إصداراتعدنان حديدمؤسسة بيان

مقال بعنوان : “وحرض المؤمنين” .. المكتسبات المتحصلة والتوابع الواجبة للشيخ : عدنان حديد – حفظه الله –

شارك

مقال بعنوان :
“وحرض المؤمنين” .. المكتسبات المتحصلة والتوابع الواجبة

للشيخ : عدنان حديد – حفظه الله –

الحمد لله معز الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره ومصرف الأمور بأمره، والصلاة والسلام على من أشع نور رسالته من قلة وضعف ليعم العالم بأسره وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد…

فبعد تبريدٍ طويل متعمد من جانب الكيانات المنخرطة في الصراع على أرض الشام المباركة -سواءً كانت دولاً أو جماعات تابعة لها- لوتيرة المواجهة بهدف الوصول إلى حلٍ نهائي يجهض جهاداً مباركاً رواه خيار هذه الأمة بمدادٍ من دمٍ ومالٍ وفكر، تشكلت في الشمال السوري غرفة عمليات مشتركة تجمع صف من بقي على العهد ورفض الدنية في دينه لتشكل بداية تكوين بنيان مرصوص عصي على الكسر والاحتواء بإذن الله.

فبين فنون حرب العصابات المختلفة من قصف وإغارة وغير ذلك تنوعت العمليات المباركة لتلك الثلة الصادقة معلنةً أن الجهاد في تلك الأرض الطاهرة ماضٍ وإن تساقط من تساقط على الطريق، وأن خيار المواجهة هو السبيل الوحيد لبلوغ المراد وإن بعُد وطال الأمد وتتابعت التضحيات في صراعٍ يمثل البؤرة المركزية لمواجهةٍ ممتدة على طول خريطة العالم بين الإسلام والكفر نصيب منهم ويصيبون منا إلى أن يقضي الله أمراً  كان مفعولاً.

ولذلك أحببت أن أمر مروراً سريعاً في شكل نقاط على أثر تلك الموجة من العمليات الجهادية على واقع الجهاد الشامي بمختلف أطرافه، ثم أعرج على ما يجب تفعيله بعد نجاحها وتحقيق المراد منها..

أولاً: أثر الموجة الجهادية على أطراف الصراع الشامي

أ-فصائل الصدق والثبات

    1-لا شك أن تجميع قوة الثابتين والصادقين على أرض الشام المباركة تحت راية واحدة وقرار سياسي وعسكري واحد صار أولوية ملحة وجودية يتوقف عليها ربما مصير أجيال قادمة بأكملها، فحجم المكر من جانب الأعداء بهذا الجهاد على مدار ما يقارب الثمان سنوات قد بلغ مبلغه ووصل به إلى مرحلةٍ لا يُحسد عليها تحتاج إلى إعادة التقييم ورسم الخطط والاستراتيجيات و « تكثيف القوى المتاحة »  داخل بوتقةٍ واحدة تكون مؤهلة لخوض غمار مرحلةٍ ستكون الأقسى في مراحل هذا الجهاد السابقة واللاحقة بإذن الله؛

غير أن هذه الوحدة يساعد على الوصول إليها ابتداءً اندماج العمل العسكري بين مختلف  أطرافها من الفصائل الصادقة، وزيادة التناغم والتداخل العملياتي بين جنودها على الأرض حيث تختلط الدماء بالدماء في سبيل هدفٍ واحد مما يدفع بعملية التوحد الكامل إلى مراحل متقدمة؛ وذلك ما تحقق من خلال العمل المشترك الناجح لتلك الفصائل على مدار ما يقارب الشهر ونصف ضمن غرفة عمليات «وحرض المؤمنين» ؛ حيث صارت بشائر العمليات تُزف لعموم الأمة دون تفرقة بين جماعةٍ وأخرى، وقوافل الشهداء تمضي دون تفرقة بين انتماء وآخر…

لتكون تلك العمليات بمثابة المحفز والقوة الدافعة نحو التوحد الكامل المأمول بإذن الله.

