحن أن نراها ! .

ثم يجيء دور ” انحسار المد الإسلامي ” ، وعلى ضوء هذا المنهج وضوء دراسة المراحل التاريخية السالفة يمكن أن نتبين أسباب هذا الانحسار وعوامله الداخلية والخارجية جميعاً . كم من هذه العوامل من طبيعة العقيدة الإسلامية والنظام الإسلامي ؟ ثم هل كان هذا الانحسار شاملاً أم جزئياً ؟ وسطحياً أم عميقاً ؟ وما أثر هذا الانحسار في خط سير التاريخ ، وفي تكييفه أحوال البشر وفي قواعد التفكير والسلوك وفي العلاقات الدولية والإنسانية ؟ وما وزن الأفكار والنظم والعقائد التي استحدثتها الإنسانية بالقياس إلى نظائرها في الإسلام ؟ وماذا كسبت البشرية وماذا خسرت من وراء انحسار المد الإسلامي وظهور هذا المد الأوربي الذي ما تزال تظلنا بقاياه .

ومن ثم يصبح الحديث ” عن العالم الإسلامي اليوم ” طبيعياً وفي أوانه ، وقائماً على أسسه الواضحة الصريحة وليس حديثاً تمليه العاطفة أو التعصب من هذا الجانب أو ذاك ويصبح التاريخ الإنساني في – ضوء منهجنا الخاص – مسلسل الحلقات متشابك الأواصر ، ويتحدد دور الإسلام في هذا التاريخ في الماضي وفي الحاضر وتتبين خطوطه في المستقبل على ضوء الماضي والحاضر .

ولكن . لماذا تجب إعادة كتابة التاريخ الإسلامي على أساس هذا المنهج وهذا النسق وهذا الاتجاه ؟

سؤال في وقته المناسب وجوابه ضروري وأسبابه معقولة .

إن هنالك أكثر من داع لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي على هذا النهج الجديد لمصلحة الحقيقة ولمصلحة الأمة الإسلامية ولمصلحة العالم الإنساني .

لقد تبين من مقدمات هذا الحديث أن التاريخ الإسلامي الذي بين أيدي الناس في مشارق الأرض ومغاربها أما أنه مبعثر في المراجع العربية القديمة – وهذه يصعب الانتفاع بها للقارئ المعاصر بصفة عامة ويتعذر بالقياس إلى غير العارفين باللغة العربية – وأما أنه في صورة دراسات منظمة ولكنها معروضة من زاوية النظر الغربية التي كشفنا عما فيها من نقص وقصور – على فرض النزاهة العلمية المطلقة وهو ما لا يمكن ضمانه فـي حالات كثيرة .

ومن ثم فالحقيقة وحدها تحتم علينا أن نعيد كتابة التاريخ الإسلامي من زاوية أخرى . فإن لم تكفل هذه الزاوية رؤية أكمل وأدق وأعمق ، فهي على الأقل تكفل توسيع مدى الرؤية وجوانبها عند موازنتها أو ضمها إلى الزاوية الغربية التي يعتمد الناس عليها ونعتمد نحن أيضاً عليها فيما نكتبه في العصر الحديث !

هذه واحدة .. والثانية أننا نحن – الأمة الإسلامية – إنما ننظر الآن إلى أنفسنا وإلى سوانا بعدسة صنعتها أيد أجنبية عنا ، أجنبية عن عقيدتنا وتاريخنا ، أجنبية عن مشاعرنا وإدراكنا ، أجنبية عن فهمنا للأمور وإحساسنا بالحياة وتقديرنا للأشياء ..

ثم هي بعد ذلك كله – مغرضة – في الغالب – تبغي لنا الشر لا الخير . لأن مطامحها ومطامعها ومصالحها الخاصة وأهدافها القومية .. كلها تدفع بها دفعاً لأن تبغي لنا الشر ، لأن خيرنا لا يتفق مع أطماعها ، ولأن مصالحنا تعطل مصالحها .

