إصداراتالشيخ بلال خريساتمؤسسة بيان

مقال بعنوان : كَسْرُ الصّنمِ – للشيخ المجاهد بلال خريسات “أبو خديجة” – ثبته الله –

شارك

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، ثم أما بعد :

يقول الحق تبارك وتعالى :

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ  وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)

وعن ابن عباس، قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) والأسفار: الكتب ، فجعل الله مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يتبع ما فيه، كمثل الحمار يحمل كتاب الله الثقيل، لا يدري ما فيه، ثم قال: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ) … الآية

والمراد بالمثل في قوله- تعالى-: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ … الصفة والحال …

والمراد بالذين حملوا التوراة: اليهود الذين كلفهم الله- تعالى- بالعمل بما اشتملت عليه التوراة من هدايات وأحكام وآداب … ولكنهم نبذوها وتركوا العمل بها..

والأسفار: جمع سفر، وهو الكتاب الكبير المشتمل على ألوان من العلم النافع، وسمى بذلك لأنه يسفر ويكشف عما فيه من المعاني المفيدة للمطلع عليها.

والمعنى: حال هؤلاء اليهود الذين أنزل الله- تعالى- عليهم التوراة لهدايتهم.. ولكنهم لم ينتفعوا بها.. كحال الحمار الذي يحمل كتب العلم النافع، ولكنه لم يستفد من ذلك شيئا، لأنه لا يفقه شيئا مما يحمله..

ففي هذا المثل شبه الله- تعالى- اليهود الذين لم ينتفعوا بالتوراة التي فيها الهداية والنور، بحال الحمار الذين يحمل كتب العلوم النافعة دون أن يستفيد بها.

ووجه الشبه بين الاثنين: هو عدم الانتفاع بما من شأنه أن ينتفع به انتفاعا عظيما، لسمو قيمته، وجلال منزلته

قال صاحب الكشاف r :

[شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها، ثم إنهم غير عاملين بها، ولا بمنتفعين بآياتها … بالحمار، حمل أسفارا، أي: كتبا كبارا من كتب العلم، فهو يمشى بها، ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، وبئس المثل]

وقال الإمام ابن كثير r :

[يقول- تعالى- ذامّا لليهود الذين أعطوا التوراة فلم يعملوا بها، إن مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا.. فهو يحملها حملا حسيا ولا يدرى ما عليه، وكذلك هؤلاء. لم يعملوا بمقتضى ما في التوراة بل أولوه وحرفوه، فهم أسوأ من الحمار، لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال- تعالى-: في آية أخرى:

(أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ)

وقال القرطبي r :

[وفي هذا المثل تنبيه من الله- تعالى- لمن حمل الكتاب، أن يتعلم معانيه، ويعمل بما فيه، لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء اليهود، قال الشاعر:

زوامل للأسفار لا علم عندهم       …     بجيّدها، إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا    …     بأوساقه، أو راح ما في الغرائر

وعبر- سبحانه- عن تكليفهم العمل بالتوراة وعن تركهم لذلك بقوله: (حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها) للإشعار بأن هذا التكليف منه- تعالى- لهم، كان عهدا مؤكدا عليهم، حتى لكأنهم تحملوه كما يتحمل الإنسان شيئا قد وضع فوق ظهره أو كتفيه. ولكنهم نبذوا هذا العهد، وألقوا بما فوق أكتافهم من أحمال، وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم انقياد الأعمى لقائده..]

ولفظ «ثُمَّ » في قوله (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها) للتراخي النسبي، لأن عدم وفائهم بما عهد إليهم، أشد عجبا من تحملهم لهذه العهود.