  2-الحفاظ على وحدة وتماسك الصف الداخلي للجماعات المجاهدة من خلال إدامة العمل الجهادي واستمراره ورفع حالة التأهب لأقصى درجاتها في مختلف مفاصل الجماعة؛ يمنع من وقوع الانشقاقات لأسباب شخصية أو دنيوية، ويدفع بالاهتمامات إلى معالي الأمور، ويقمع أي تمرد فردي على قرارات القيادة…

    3-تحقيق النجاحات على الأرض في مواجهة العدو النصيري الرافضي الصليبي بعمليات تخنرق عمقه وتستهدف مراكز عملياته وقيادته يمثل عامل جذب شديد الأهمية للعناصر والكوادر والكفاءات من داخل الشام وخارجها لدعم هذه الجبهة حديثة النشأة وتثبيت أقدامها على الأرض؛ فالبشر بطبيعتهم ينجذبون إلى الجانب الأقوى وقليلاً ما هم الرواحل الذين تُبنى المشاريع والجبهات على أكتافهم..

ب-هيئة تحرير الشام

1-بالنسبة للعناصر الصادقة في الهيئة والتي مازالت تنخدع بألاعيب الجولاني ورفيقه عطون وتدليساتهم وقلبهم للحقائق، فإن هذه الموجة الجهادية المباركة تمثل إنذاراً ومنبهاً ظاهراً يدفع كل مخلصٍ عاقل إلى التساؤل..

كيف لهذه الجماعات وقد قل عددها وضعفت عدتها أن تصيب من النصيرية هذه الإصابة، ونحن نتعلل بالضعف وعدم القدرة على المواجهة وقد تكدس سلاحنا وكثر عددنا؟؟!

تساؤل إجابته واضحة كالشمس في كبد السماء..

فمن واجه النصيرية والرافضة بما يملك ساعياً لإفشال كافة المخططات الكفرية على ثرى الشام المبارك لم يلتفت لعدة وعتاد بل أعد ما يستطيع ثم توكل على من أمره بالجهاد والطعان، أما من وقع في حبائل الدول الداعمة وخضع لمخططاتها وظن البقاء تحت رعايتها وخداع الأعداء بذلك فقد هوى في هوة سحيقةٍ من الركون والقعود- اللهم إلا من بعض العمليات بدافع الضرورة- ونفذ مخططات أعدائه في استئصال شأفة جهاد أمة بكاملها درى بذلك أو لم يدرِ، والمصيبة في كليهما أعظم…

2- أما بالنسبة لقيادة الهيئة فإن تلك العمليات والضربات المباركة قد أزعجتهم لسببين رئيسيين:

1-تعكير صفو الاتفاق مع مرتدي الترك على تبريد الجبهات تبعاً لاتفاقية سوتشي أملاً في سيطرةٍ مستقبليةٍ على إدلب برعاية تركية، حيث صار شغل الجولاني الشاغل الظفر بالتوكيل التركي الحصري في إدلب ومحيطها؛ وهذا ما يفسر المناوشات المتتابعة مع تنظيم حراس الدين لما يعلم من موقفه بشأن هذه التنازلات والصفقات المشبوهة وما يقدم عليه من أعمال تسعى لإفشالها.

2-خلخلة الصف الداخلي للهيئة بسبب تذمر الصادقين من العناصر من وقف العمل الجهادي والاتجاه إلى القعود والركن وتنفيذ الحلول الدولية التي لطالما وصف الجولاني من شارك بتنفيذها بأشنع الأوصاف يوم كان أميراً لجبهة النصرة، بينما يرون الصادقين الذي يسمعون الانتقاص منهم ليل نهار من شرعييهم وقيادتهم يغيرون على عدوهم بما يسر الله لهم من مالٍ وسلاح..