وحتى على فرض تجرد هذه الأيدي التي تكتب لنا تاريخنا من الغرض والهوى ، فإن أخطاء المنهج الذي تتبعه كفيلة بأن تشوه الحقائق التاريخية في غير صالحنا .. وصالحنا في أن نرى حقيقة دورنا في تاريخ البشرية وأن نعرف مكاننا في خط سير التاريخ وأن نتبين قيمتنا في العالم الإنساني وليست فائدة هذا فائدة نظرية فكرية مجردة بل إنها أكبر من ذلك وأشمل ، فعلى ضوئها يمكن أن نحدد موقفنا الحاضر ودورنا المقبل وأن نسير في أداء هذا الدور على هدى ومعرفة بالظروف والعوامل العالمية المحيطة بنا وبمقدار الطاقة التي نواجه بها هذه الظروف والعوامل .

ونحن ندرس في مدارسنا ومعاهدنا على وجه الخصوص تاريخاً إسلامياً مشوهاً وتاريخاً أوربياً مضخماً لا عن مجرد خطأ غير مقصود ولكن عن نية مبيتة من الاستعمار الغربي الذي يهمه أن لا نجد في تاريخنا ما نعتز به وأن نرى أوروبا على العكس هي صاحبة الدور الأول في التاريخ الإنساني فإذا يئسنا من ماضينا واستعرضنا دورنا في حياة البشرية وامتلأت نفوسنا مع ذلك إعجاباً بالدور الذي قامت به أوروبا وإكباراً للرجل الأبيض .. سهل قيادنا على الاستعمار وتطامنت كبرياؤنا القومية ، وذلت رقابنا للمستعمرين .. وتحت تأثير هذه العوامل كتب التاريخ الذي ندرسه في مدارسنا ومعاهدنا بوجه خاص .

وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي على النهج والنسق الذي وصفناه هو وحده الكفيل بأن يكشف هذه الأباطيل وأن يثبت حقيقة الدور الذي أداه الإسلام والدور الذي أدته الحضارة الأوروبية بعدما يصور طبيعة هذا الدين وطبيعة النظام الذي ينبثق منه ومدى ما منح البشرية من الخير والتقدم ، وضخامة الدور الذي أداه لبني الإنسان .

والثالثة أنه ليس من مصلحة هذه الإنسانية أن ترى الحياة كلها من زاوية واحدة لا تكشف عن كل جوانبها وأن تسودها فكرة خاطئة عن ماضيها وحاضرها وأن تجهل الدوافع الكاملة لسيرها وتحركها والقيم الأساسية لحياتها وحضارتها .. وأن هذا الجهل لينشئ أخطاء عميقة الأثر لا في التصور والتفكير فحسب ، ولكن في علاقات الأمم بعضها ببعض وفي علاقات الكتل الدولية بعضها ببعض ، كما ينشئ أخطاء بعيدة المدى في تكييف سياسة كل أمة وتوجيهها ..

هذه الأخطاء ينشأ معظمها من سوء دراسة التاريخ البشري وسوء تقدير الدور الذي قام به الإسلام والذي يمثله العالم الإسلامي ، هذا العالم الذي يمثل وحدة إنسانية تابعة لها كل خصائصها المستقلة ، ويمثل قوة إنسانية ثابتة لا يؤثر ضعفها العسكري الطارئ إلا تأثيراً عارضاً في وزنها الحقيقي .

ولهذا التصحيح قيمة في حساب المصلحة الإنسانية العامة وكم لأخطاء التاريخ من أثر في إقامة الحواجز بين بعض الأمم وبعض العناصر وبعض الكتل ، وكم لها من أثر في سوء تقدير الجماعات للجماعات ، والأجناس للأجناس والأفراد للأفراد فضلاً عن سوء التقدير للأفراد والمبادئ والحضارات .. وكل هذا يؤذي البشرية في حاضرها ويؤذيها في مستقبلها . ومن واجب القادرين إزالته وإزالة آثاره بالتصحيح الواجب والتعريف المستنير .