وشبههم، بالحمار الذي هو مثل في البلادة والغباء، لزيادة التشنيع عليهم، والتقبيح لحالهم، حيث زهدوا وأعرضوا عن الانتفاع بأثمن شيء نافع، – وهو كتاب الله- كما هو شأن الحمار الذي لا يفرق فيما يحمله على ظهره بين الشيء النافع والشيء الضار

وعن علي بن الجعد قال:

[سمعت شعبة، يقول : مَثَل صاحب الحديث الذي لا يعرف العربية، مَثَل الحمار عليه مِخْلاةٌ، لا عَلَفَ فيها] وقال حماد بن سَلمَة :

[من طلب الحديث، ولم يتعلم النَّحْوَ. أو قال : العربية، فهو كمَثَل الحمار تُعلَّق عليه مِخْلاةٌ، ليس فيها شعير]

ومن تجنُّب العرب لذكر الحمار مجردًا أنهم يكنون عنه، ويرغبون عن التصريح باسمه، فيقولون : الطويل الأذنين. وقد عُدَّ في مساوىء الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولى المروءة. ومن العرب من لا يركبه استنكافًا، وإن بلغت منه الرِّجلة.

وكان عليه الصلاة والسلام يركبه تواضعًا، وتذللاً لله تبارك وتعالى.

 وقالوا في وصف الحمار : إذا وقفته أدلى، وإن تركته ولَّى، كثير الرَّوْث، قليل الغَوْث، لا تَرْقَأُ به الدماء، ولا تُمْهَر به النساء.

وقالوا : الحمار حيوان وقِح شهْواني شبِق لدرجة أنه لا يرعوي عن مواقعة أنثاه في قارعة الطريق، على عكس غيره من الحيوانات ؛ كالجمل والخروف.

ويشتهر الحمار من بين الحيوانات كلها بصوته العالي الذي يُعَدُّ من أقبح الأصوات وأوحشها، ويسمَّى صوته : نهيقًا، وأوله شهيق، وآخره زفير.

وقد وصفه القرآن الكريم بأنه أنكر الأصوات على الإطلاق ؛ لما يسببه من إزعاج وأذى.

قال تعالى في وصية لقمان الحكيم :

﴿ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾

ومن هنا قيل : هذا المثل، وإن كان قد ضرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن، أو العلم، فترك العمل به، ولم يؤده حقه، ولم يرعه حق رعايته.. روي عن ميمون بن مهران أنه قال :

[ يا أهل القرآن ! اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم] ثم تلا هذه الآية

وقال يحيى بن يمان :

[يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهم ولا يتدبر ، فإذا سأل أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتب]

وقال الشاعر :

[إن الرواة على جهل بما حملوا مثل الجمال عليها يحمل الودع

لا الودع ينفعه حمل الجمال له ولا الجمال بحمل الودع تنتفع]

وهكذا هو حال بعض الذين حفظوا المتون وذاع صيتهم بين المشرقين فتابعهم على انحرافهم وبطلانهم الآلاف من الظّماء وجياع البطون.

يحرفون الكلم عن مواضعه في لي واضح وصريح لنصوص القرآن ولسنة النبي العدنان عليه أفضل الصلاة والسلام.

يسارعون في إرضاء السلطان وهم في غاية التزلف والخسران طلبا للسلامه والحظوة والمكانة.

يناصرون أنظمة الردة والعمالة بشرعنة أعمالهم الكفرية ، ومحاججة الموحدين مع وصفهم بالجهل والمغالاة في الدين.

ولم يكتفي هؤلاء بالدفاع عن أولياء نعمتهم بل تطوعوا في مدح كل مفهوم والمسارعة في نشرها والدعوة إليها وجعلها متوافقة مع شرائع الإسلام.

فهذا أحد علماء الزمان والذي طارت في مدائحه الركبان يطالب باستيراد الديمقراطية من الغرب ويضع قيدا لها فيقول [أن كانت في صالحنا] وكأنه يعيش خارج التاريخ.

ويجهل حقيقة هذه الأكذوبة والتي تكلف وتعسف في مشابهتها للشورى .

فسبحان من زين العقول وأبان لنا الحال وكشف لنا المستور .

وكأن شريعة الإسلام ناقصة وغير كافية في إدارة نظام الحياة للبشرية كافة فلحقها العجز في سد الثغرات وترميم الثلمات ، فبرز لنا ذلك الفهيم ذو العقل المنفتح والفكر المنشرح ، مطالباً بجلب الأفكار من بلاد ما وراء البحار ، وما علم ذلك المفتون أنه بدعواه تلك يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ،

كتاب فصلت آياته من لدن حكيم خبير نزل من فوق سبع سموات ، كلام الخبير الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :

[وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه ، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به واستغنوا به عما سواه وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم وقد كان عمر رضي الله عنه يمنع من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزبد أفكارهم وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان]

ووالله لو كان هؤلاء المطالبين بالديمقراطية في زمن عمر h لهشم رؤوسهم وحطم عظامهم بالدرة .

وما أحوج هؤلاء إلى فعل عمر h كما فعل مع صبيغ بن عسل في قصته المشهورة كما ذكرها القرطبي وابن كثير s والذي كان من خبره:

[  سؤاله عن متشابه في القرآن عندما قدم إلى مصر ، فبعث به عمرو بن العاص والي مصر إلى الخليفة عمر بن الخطاب فلما أتاه الرسول المرافق لصبيغ بالكتاب فقرأه فقال الخليفة : أين الرجل ؟ فقال الرسول : في الرحل ، قال عمر : « أبصر أن يكون ذهب فتصيبك مني به العقوبة الموجعة » ، فأتاه به ، فلما دخل عليه جلس ، فقال له عمر : من أنت ؟ فقال : أنا عبد الله صبيغ فقال عمر : وأنا عبد الله عمر ، ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين ، فما زال يضربه حتى شجه ، فجعل الدم يسيل على وجهه ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين ، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي ، ثم بدأ صبيغ التميمي بسؤال عمر بقوله: أخبرني عن  (والذاريات ذرواً)قال : هي الرياح ، ولولا أني سمعت رسول يقوله ما قلته إلى آخر تسؤولاته… ثم

فقال عمر : « تسأل محدثة» ، فأرسل عمر إلى رطائب من جريد ، ثم أمر به فَضُرب مائة وجعل في بيت ، فلما برأ دعاه ، فضرب مائة أخرى ، « فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة ، ثم تركه حتى برأ ، ثم عاد له ، ثم تركه حتى برأ ، فدعا به ليعود له ، فقال صبيغ : إن كنت تريد قتلي ، فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد أن تداويني، فقد والله برأت. فأذن له وبعث إلى أبي موسى الأشعري و أهل العراق أن لا يجالسه المسلمين ، فلو جاء إلى حلقة ما هي قاموا وتركوه ، فاشتد ذلك على الرجل ، فكتب أبو موسى إلى عمر : أن قد حسنت توبته ، فكتب عمر : أن ائذن للناس بمجالسته]

وقد صح عن الإمام الشافعي r قوله في أهل الكلام :

[حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام]

فكيف بمن دعى الديمقراطية وجعلها بمنزلة الشورى في الإسلام

هؤلاء العلماء هم في الحقيقة خونة عملاء لأولياء نعمتهم وهم على استعداد تام إلى تبرير كل أفعالهم فهاهم يجادلون عنهم ويصفون الموحدين بالغلاة والتكفيريين فهم يعرفون الحق ويعرفون أهله ولكنهم يعرفون ويحرفون ويفهمون ويجهلون وعن قول الحق يمتنعون .

والواجب اليوم على كل من آتاه الله العلم والمعرفة هتك استارهم والأشهار بهم وذكر مثالبهم وفساد أقوالهم .

فإن متابعتهم من قبل عوام المسلمين خطر عظيم وبلاء جسيم فإن زلة العالم ليست عليه وحده فهي تشمل كل متابعيه فكيف بمن دعى إلى مشابهة الغرب في تطبيق سياستهم وديمقراطياتهم……

أن العالم بمنزلة السفينة التي إذا غرقت غرق معها خلق كثير 

وقيل: زلة العالم مضروب بها الطبل.

وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب h: [ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن   وأئمة مضلون] 

قال الإمام أحمد r:

[لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا]

قال الإمام ابن القيم:

[اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول من سواه, بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله، فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة]

فاحذروا عباد الله من هؤلاء الذين بدلوا وداهنوا إرضاء لأسيادهم وحكام بلادهم من متابعتهم

واعلموا أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذوه

والله تعالى أعلى وأعلم

وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

——————————————-

بقلم الشيخ المجاهد :

بلال خريسات « أبو خديجة » – حفظه الله ورعاه –

18 ربيع الثاني  1440  للهجرة  || 20 كانون الأول  2018

——————————————-

مؤسسة بيان للإعلام الإسلامي