ج-الجبهة الوطنية للتحرير

لم يتحركوا لقتال المجاهدين لأن الأوامر لم تأت من تركيا بعد، فقط لا غير…

د-المليشيات الرافضية والنظام النصيري

أما النظام النصيري فخضوعه الكامل للروس ثم الإيرانيين بدرجة أقل من ناحية القرارات السياسية والاستراتيجية يقلل من أهمية رد فعل مكوناته على هذه الموجة وأثرها في صنع القرار السياسي، بينما التأثير الأهم يكمن في الانقسام المتوقع حدوثه داخل القيادة العسكرية الرافضية بين جناحين أحدهما يمثل الصقور والذي سيحاول فرض وجهة نظره بتغيير واقع الاتفاقيات الدولية على الأرض من خلال صنع مقاربة يتم من خلالها حسم مسألة الشمال السوري عسكرياً بما يؤول به إلى سيطرة النظام تحت ذريعة عدم قدرة الأتراك على كبح جماح المجاهدين أو وقف عملياتهم، بينما جناح الحمائم سيدعم قرارات القيادة السياسية بالالتزام بما تم الاتفاق عليه دولياً بين الروس والأمريكان بالدرجة الأولى وطهران وأنقرة بالدرجة الثانية لتجنب أي اشتعال ضخم غير محسوب العواقب للمواجهة على الأرض قد يعرض مجهودات سنين طوال من المكر والكيد وشراء الولاءات للتبخر والتلاشي..

وصحيح أن استحالة فرض جناح الصقور لرؤيته هو الأمر الواقع، إلا أن هذا الانقسام الذي تحدثه تلك الموجة الجهادية له أثر مفيد في خلخلة مركز قرار العدو الرافضي وهو العدو الفاعل على الأرض بمليشياته المقدرة بعشرات الألوف..

هـ-قوى النظام العالمي والأتراك

تعتبر تلك القوى أن الجماعات المجاهدة هي العقبة الأخيرة في طريق تثبيت الحل النهائي المتفق عليه على الأرض، وبالتالي سيزداد الضغط على الأتراك للتخلص منهم سلماً أو حرباً كتطبيق لآخر فصول المؤامرة؛ بينما الأتراك يتباطؤون حتى يتمكنوا من قطع أكبر شوطٍ ممكن لاحتواء قوة الأكراد وإضعافها في الشمال والشرق السوري من خلال الاتفاقيات مع أمريكا وبتنفيذ مليشياتهم السورية على الأرض قبل أن يمضوا إلى تلك الخطوة الأخيرة التي ستعني انتهاء الصراع وابتداء أطوار المرحلة السياسية الانتقالية وتثبيت الواقع الميداني كواقعٍ دائم على الخارطة الشامية، كما أن أردوغان يحاول قدر الإمكان القضاء على المجاهدين بأقل تكلفة صدامية ممكنة  لتخوفه من ارتدادات ذلك الصدام مع المجاهدين على اقتصاده المتراجع وأمن دولته الهش نسبياً إن هو دفع بظهورهم إلى الجدار..

ثانياً: التوابع الواجبة للموجة الجهادية

 فاستغلالاً لتلك الموجة ومن باب البناء على النجاحات المتحققة يجب على قادة المجاهدين السير في كثيرٍ من المسارات الرئيسية منها أربعة مفصلية:

أ-الانتقال من التوحد العسكري في غرفة عمليات مشتركة إلى الاندماج والذوبان الكامل في كيانٍ واحد وتحت راية واحدة وبقيادةٍ لا يقوم توزيع المناصب فيها على المحاصصة بل على الكفاءة والقوة والأمانة وفق أسس السياسة الشرعية الحكيمة دون فصائلية أو حزبية..

فيتم الاستفادة على سبيل المثال من القدرات السياسية للدكتور أبي عبد الله الشامي أمير أنصار الدين فيُوكل إليه ملف القسم السياسي وبناؤه والاستعانة بمن يرى من الخبرات داخل وخارج الجماعة لتحقيق المراد من إنشاء ذلك القسم..

ويتم الاستفادة من خبرات الإخوة في أنصار الإسلام في مجال حرب العصابات وتمكنهم منه بأن يُوكل إليهم العمل على ذلك الملف والاستعانة بمن يرون من داخل الجماعة وخارجها لوضع استراتيجية طويلة الأمد تضمن نجاح العمل الجهادي وإدامته بما يوافق طبيعة المرحلة..

أما حراس الدين وباعتبارهم النواة الصلبة يتولون التواصل مع المجاهدين في مختلف الأقطار والاستفادة من قدراتهم البشرية والمادية والسياسية والعسكرية برفع التواصل مع مختلف جبهات المجاهدين حول العالم إلى درجتها القصوى نظراً لما يمر به الجهاد الشامي اليوم من مرحلة دقيقة..