وبعد فإنه ينبغي أن يقال : إن دراسة من هذا الطراز وعلى هذا النسق لن يكون من برنامجها تناول الحوادث التاريخية بالتسلسل الحرفي والتفصيل الوافي ، فوظيفتها الأساسية أشبه شيء بوظيفة الخط البياني يشير ولا يحصي ويرشد ولا يستقصي . وبعبارة أخرى إن وظيفة دراسة من هذا النوع هي محاولة إيجاد عقلية تاريخية معينة وصورة تاريخية خاصة تفيد الذين يتناولون الحوادث التاريخية بالتفصيل والشخصيات التاريخية بالتحليل .

وما من شك أن استقرار هذا النهج في حقل الدراسات التاريخية سيعين على وضوح خصائص الشخصية الإسلامية والدور الإسلامي في حياة البشرية ، الأمر الذي من شأنه أن تحلل الشخصيات الإسلامية بل الشخصيات الإنسانية في سياق صحيح .

إن قيمة هذا النوع من الدراسة أن يقيم النهج ، ويشرع السنن ، ويرسم الطريق، فإذا نجح في أداء مهمته كان ذلك توفيقاً أي توفيق ([1])

طَريق وحيْد

يوماً بعد يوم يتبين أن هنالك طريقاً معيناً للشعوب الإسلامية كلها في هذه الأرض ، يمكن أن يؤدي بها إلى العزة القومية ، وإلى العدالة الاجتماعية ، إلى التخلص من عقابيل الاستعمار والطغيان والفساد .. طريقاً وحيداً لا ثاني له ، ولا شك فيه ولا مناص منه .. طريق الإسلام ، وطريق التكتل على أساسه .

 إن أحداث العالم وملابسات الظروف وموقف الشعوب الإسلامية .. كلها تشير إلى هذه الطريق الوحيد الذي لا تمليه عاطفة دينية ولا تحتمه نزعة وجدانية .. إنما تمليه الحقائق والوقائع ويمليه الموقف الدولي ، ويمليه حب البقاء ، وتلتقي عليه العاطفة والمصلحة ويتصل فيه الماضي بالحاضر وتشير إليه خطوات الزمن ومقتضيات الحياة .

لقد أكلنا الاستعمار الغربي فرادى ، ومزقنا قطعاً ومزقاً يسهل ازدرادها وأرث بيننا الأحقاد والمناقشات لحسابه لا لحسابنا ، وجعل في كل بلد إسلامي طابوراً خامساً ، ممن ترتبط مصالحهم بمصالحه ، وممن يرون أنفسهم أقرب إلى هذا الاستعمار منهم إلى شعوبهم وأوطانهم وأقام أوضاعاً معينة ، في كل بلد إسلامي تسمح له بالتدخل وتملي له في البقاء ، وتضمن له أنصاراً وأذناباً في كل مكان .

فإلى أين نتجه لنكافح الاستعمار وأذنابه وأوضاعه . إن أناساً من المخدوعين والمغرضين يدعوننا أن نتجه إلى الكتلة الشرقية ، الكتلة الشرقية التي تمحو الإسلام والمسلمين محواً منظماً ثابتاً في أرضها منذ أن استقرت فيها الشيوعية والتي تتخذ مع المسلمين في أرضها من وسائل الإفناء المنظم ما لم يعرفه التتار ولا الصليبيون في أشد عصورهم قسوة وفظاعة .

لقد كان عدد السكان المسلمين في الأرض الروسية اثنين وأربعين مليوناً من المسلمين عند ابتداء الحركة الشيوعية فتناقص عددهم تحت مطارق الإفناء المنظم ، والقتل والتجويع والنفي إلى سيبيريا حتى وصلوا في خلال ثلاثين عاماً فقط إلى ستة وعشرين مليوناً ..

ستة عشر مليوناً من المسلمين في الأرض الروسية وحدها قد أُبيدوا .. أما في الصين الشيوعية فالمأساة تتكرر في تركستان الشرقية ، بنفس الوسائل ونفس البشاعة .. وفي يوغسلافيا تتم حركة التطهير من العنصر الإسلامي .. وفي البانيا كذلك .. كل أرض مستها الشيوعية قد نزلت فيها النقمة على رؤوس المسلمين بشكل وحشي يروي الفارون منه أخباره وتفصيلاته ، كما تروى أساطير الهمجية الأولى .

ولقد ذاق المسلمون من قبل على يد القيصرية الروسية ما ذاقوا باسم العصبية الدينية ، فأما اليوم فهم يذوقون الويل نفسه ، بل أشد وأشنع ولكن باسم العصبية الشيوعية .. وهي في حقيقتها روح واحدة ، الروح الصليبية التي لا تنساها أوروبا أبداً ، مهما تبدلت فيها النظم .. الروح الصليبية التي نطق باسمها الماريشال – اللَّنبي – وهو يدخل بيت المقدس في الحرب العظمى الماضية فيقول : ( الآن انتهت الحروب الصليبية ) والتي ينطق باسمها الجنرال كاترو في دمشق سنة 1941 فيقول (نحن أحفاد الصليببيين ، فمن لم يعجبه حكمنا فليرحل ) وينطق باسمها زميل له في الجزائر سنة 1945 بنفس الألفاظ والمعاني .. إنها هي هي في أوروبا كما هي في أمريكا ، وكما هي في البلاد الشيوعية ، كلها تنضح من إناء واحد : إناء الحقد على الإسلام والتعصب الصليبي الذميم . يضاف إليه تعصب الشيوعية ضد الأديان جميعاً . وضد الإسلام على وجه الخصوص .

ويتشدق أقوام هنا بالحرية الدينية في الكتلة الغربية . كما يموه أقوام بالحرية الدينية في الكتلة الشرقية .. وكلهم خادع أو مخدوع ، والحوادث والوقائع تنطق بأن المسلمين غير مرحومين عند الغرب أو عند الشرق .. فكلاهما عدو غير راحم . إن الغرب الذي يمتص دماء المسلمين بالاستعمار القذر اللئيم . وإن الشرق لهو الذي يبيدهم إبادة منظمة تتولاها الدولة تحت شتى العناوين .

ويعرض علينا المخدوعون والخادعون أحياناً نصوص الدستور السوفييتي ، ومادة فيه تنص على حرية الاعتقاد .. نعم لك حرية الاعتقاد في الاتحاد السوفييتي، على ألا تسلم لك بطاقة للتموين – وليس هنالك وسيلة غير هذه البطاقة لتحصل على الطعام والشراب والكساء – ولك أن تعبد الله إذن كما تحب وليس لك أن تأكل من مخازن الدولة وأنت وما تشاء : الموت جوعاً مع الله .. أو الحياة الحيوانية مع ستالين .

إنه ليس الطريق أن ننضم إلى كتلة الغرب أو كتلة الشرق ، كلتاهما لنا عدو ، وكلتاهما كارثة على البشرية ، وعلى الروح الإنسانية .. لقد تكون الشيوعية في أرضها نعمة على أهلها ، ولقد تكون الديمقراطية في أرضها نعمة على أهلها .. ولكن هذه وتلك بلاء ونقمة – على الشعوب الإسلامية ، الاستعمار بلاء واقع يجب كفاحه . والشيوعية بلاء واقع كذلك على ملايين المسلمين الواقعين في براثنه . والوطن الإسلامي كله وحدة ، ومن اعتدى على مسلم واحد ، فقد اعتدى على المسلمين أجمعين .

إنه ليس الطريق أن نلقي بأنفسنا إلى التهلكة هنا أو هناك ، فلقد حارب الاستعمار الغربي كل مقوم حقيقي من مقومات الإسلام ، وإن تظاهر بالإبقاء على المظاهر المموهة التي لا تقاومه ولا تكافحه .. وحينما اجتمع مؤتمر جميع المبشرين في جبل الزيتون بفلسطين عام 1909 وقف مقرر المؤتمر ليقول : إن جهود التبشير الغربية في خلال مائة عام قد فشلت فشلاً ذريعاً في العالم الإسلامي لأنه لم ينتقل من الإسلام إلى المسيحية إلا واحداً من اثنين إما قاصر خضع بوسائل الإغراء أو بالإكراه وإما معدم تقطعت به أسباب الرزق فجاءنا مكره ليعيش .. وهنا وقف القس زويمر – المعروف للمصريين – ليقول : كلا . إن هذا الكلام يدل على أن المبشرين لا يعرفون حقيقة مهمتهم في العالم الإسلامي . إنه ليس من مهمتنا أن نخرج المسلمين من الإسلام إلى المسيحية كلا ! إنما كل مهمتنا أن نخرجهم من الإسلام فحسب ، وأن نجعلهم ذلولين لتعاليمنا ونفوذنا وأفكارنا . ولقد نجحنا في هذا نجاحاً كاملاً ، فكل من تخرج من هذه المدارس : لا مدارس الإرساليات فحسب ولكن المدارس الحكومية والأهلية التي تتبع المناهج التي وضعناها بأيدينا وأيدي من ربيناهم من رجال التعليم . كل من تخرج من هذه المدارس خرج من الإسلام بالفعل وإن لم يخرج بالاسم . وأصبح عوناً لنا في سياستنا دون أن يشعر ، أو أصبح مأموناً علينا ولا خطر علينا منه .. لقد نجحنا نجاحاً منقطع النظير ..

هذا موقف الكتلة الغربية . فأما الكتلة الشرقية ، فقد اختارت الإفناء المنظم . والإبادة الوحشية بمعرفة الدولة ، وما تزال ماضية في طريقها لمحو الإسلام والمسلمين.

إن طريقنا واضح ، طريقنا الوحيد أن نمضي في تكتل إسلامي ، هو وحده الذي يضمن لنا البقاء ويضمن لنا الكرامة ، ويضمن لنا الخلاص من الاستعمار وأذنابه وأوضاعه ، كما يضمن لنا أن نقف سداً في وجه التيار الشيوعي المهلك المبيد.

والتكتل الإسلامي لا يعني التعصب في أي معنى من معانيه .. إن الإسلام هو الضمانة الوحيدة في هذا العالم اليوم لوقف حركة التعصب ضد المخالفين له في العقيدة فهو وحده الذي يعترف بحرية العقيدة ويرعاها ، في عالم الواقع لا في عالم النصوص . وهو وحده الذي يمكنه أن يضمن السلام للبشرية كلها في ظلاله ، سواء من يعتنقونه ومن لا يعتنقونه .. إنه لا يستعمر استعمار الغرب الآثم الفاجر ، ولا يبيد مخالفيه إبادة الشيوعية الكافرة الجاحدة .. إنه النظام العالمي الوحيد .. الذي تستطيع جميع الأجناس ، وجميع العقائد أن تعيش في ظله في أمن وسلام .

وطريقنا إذن أن نرفض كل ارتباط إلى عجلة الاستعمار – تحت أي اسم وأي عنوان – وأن نرفض في الوقت ذاته كل دعاية تدفعنا إلى فكي ذلك الغول الشرقي، الذي يبيد العنصر الإسلامي في أرضه بقسوة وشناعة ، لا يقرها الهمج في أحلك عصور التاريخ .

إنه طريق وحيد ، طريق الكرامة ، وطريق المصلحة .. وطريق الدنيا ، وطريق الآخرة .. إنه الطريق إلى الله في السماء وإلى الخير في الأرض .. وإلى النصر والعزة والاستعلاء .. إنه هو الطريق .


([1])  تألفت جماعة مسلمة لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي وفق هذا المنهج وقد قسمت الجماعة حقول البحث إلى المراحل التالية : ” مقدمات التاريخ الإسلامي ” ” الإسلام على عهد الرسول ” ” المد الإسلامي ” ” الانحسار الإسلامي ” ” العالم الإسلامي اليوم ” والجماعة مؤلفة من الأساتذة : الشيخ صادق عرجون والدكتور محمد يوسف مرسي والدكتور عبد الحميد يونس والدكتور محمد النجار وسيد قطب ، وعلى الله التوفيق .