هذا على سبيل المثال لا الحصر…

ب-في مقابل تسخين الجبهات المتواصل مع العدو النصيري يجب تبريد أي احتكاك مع الفصائل التابعة لمرتدي الترك إلى أقصى درجة وإطالة فترة ما قبل الصدام معهم قدر ما يستطيع المجاهدون خصوصاً مع التأجيل التركي لتلك المواجهة إلى حين، لأن بعض الاحتكاكات البسيطة قد تتطور وتجبر الترك على خوض المعركة قبل أوانها كما حدث في مراحل كثيرة من التاريخ...

وبالتوازي مع هذا التبريد يجب العمل بكثافة على بناء قاعدةٍ أمنية محكمة -في سرية تامة- تدعم المجاهدين وتمكنهم من الصمود والمناورة وقطف الرؤوس المحرضة عندما يحين الصدام مع عملاء الترك…

ج-الهدف الأهم لمخططات الكفار خلال السنوات الماضية كان حصر المجاهدين داخل بقعة صغيرة في الشمال واحتوائهم من قبل الترك والقضاء على من استعصى على الاحتواء، فالإجهاض النهائي للجهاد الشامي قائم على هذا الحصر؛

وبالتالي فإن أحد أهم مسارات إفشال ذلك المكر هو عدم الاستسلام للوجود داخل المحبس الكبير ومحاولة الانسياح في كامل الجغرافيا السورية ابتداءً ثم الشامية لاحقاً من خلال خطواتٍ محددة تبدأ اليوم ببناء قواعد مجاهدة خاملة في المناطق الرخوة الخاضعة للنصيرية مثل درعا، والخاضعة للأتراك في نطاق «درع الصليب» و«غصن الزيتون» والمرشحة للتمدد خلال الأيام المقبلة، والخاضعة للأمريكان والأكراد في الشرق السوري؛ لتشكل تلك القواعد منصات انطلاق جديدة للجهاد الشامي وفق استراتيجية محكمة يتم الاستقرار عليها في دوائر صنع القرار الجهادية..

د-في إطار بدء مرحلة إعادة التطبيع مع النظام النصيري من قبل طواغيت العرب تمهيداً لإكسابه الشرعية من جديد وإعادة تأهيله للحكم والسيطرة باعتبار الجهاد الشامي المبارك مجرد «أزمة»- كما تسميها اليوم القناة الخبيثة «الجزيرة»- مرت بها البلاد واستطاعات الحكومة السورية «المقاومة» التغلب عليها؛ في هذا الإطار دعا ما يسمى بالبرلمان العربي جامعة الدول العربية إلى إعادة النظام النصيري إلى عضويته وذلك بالتزامن مع زيارة عمر البشير إلى دمشق وثنائه على النظام النصيري كخطوةٍ أولى في خطوات إعادة التأهيل؛

 وبالتالي فإن إفشال هذا المخطط سياسياً لا يكون إلا بسلسلة من العمليات الأمنية العاجلة المدوية التي تضرب عمق النظام النصيري الأمني وتجبر وسائل الإعلام على تغطيتها بعد أن أخذت التعليمات بتخفيض حجم التغطية للملف السوري إلى أدنى مستوى -بما في ذلك «الجزيرة»- لتعلن تلك العمليات أن الجهاد الشامي ليس مجرد «أزمة» عابرة نجح النصيرية في تجاوزها إنما هو صراع باقٍ ما بقي للباطنية والصليبيين من تمكين على تلك الأرض المباركة..

وعلى الرغم من علمي التام بالصعوبة البالغة لتنفيذ تلك العمليات، إلا أن إفشال عملية إعادة تأهيل النظام النصيري واجب ملح كأحد خطوات إفشال تطبيق الحل الصليبي النهائي على أرض الشام..

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم وأبطل كيد عباد الصليب ، وبصّر عبادك المجاهدين وانصرهم على عدوك وعدوهم، واستعملنا ولا تستبدلنا إنك ولي ذلك والقادر عليه..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

——————————————-

بقلم الشيخ :

عدنان حديد – حفظه الله ورعاه –

14 ربيع الثاني  1440  للهجرة  || 21 كانون الأول  2018

——————————————-

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي