إصداراتالشيخ أيمن الظواهريبيت المقدس

كتاب الربيع الإسلامي – للشيخ أيمن الظواهري – حفظه الله

شارك

التحميل

كتاب الربيع الإسلامي

للشيخ أيمن الظواهري – حفظه الله

مقدمة الناشر
لأنها ذخيرة علمية أدبية تاريخية جهادية سياسية، بل موسوعة وثائقية، تقدم الخلاصات والمفاهيم التي يكتبها إمام في الجهاد، قضى أغلب عمره في ساحاته، فتمرّس فنون المواجهة وأتقن سبر أغوار الصراع وتاريخه وجغرافيته، ثم بحكمة الطبيب حول خبرته إلى علاج ودواء لأسقام تفشت في جسد هذه الأمة المسلمة، يقدمها بروح المؤمن المشفق –نحسبه- بصدق النصيحة والحبّ، تستشعر غيرته على الإسلام وحرمات المسلمين بين ثنايا أحرفه. كان أمرًا ملحًّا أن نحفظ هذا البذل في مؤلّفٍ واحدٍ جامعٍ، ينضم لإنتاج صاحبه، الشيخ الإمام الدكتور المهاجر المجاهد، أيمن الظواهري حفظه الله وأيّده.
في هذا الكتاب لم يقدم الشيخ سردًا عاديًا بل عبقريةً متجذّرةً عرضها على شكل حلقات متتالية، بلغ عددها إحدى عشرة حلقة نشرتها مؤسسة السحاب بشكل مرئي ومتفرق، نجمعها اليوم ونرتبها في كتاب حمل عنوان “الربيع الإسلامي”، قمين بكل مسلم ومسلمة الاطلاع عليه وتلخيص فوائده، ذلك أن العلم الذي يبثّه العالم المجاهد والطبيب المهاجر في آن واحد، يستحق منا الإحاطة والعناية بمنتهى الحرص.
لن أطيل في تبيان ثقل الطرح، ولكنني أدعوكم للنهل من هذا المعين، فإنه ميراث جدّ وبذل، وعصارة جهاد ورباط، أثمر حكمًا وعبرًا ووفاءً، خطّه من وصف بـ”حكيم الأمة”، فهل يستحق منا هذا العطاء إلا الحفظ. #بيت_المقدس

اني: إذا لم تكنِ الظروفُ الآن مهيأةً لإعلانِ قيامِ الخلافةِ، فما هو البديلُ من أجلِ السعي في إقامتِها؟

الربيع الإسلامي | الحلقة الأولى

بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وآلهِ وصحبِهِ ومن والاهُ،

أيها الإخوةُ المسلمونَ في كلِ مكانٍ السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ،
وبعدُ،
فهذه سلسلةٌ أودُ أن أبدأَها معكم عن الربيعِ الإسلاميِ القادمِ بإذنِ اللهِ، فبرغمِ اشتدادِ الحملةِ الصليبيةِ على المسلمين من وزيرستانَ حتى مغربِ الإسلامِ، وبرغمِ انقضاضِ أنظمةِ الردةِ والعمالةِ على ثوراتِ الشعوبِ العربيةِ، وبرغمِ فشلِ الجماعاتِ التي سعت لتحكيمِ شريعةِ الإسلامِ عبرَ التحاكمِ لغيرِ الشريعةِ من شرائعِ العلمانيةِ والقوميةِ، برغمِ كلِ ذلك فإني أرى أن الربيعَ الإسلاميَ قد أوشك على البزوغِ بعونِ اللهِ.


 ولكني قبلَ الشروعِ في هذه السلسلةِ أودُ أن أتطرقَ لعدةِ أمورٍ:

الأول: هو محاولاتُ إسرائيلُ لتهويدِ المسجدِ الأقصى، وهي الجريمةُ التي ستفجرُ طاقاتِ الأمةِ المسلمةِ بإذنِ اللهِ، والتي تثبتُ أن كلَ طرقِ المفاوضاتِ، والتفاهمِ مع المجتمعِ الدوليِ، والتوافقِ مع الخونةِ العلمانيين قد باءت بالفشلِ، وهي الطرقُ التي حذر منها المجاهدون، لأنها تتعارضُ مع العقيدةِ والشريعةِ، وبالتالي فهي تؤدي لخسارة الدينِ والدنيا.
وهذه الجريمةُ يجبُ أن تدفعَنا جميعًا لأن نوحدَ جهودَنا، ونرتفعَ فوقَ الخلافاتِ والمهاتراتِ والتوجهاتِ التي يثيرُها البعضُ بغيرِ دليلٍ، بل وأحيانًا بعكسِ الدليلِ، يجبُ أن نرتفعَ فوق هذه التوجهاتِ والاختلافاتِ، ونتوحدَ صفًا واحدًا في مواجهةِ العدوِ الصليبيِ الصهيونيِ، وهو يتحالفُ اليومَ مع الصفويين والنصيريين والعلمانيين، ومن هنا تبرزُ أهميةُ الجهادِ في الشامِ المباركِ، الذي يجبُ أن نجنبَه الفتنَ والصراعاتِ الداخليةِ والسياسيةِ، فإن النصرَ في الشامِ هو مقدمةُ الفتحِ لبيتِ المقدسِ إن شاء اللهُ.
وسأفردُ حلقةً من هذه السلسلةِ -إن شاء اللهُ- لفلسطينَ وجهادِ الأمةِ ضد إسرائيلَ.

والأمرُ الثاني هو: التعزيةُ في الشيخِ مختارٍ أبي الزبيرِ -رحمه اللهُ-.

فأهنئُ الأمةَ الإسلاميةَ ومجاهديها في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها وفي ثغرِ الإسلامِ الشرقيِ الجنوبيِ عامةً، وإخوانَنا الأحبابَ الأوفياءَ من مجاهدي وليوثِ الإسلامِ في شرقِ إفريقيا وأرضِ الهجرتين خاصةً، برحيلِ العالمِ العاملِ المرابطِ المهاجرِ الأخِ الحبيبِ الوفيِ الصادقِ -كما نحسبُه- فضيلةِ الشيخِ الأميرِ القائدِ/ مختارٍ أبي الزبيرِ رحمه اللهُ رحمةً واسعةً، وأسكنه الفردوسَ الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداءِ والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. وأسألُ اللهَ أن يجمعني به على خيرٍ في الفردوسِ الأعلى، غيرَ مبدلين ولا مغيرين ولا خزايا ولا نادمين.

تَنادوا فَقالوا أَردَتِ الخَيلُ فارِساً فَقُلتُ أَعَبدُ اللَهِ ذَلِكُمُ الرَدي
فَإِن يَكُ عَبدُ اللَهِ خَلّى مَكانَهُ فَما كانَ وَقّافاً وَلا طائِشَ اليَدِ
كَميشُ الإِزارِ خارِجٌ نِصفُ ساقِهِ صَبورٌ عَلى العَزاءِ طَلّاعُ أَنجُدِ
قَليلٌ تَشَكّيهِ المُصيباتِ حافِظٌ مِنَ اليَومِ أَعقابَ الأَحاديثِ في غَدِ
تَراهُ خَميصَ البَطنِ وَالزادُ حاضِرٌ عَتيدٌ وَيَغدو في القَميصِ الـمُقَدَّدِ
وَإِن مَسَّهُ الإِقواءُ وَالجَهدُ زادَهُ سَماحاً وَإِتلافاً لِما كانَ في اليَدِ
فَلا يُبعِدَنكَ اللَهُ حَيّاً وَمَيِّتاً وَمَن يَعلُهُ رُكنٌ مِنَ الأَرضِ يَبعُدِ

فرحمك اللهُ يا أبا الزبير فقد عهدناك نعمَ الأخِ ونعمَ الرفيقِ ونعمَ المعينِ ونعمَ الصادقِ الوفيِ, وقد أرسل لي -رحمه اللهُ- رسالةً في رمضانَ لعامِ ألفٍ وأربعِمائةٍ وأربعةٍ وثلاثين جاء فيها:
“قضيةُ تصرفِ الإخوةِ في الدولةِ نسألُ اللهَ أن يسامحَ الإخوةَ ويردَهم إلى الحقِ، فمثلُ هذه التبريراتِ لمخالفتِهم لم تكن متوقعةً من أمثالِهم، وخاصةً ونحن ندَّعي ليلَ نهارَ السعيَ لعودةِ الخلافةِ الإسلاميةِ، التي تضمُ المسلمين في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها، وأرجو شيخي أن تصبرَ لهم، وتعفوَ عنهم، وتستوعبَ قصورَنا جميعًا، وتحاولَ الإصلاحَ والتداركَ”.
وقد أرسلت له –رحمه اللهُ- رسالةً في جمادى الأولى لعامِ ألفٍ وأربعِمائةٍ وخمسةٍ وثلاثين، كتبتُ فيها:
“أنا أعلمُ مدى حزنِكم على ما يجري في الشامِ، واندلاعِ الفتنةِ العمياءِ فيه، والاستهانةِ بالحرماتِ الشرعيةِ، وإنكارِ الأمورِ المؤكدةِ كبيعةِ الدولةِ للقاعدةِ، والتدليسِ في ذلك، واستباحةِ التكفيرِ للمخالفِ، حتى أني وجدتُ في الموادِ القادمةِ من الشبكةِ شريطًا عن مناظرةٍ حولَ تكفيرِ العبدِ الفقيرِ للهِ، وأيًا كانت صحةُ هذا الشريطِ، فهي تبينُ المستوى الذي انحدر له المتورطون في الفتنةِ.
ومن يُكفرْ العبدَ الفقيرَ ويُفجرْ أبا خالدٍ السوريِ -رحمه اللهُ- فلن يتورعَ عن تكفيرِ وتفجيرِ كلِ من ينتقدُه أو يعارضُ مشاريعَه.
فالمرجو منكم أن تتواصَوا مع جميعِ الإخوةِ بألا يشاركوا في إشعالِ الفتنةِ، ومن لم يستطعْ أن يقل خيرًا فليصمتْ، وأن تُبلغوا إخوةَ الدولةِ والجبهةِ وغيرَهم أن الوحدةَ رحمةٌ والفرقةَ عذابٌ، وقد أرسلتُ من قبلُ للشيخِ الفاتحِ الجولانيِ بألا يشاركَ في أيِ عدوانٍ على المجاهدين، كما أمرتُ الجبهةَ بالتوقفِ عن المشاركةِ في أي عدوانٍ على المسلمين والمجاهدين، كما ناشدتُ الدولةَ في كلمةٍ على وشكِ الصدورِ على العودةِ للعراقِ، والرجوعِ للصفِ الواحدِ، حتى وإن اعتبروا ذلك ظلمًا لوقفِ هذا الشلالِ المتدفقِ من الدماءِ”.
فرحمك اللهُ يا أبا الزبير وعوضنا في فقدِك خيرَ العوضِ، وعزاؤنا أنك قد لقيت الشهادةَ مقبلًا غيرَ مدبرٍ في مواجهةِ الصليبيين، فأسألُ اللهَ أن يتقبلَ شهادتَك وأخويك، ويغفرَ ذنوبَكم، ويرفعَ درجتَكم في العليين، ولا نقولُ إلا ما يرضي ربَنا، وهو بنا أرحمُ الراحمين.
هو الدهرُ والأقـــدارُ يجـــري بها الــدهرُ فما لامـرئٍ نهـيٌ على الدهـــرِ أو أمــرُ
تصــبرْ، ولـــو أنَّ الـــذي عــالَ صبرَهُ مُصابُكَ هذا قـدْ يكـــونُ لـهُ عـــذرُ
مصـــابٌ بمــنْ مِـنْ فقـدِهِم تذرِفُ السما وتنتحــبُ الأرضــونَ والـــبرُ والبحـرُ
فسبحـــانَ منْ أغـــري المنـــايا بـأهلِهِ كـــأنَّ لهـا ثـأراً، ولــيسَ لهــا ثأرُ
ليختـــارَ منْ يختـــارُ منهم ويصطفـــي لهُ الحكمةُ العليا، لـــهُ النهـــيُ والأمــرُ
أولئـــكَ إخـــواني على كـــلِ جبــهةٍ بهـــا منهُـــم ذكــرٌ، وفي ثغــرِها قـبرُ
قــبورُهم بــينَ الثغـــورِ غــريبـــةٌ يباعــــدُ منهــا السهــلُ والجبــلُ الوعرُ
وكـــم مِـــنْ غــريبٍ في بــلادٍ غريبةٍ وفي المــلإِ الأعـــلي لـــهُ الشـأنُ والذكرُ
تقِـــلُ هنــاكَ الباكيـــاتُ علـــيهُمُ وفي أرضِـــهمْ باكــونَ -لو علِموا- كثـرُ
تُعَمِّــرُ آفـــاقَ الثغــورِ قبورُهُـــــمْ وأوطـانُهُــــمْ مِنْهُــم مرابِعُهــا قَفـــرُ
سقاهُــــمْ إلـــهُ العــرشِ منْ بحرِ جـودِهِ حَيَـــاً مستمـــراً، لا بطــيءٌ ولا نــزرُ
أولئـــكَ إخـــواني فمــــنْ لي بمثلِهِم؟ بمثلِـــهُمُ يُسْتـــنزلُ النــصرُ والقـــطرُ

أما إخواني ليوثُ الإسلامِ في شرقِ إفريقيا المدافعين بصدورِهم ونحورِهم عن ثغرِ الإسلامِ الجنوبيِ الشرقيِ، فأقولُ لهم أيها الأحبابُ الأوفياءُ الصادقون، اثْبُتوا على الطريقِ، فإن هذا هو ثمنُ النصرِ، الذي أخبرنا عنه ربُنا سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ﴾.
وأقرُ اختيارَهم للأخِ الكريمِ الشيخِ أبي عبيدةَ أحمدَ عمرَ أميرًا لهم، وأسألُ اللهَ أن يوفقَه لحملِ أمانةِ الدعوةِ والجهادِ، وأطلبُ منه أن يبذلَ كلَ ما يستطيعُ لكي تكونَ الشريعةُ هي الحاكمةَ والسيدةَ بلا منازعٍ في شرقِ إفريقيا، وأشددُ عليه وأؤكدُ بالدفاعِ عن حرماتِ وشرفِ وكرامةِ المسلمين في شرقِ إفريقيا ووسطِها، فاللهَ اللهَ في حرماتِ المسلمين وعزتِهم وكرامتِهم وأمنِهم وسلامتِهم في جوارِك، ولتصلَ الليلَ بالنهارِ وتبذلَ الغاليَ والنفيسَ، وتبذلَ الأرواحَ والأنفسَ في صيانتِهم وحفظِهم والدفاعِ عنهم، واللهُ معينُك ومقويك وناصرُك بعونِه ومددِه وقوتِه بفضلِه سبحانه.
وأطالبُه بأن يرسخَ من هيبةِ القضاءِ الشرعيِ ومكانتِه، ويؤكدَ على سلطانِه على الجميعِ القويِ قبل الضعيفِ والأميرِ قبل المأمورِ، وأن يرفُقَ بإخوانِه المجاهدين، ويسعى في استكمالِ حاجاتِهم، وإكمالِ مؤنتِهم، وتوفيرِ العيشِ الكريمِ لهم ولأسرِهم، وأوصيه وأشددُ في الطلبِ عليه برعايةِ أراملِ الشهداءِ وأيتامِهم، وأهلِ الأسارى وأبنائِهم، وأن يجدوا من كرمِه ورعايتِه وعطفِه واهتمامِه المقامَ الأولى والشغلَ المقدمَ، وأوصيه بمعاهدِ العلمِ والتعليمِ خيرَ وصيةٍ، فهي حصونُ الجهادِ ومحاضنُ الآسادِ، فلا يبخلن عليها بمددٍ ولا سببٍ، وأوصيه بسادتِنا العلماءِ والدعاةِ أن ييسرَ عليهم ويوفرَ حاجتَهم ويسدَ فاقتَهم ويعينَهم على التفرغِ لشرفِ الدعوةِ والبيانِ، وأوصيه بالشورى أن تكونَ نهجًا وسمتًا وأصلًا في عملِه، وليستعنْ بالحلمِ والصبرِ والعفوِ فإنهم خيرُ معينٍ للوالي على ولايتِه وللأميرِ على إمارتِه، وأخيرًا أوصيه بالأمةِ المسلمةِ في الصومالِ خيرَ وصيةٍ؛ أن يرحمَ ضعيفَهم ويعينَ محتاجَهم ويلبيَ حاجتَهم، وأنا أعلمُ أن عبأَه ثقيلٌ وحملَه كبيرٌ، ولكن فليستعنْ بأهلِ الصدقِ والخلقِ والوفاءِ والحكمةِ، ثم قبل كلِ ذلك فليجعلْ لنفسِه مع ربِه ساعةً يبثُه شكواه ويظهرُ فاقتَه ويستمدُ من مددِه ويرغبُ في إجابتِه، وليستبشرْ بقولِ الحقِ سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾.
وأؤكدُ له أني وشخصَه الكريمَ وجميعَ الأمراءِ والمسؤولين الأفاضلِ في جماعةِ قاعدةِ الجهادِ ما نحن إلا جنودٌ لأميرِنا أميرِ المؤمنين الملا محمدِ عمرَ مجاهدٍ حفظه اللهُ، نطيعُه ما قادنا بكتابِ اللهِ وسنةِ نبيِه صلى اللهُ عليه وسلم، لا نعصي له أمرًا، ولا ننقضُ له عهدًا، ولا ننكثُ له بيعةً، والله يعينني ويعينُك وسائرَ المسلمين على طاعتِه.

أما الأمرُ الثالث: الذي أودُ التطرقَ له قبلَ البدءِ في هذه السلسلةِ فهو: تعزيةُ إخواننا المجاهدين في جماعةِ أنصارِ الشريعةِ بليبيا في استشهادِ أميرِهم الشيخِ محمد الزهاوي -رحمه اللهُ رحمةً واسعةً- فأسألُ اللهَ سبحانه أن يعوضَهم خيرَ عوضٍ عما أصابهم، وأن يوفقَهم لطاعتِه والاستمرارِ في جهادِهم، حتى تكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا وكلمةُ الذين كفروا هي السفلى، وحتى تسودَ الشريعةُ ربوعَ ليبيا المباركَةِ حاكمةً لا محكومةً آمرةً لا مأمورةً قائدةً لا مقودةً.

والأمرُ الرابع الذي أودُ التطرقَ له قبلَ البدءِ في هذه السلسلةِ فهو: شكرُ الأخوين أبي ناصرٍ الوحيشي نائبِ أميرِ جماعةِ قاعدةِ الجهادِ وأميرِ تنظيمِ القاعدةِ بجزيرةِ العربِ والأخِ أبي مصعبٍ عبدِ الودودِ أميرِ تنظيمِ قاعدةِ الجهادِ ببلادِ المغربِ الإسلاميِ على بيانِهما بشأنِ الدعوةِ لإيقافِ القتالِ في ساحةِ العراقِ والشامِ، فجزاهما اللهُ خيرَ الجزاءِ على سعيِهما المباركِ المقبولِ -بإذنِ اللهِ- لحقنِ دماءِ المسلمين وتوحيدِهم صفًا واحدًا ضد عدوِهم الصليبيِ الصفويِ العلمانيِ.
ولكن للأسفِ كان جزاؤهما على دعوتِهما للوحدةِ أن كافأهما البغداديُ ومن معه بدعوةِ المجاهدين في الجزائرِ واليمنِ لشقِ الصفِ ونكثِ البيعةِ، كما نكثها هو ومن معه من قبل، ودعوَهم للقفزِ من بيعةٍ لبيعةٍ، وكأنها ثيابٌ تُخلعُ أو عرضٌ يُشترى ويُباعُ.
لقد أراد الشيخانِ الكريمانِ إطفاءَ الفتنةِ في الشامِ، وأراد البغداديُ ومن معه نقلَ فتنةِ الشامِ لكلِ مكانٍ.
وكذلك أشكرُ إخواني في تنظيمِ قاعدةِ الجهادِ في جزيرةِ العربِ على كلمةِ الأخِ الكريمِ فضيلةِ الشيخِ حارثٍ بن غازي النظاريِ -رحمه اللهُ- بعنوانِ “بيانٌ بشأنِ ما ورد في كلمةِ الشيخِ أبي بكرٍ البغداديِ بعنوانِ (ولو كره الكافرون)”.
وهنا أتوقفُ لأسأل اللهَ سبحانه أن يتغمدَ برحمتِه ورضوانِه فضيلةَ الشيخِ العالمِ العاملِ المجاهدِ -كما نحسبُه- حارثِ النظاريِ، الذي ضرب مثلًا للعلماءِ وطلبةِ العلمِ العاملين، الذين يُستشهدون في الميدانِ فيمزجون مدادَ العلماءِ بدماءِ الشهداءِ، ويقيمون الحجةَ على كلِ من تخلف عن الجهادِ العينيِ لدفعِ الصائلِ الصليبيِ الرافضيِ العلمانيِ على ديارِ الإسلامِ، فأسألُ اللهَ أن يعوضنا وأمةَ المسلمين عنه خيرَ العوضِ، وأن يرزقَ أهلَه وإخوانَه الصبرَ والسلوانَ، وأن يجمعنا به غيرَ مبدلين ولا مغيرين.
وأعودُ لحديثِ الفتنةِ التي يسعى البغداديُ ومن معه لإثارتِها في صفوفِ المجاهدين لينكثوا بيعاتِهم، كما فعل هو وإخوانُه، فأقولُ:
أني كنتُ قد أعددتُ عددًا من الحلقاتِ ضمن هذه السلسلةِ قبيل بدءِ الحملةِ الصليبيةِ الحاليةِ على العراقِ والشامِ، وفي هذه الحلقاتِ تعرضتُ بالتفصيلِ بالأدلةِ الشرعيةِ والتاريخيةِ والواقعيةِ والمستنداتِ والوثائقِ والمراسلاتِ للأحداثِ التي وقعت في الشامِ والعراقِ، والتي وصلت لإعلانِ أبي بكرِ البغداديِ خليفةً، ثم مطالبةِ ناطقِه الرسميِ لكلِ الجماعاتِ المجاهدةِ بأن تنقضَ بيعاتِها، وتسارعَ لمبايعةِ خليفةٍ فوجئَ الجميعُ بتنصيبِه. وقد انتهيتُ من جزءٍ كبيرٍ منها، وأوشكتُ على تصويرِه.
ولكن لما وقعت هذه الحملةُ الصليبيةُ قررتُ أن أتركَ هذه التفاصيلَ، وأركزَ على حديثِ الوحدةِ وإطفاءِ الخلافِ والتأكيدِ على جمعِ الصفِ المجاهدِ ضد هذه الحملةِ، ولكن للأسفِ جاءت كلمةُ أبي بكرٍ البغداديِ بعنوانِ: (ولو كره الكافرون) لتؤكدَ نفسَ المعاني السابقةِ، التي أصر هو وإخوانُه عليها من قبلُ.
وإني أرى أن أستمرَ -رغم هذا- في تناولِ ما يحدثُ في الشامِ والعراقِ من زاويةِ توحيدِ الصفوفِ المجاهدةِ ضد الحملةِ الصليبيةِ الحاليةِ.
وأرجو أن يقدرَ أهلُ التقوى والعقلِ ذلك، ولا يضطروني للخوضِ في التفاصيلِ الخطيرةِ، التي تطرقتُ إليها لمامًا، لعل الإخوةَ أن يوحدوا صفوفَهم وينبِذوا اجتهاداتِهم التي خالفوا فيها سائرَ إخوانِهم.
وقد كنتُ قد أرسلتُ لإخواني في أفرعِ جماعةِ قاعدةِ الجهادِ بأن يحرصوا على ألا يقولوا إلا ما يُوقفُ القتالَ بين المجاهدين في الشامِ، وأن يسعَوا بكلِ ما يستطيعون لإيقافِ هذه الفتنةِ، كما فوضتُ أخي الكريمَ ونائبَ أميرِ الجماعةِ فضيلةَ الشيخِ أبي بصيرٍ ناصرٍ الوحيشي بأن يبذلَ كل ما يستطيعُ لإيقافِ القتالِ الدائرِ بين المجاهدين في الشامِ.
وقد تحملنا كثيرًا من الأذى من أبي بكرٍ البغداديِ وإخوانِه، وآثرنا أن نردَ بأقلِ ما يمكنُ حرصًا منا على أن نطفئَ نيرانَ الفتنةِ، ونفسحَ المجالَ لأهلِ الخيرِ في الإصلاحِ بين المجاهدين.
ولكنَّ أبا بكرٍ البغداديِ وإخوانَه لم يتركوا لنا خيارًا، فقد طالبوا جميعَ المجاهدين أن ينبِذوا بيعاتِهم الموثقةَ، ويبايعوهم على ما ادعوه من خلافةٍ.
بل بلغ الأمرُ بهؤلاءِ الإخوةِ أن يُنصبوا أنفسَهم أولياءَ أمرٍ للمسلمين بغيرِ مشورةٍ، وبغيرٍ اعتناءٍ بمآسيهم ومصائبِهم، وكلُ همِهم جمعُ البيعاتِ وشقُ الصفوفِ.
ففي الوقتِ الذي كان إخوانُنا في الصومالِ يتعرضون لحملةٍ صليبيةٍ قاسيةٍ تَحالفَ فيها ضدهم الأعداءُ المحليون والدوليون، وفي الوقتِ الذي ابتلوا فيه باستشهادِ الشيخِ القائدِ المجاهدِ مختارٍ أبي الزبيرِ ورفيقيه رحمهم اللهُ رحمةً واسعةً، كان كلُ همِ هؤلاء الإخوةِ أن يطالبوا جنودَ حركةِ الشبابِ بالانشقاقِ عن إمارتِهم، ومبايعةِ من نصبوه خليفةً دونَ مشورة ِالمسلمين.
وفي الوقتِ الذي كان يتعرضُ فيه إخوانُنا في مغربِ الإسلامِ لحملاتِ الصليبيين الفرنسيين والأمريكانِ، الذين يحشدون ضدهم، ويُنشئون القواعدَ لمحاربتِهم، كان كلُ همِ هؤلاء الإخوةِ أن يطالبوا مجاهدي المغربِ الإسلاميِ بالانشقاقِ عن إمارتِهم، ومبايعةِ من نصبوه خليفةً دون مشورةِ المسلمين.
وفي الوقتِ الذي كان إخوانُنا في جزيرةِ العربِ يتعرضون فيه لحملةٍ صليبيةٍ صفويةٍ علمانيةٍ خبيثةٍ، كان كلُ همِ هؤلاء الإخوةِ أن يطالبوا جنودَ قاعدةِ الجهادِ في جزيرةِ العربِ بالانشقاقِ عن إمارتِهم، ومبايعةِ من نصبوه خليفةً دون مشورةِ المسلمين. بل بلغ الأمرُ بأبي بكرٍ البغداديِ أن يصرحَ في كلمتِه بأن الحوثيين لم يجدوا من يتصدى لهم.
وفي الوقتِ الذي كانت غزةُ تحترقُ بالقنابلِ الإسرائيليةِ، لم يؤيدْها أبو بكرٍ البغداديِ بكلمةٍ واحدةٍ، بل كان كلُ همِه أن يبايعَه كلُ المجاهدين، بعد أن نصب نفسَه خليفةً دون مشورتِهم.
وفي الوقتِ الذي كانت تحترقُ فيه وزيرستانُ بحملةِ الجيشِ الباكستانيِ الخائنِ مشتركًا مع الطيرانِ الجاسوسيِ الأمريكيِ، تلك الحملةُ التي أُعلن عنها رسميًا قبل إعلانِ أبي بكرٍ البغداديِ نفسَه خليفةً دون مشورةِ المسلمين بقرابةِ عشرين يومًا، في هذا الوقتِ لم يكلفِ البغداديُ نفسَه أن يذكر وزيرستانَ بكلمةٍ واحدةٍ، وكان كلُ همِه أن ينشقَ جنودُ قاعدةِ الجهادِ عنها، ليبايعوا الخليفةَ الذي نصبوه دون مشورةٍ من المسلمين.
وفي الوقتِ الذي كان إخوانُنا في أفغانستانَ الصامدةِ الأبيةِ يخوضون أعظمَ المعاركِ في التاريخِ الإسلاميِ، ويكتبون صفحةً مجيدةً فيه، تحت قيادةِ أميرِهم وأميرِنا وأميرِ البغداديِ الذي تنكر لبيعتِه، أميرِ المؤمنين الملا محمدٍ عمرَ مجاهدٍ. في هذا الوقتِ لم يذكرْهم البغداديُ بكلمةٍ واحدةٍ وهم يتعرضون للقصفِ الأمريكيِ ولحملاتِ الناتو، وتمتلئ سجونُ باكستانَ وأفغانستانَ بعشراتِ الآلافِ من أسراهم. وكان كلُ همِ البغداديِ وإخوانِه أن ينكثَ جنودُ الإمارةِ الإسلاميةِ بيعتَهم لأميرِ المؤمنين أميرِنا الصابرِ المجاهدِ المتوكلِ على اللهِ، والذي أكرمه اللهُ بأن يتحققَ نصرُ الإسلامِ في أفغانستانَ على يديه، هذا الأميرُ الصابرُ الزاهدُ، الذي كان جنودُ دولةِ العراقِ الإسلاميةِ يهتِفون في أشرطتِهم باسمِه، هذا الأميرُ الصابرُ المصابرُ يطالبُ البغداديُ ومن معه جنودَه في أفغانستانَ وباكستانَ ووسطِ آسيا وشبهِ القارةِ الهنديةِ، وسائرِ الجماعاتِ المبايعةِ له ومنها جماعةُ قاعدةِ الجهادِ بسائرِ فروعِها بما فيها فرعُها في العراقِ؛ دولةُ العراقِ الإسلاميةُ، يطالبون كلَ هؤلاء أن ينكثوا بيعةَ أميرِهم وأميرِ البغداديِ ومن معه، ويشقوا الصفَ، ويسايروهم فيما زعموه من خلافةٍ لم يشاوروا قبل إعلانِها إلا مجاهيلَ لا نعرفُ أسماءهم، ولا حتى كناهم التي يتخفون بها.
وأنا هنا أودُ أن أسألَ من نكث بيعتَه لأميرِ المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد حفظه اللهُ، بأيِ مبررٍ شرعيٍ نكثت تلك البيعةَ؟ وما هي المخالفةُ الشرعيةُ التي ارتكبتها الإمارةُ الإسلاميةُ حتى تحِلَ نكثُ بيعتِها؟
إن كان لديكم دليلٌ على مخالفةٍ شرعيةٍ تبررُ نكثَ البيعةِ فأبرزوه، لأننا بايعنا أميرَ الإمارةِ الإسلاميةِ على كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه صلى اللهُ عليه وسلم، فإن بدرت منه أو من الإمارةِ الإسلاميةِ مخالفةٌ شرعيةٌ واضحةٌ تبررُ نكثَ بيعتِهم نصحناهم، فإن لم يستجيبوا تركناهم، فإننا لم نبايعْهم لدنيا ولا مغنمٍ سياسيٍ.
أما أن ننكثَ بيعتَهم بغيرِ دليلٍ ولا مبررٍ شرعيٍ فهذه مخالفةٌ صريحةٌ للكتابِ والسنةِ.
وبعضُهم يبحثُ عن مبررٍ فيقولُ: إن الإمارةَ الإسلاميةَ موقفُها غيرُ واضحٍ من قضايا المسلمين، وقائلُ هذا القولِ ينكرُ التاريخَ والحقائقَ، فنحن في جماعةِ قاعدةِ الجهادِ -بفضلِ اللهِ- الدليلُ الحيُ الناطقُ على أن الإمارةَ الإسلاميةَ قد عادت أمريكا والغربَ الصليبيَ المتحالفَ معها وعملاءَها من طواغيتِ العربِ والعجمِ أشدَ العداءِ دفاعًا عن إخوانِها المهاجرين والمجاهدين، وضحى أميرُ المؤمنين الملا محمدُ عمر مجاهد -حفظه اللهُ- وسائرُ مسؤولي الإمارةِ بسلطانِهم وإمارتِهم حفاظًا على إخوانِهم المهاجرين والمجاهدين عامةً وفي جماعةِ قاعدةِ الجهادِ خاصةً، لذا فإن من يدعي أن الإمارةَ الإسلاميةَ موقفُها غيرُ واضحٍ من قضايا المسلمين ينكرُ الحقائقَ والتاريخَ، وصدق من قال:
وليس يصحُ في الأذهانِ شيءٌ إذا احتاج النهارُ إلى دليلٍ

وأميرُ المؤمنين الملا محمدُ عمر في أكثرَ من كلمةٍ يظهرُ تعاطفَه وتأييدَه لإخوانِه في فلسطينَ وفي سائرِ العالمِ الإسلاميِ.
وفي المقابلِ فإن البغداديَ لم يذكرِ المسلمين في غزةَ ولا في أفغانستانَ وباكستانَ ووزيرستانَ بكلمةٍ واحدةٍ، بينما الإمارةُ الإسلاميةُ مواقفُها الكريمةُ النبيلةُ القوليةُ والعمليةُ مستمرةٌ وواضحةٌ ومشكورةٌ.
لقد ضحى أميرُ المؤمنين الملا محمدُ عمر مجاهد -حفظه اللهُ- بسلطانِه حفاظًا على عهدِه ووعدِه، بينما ضحى البغداديُ بعهدِه طلبًا للسلطانِ، وهذا هو الفارقُ.
وأنا هنا أودُ أن أتوقفَ لأحكيَ موقفًا نبيلًا لأميرِ المؤمنين الملا محمدٍ عمر وإخوانِه وفقهم اللهُ للخيرِ ولنصرةِ المسلمين.
وذلك أنه لما قررتِ الإمارةُ الإسلاميةُ تغييرَ أسلوبِ الحربِ في بدايةِ الغزوِ الصليبيِ لأفغانستانَ من حربِ المواجهةِ التقليديةِ إلى حربِ العصاباتِ، وقررت أن تعيدَ توزيعَ قواتِها في الجبالِ والأريافِ والأطرافِ، وهو الأسلوبُ الذي أثبت نجاحَه، وكان بعد توفيقِ اللهِ سبحانه أحدَ أهمِ الأسبابِ في هزيمةِ الصليبيين في أفغانستانَ.
أقولُ: لما قررتِ الإمارةُ ذلك، قررت أن تنحازَ من قندهارَ العاصمةِ الفعليةِ للإمارةِ، ولم تقبلْ أن تسلمَ قندهارَ للصليبيين وعملائِهم، ولكن اختارت مجاهدًا سابقًا وهو الملا نقيب، الذي كان ينتمي للجمعيةِ الإسلاميةِ لتسلمَه المدينةَ، ووافق كرزاي على هذا الاتفاقِ، الذي رفضه الأمريكانُ بعد ذلك.
وفي هذه الظروفِ الشديدةِ حيثُ القصفُ ينهالُ على قندهارَ كالمطرِ، كان أميرُ المؤمنين -حفظه اللهُ- يؤجلُ تسليمَ المدينةِ يومًا بعد يومٍ لمدةِ ثلاثةِ أيامٍ، حتى اطمأنَ على خروجِ أسرِ العربِ من قندهارَ، مع ما في هذا التأجيلِ من خطرٍ شديدٍ على حياتِه وحياةِ مسؤولي وجنودِ الإمارةِ الإسلاميةِ، لأن الاتفاقَ كلَه قد ينهارُ بسببِ هذا التأجيلِ، ولما اطمأن أميرُ المؤمنين -حفظه الله- على إخلاءِ العربِ والمهاجرين لأسرِهم من قندهارَ، غادر هو وجنودُه بما فيهم المهاجرون قندهارَ.
هذا مثالٌ من الأمثلةِ العديدةِ لمآثرِ هذا البطلِ النبيلِ، الذي أسألُ اللهَ أن يثبتَه على الحقِ حتى يلقى اللهَ وهو راضٍ عنه.
ثم يأتي اليومَ متمردٌ على بيعةِ أميرِ المؤمنين، ليطالبَ الناسَ بالاقتداءِ به في التمردِ ونكثِ العهودِ.
وكان إخوانُنا في شبهِ القارةِ الهنديةِ يتعرضون للتنكيلِ المتكررِ في كشميرَ والهندِ وبورما وبنجلاديشَ، وكان كلُ همِ البغداديِ وإخوانِه أن يطالبوهم بنكثِ بيعتِهم وشقِ صفوفِ جماعتِهم.
وكان إخوانُنا في القوقازِ المسلمِ وعلى رأسِهم إخوانُنا في إمارةِ القوقازِ الإسلاميةِ، يخوضون أقسى المعاركِ، ويتعرضون للقهرِ والظلمِ الروسيِ، الذي يتصدون له من أربعةِ قرونٍ ونصفٍ، وكان كلُ همِ أبي بكرٍ البغداديِ أن يدعوُهم لشقِ صفِ إمارتِهم، ونكثِ بيعتِها، والمبادرةِ لما ادعاه دون مشورةِ المسلمين.
وفي مقابلِ هذا الموقفِ السيءِ أودُ أن أشيرَ للموقفِ النبيلِ لأميرِ المؤمنين الملا محمدٍ عمرَ مجاهد حفظه اللهُ، الذي كان رئيسَ الدولةِ الوحيدَ في العالمِ الذي اعترف بجمهوريةِ اشكيريا الإسلاميةِ، واستقبل مندوبَها الرئيسَ السابقَ الشهيدَ -كما نحسبه- زليم خان يندربي رحمه اللهُ، وقال له ولإخوانِه إن كلَ إمكاناتِ أفغانستانَ تحت تصرفِكم.
أميرُ المؤمنين يؤيدُ إخوانَه مجاهدي الشيشان بكلِ ما يستطيعُ، والبغداديُ ومجموعتُه يطالبون جنودَ إمارةِ القوقازِ الإسلاميةِ بنكثِ بيعتِها، والاقتداءِ بهم في نكثِ البيعاتِ والعهودِ.
سبحان اللهِ أي شقٍ للصفِ هذا؟ ولمصلحةِ من هذا؟
هذا لا يجوزُ للخليفةِ الشرعيِ الذي اختاره المسلمون برضاهم واتفاقِهم، لأن فيه إضعافٌ لتلك الجبهاتِ وهي في اشتباكٍ مع العدوِ، فكيف يدعو له من بايعه من لا نعرفُ، وفوجئ المجاهدون بتنصيبِه؟
أليس من مسؤوليةِ الخليفةِ أن يحفظَ بيضةِ المسلمين، ويحميَ ثغورَهم، ولكن خليفةَ هؤلاء الإخوةِ لم يكلفْ نفسَه أن يواسيَ ولو بكلمةٍ واحدةٍ إخوانَه المجاهدين الذين سبقوه على طريقِ الجهادِ بعقودٍ، ولا زالوا صامدين حتى اليومِ بنعمةِ اللهِ وفضلِه.
لم يذكرْ أو يؤيدْ هذا الخليفةُ بكلمةٍ واحدةٍ مجاهدي مغربِ الإسلامِ ولا الصومالِ ولا جزيرةِ العربِ ولا أفغانستانَ ولا غزةَ ولا شبهِ القارةِ الهنديةِ ولا الشيشانِ ولا الفلبينِ ولا إندونيسيا، وكان كلُ همِه وإخوانِه الدعوةُ لبيعتِه.
وأنا أسألُ هنا سؤالًا هامًا: لمصلحة من يصرحُ البغداديُ -وهو يزعمُ أنه خليفةٌ- بإلغاءِ الجماعاتِ الإسلاميةِ في المناطقِ التي بايعته فيها مجموعةٌ أو بعضُ الأفرادِ، ومن قَبلِه صرح ناطقُه الرسميُ بأن كلَ الجماعاتِ والإماراتِ الإسلاميةِ قد انتهت شرعيتُها بمبايعةِ مجلسِ شورى البغداديِ المجهولين له.
لمصلحةِ من يطالبُ البغداديُ -وهو يزعمُ أنه خليفةٌ- بإلغاءِ إماراتٍ وجماعاتٍ مجاهدةٍ كبيرةٍ يتراوحُ عددُ أتباعِها من الآلافِ للملايينِ، وأمضت في الجهادِ عقودًا من التضحياتِ، شاركت في الجهادِ الأفغانيِ، وبعضُها شارك في أحداثِ حماةَ أو في الانتفاضةِ الجهاديةِ على الساداتِ، أي قبل أن يشاركَ البغداديُ في الجهادِ بعقودٍ، وما زالت حتى اليومِ -بفضلِ اللهِ- صامدةً في وجهِ الكفرِ العالميِ والمحليِ، وقدمت عشراتِ الآلافِ من الشهداءِ، وأنفق الكفرُ العالميُ وعملاؤه المحليون الملياراتِ والسنينَ الطويلةَ في محاولةِ القضاءِ عليها، ولم ينجحْ بفضلِ اللهِ.
بأي كتابٍ أم بأي شريعةٍ يتجرأُ البغداديُ على أن يطالبَ بإلغاءِ الإمارةِ الإسلاميةِ في أفغانستانَ، وقد بايعها الملايينُ في أفغانستانَ وباكستانَ والهندِ ووسطِ آسيا وتركستانَ الشرقيةِ وإيرانَ وغيرِها، بل كلُ أفرعِ القاعدةِ مبايعةٌ لها، وعلى رأسِهم الإمامُ المجددُ الشيخُ أسامةُ بنُ لادنٍ رحمه اللهُ، الذي بايعها، ودعا المسلمين لبيعتِها، بل البغداديُ نفسُه كان مبايعًا لها، ثم تمرد على هذه البيعةِ ونكثَها.
كيف يتجرأُ البغداديُ على إلغاءِ إمارةِ القوقازِ الإسلاميةِ لأن مجلسَ شوراه المجهولين قد اختاروه خليفةً؟ كيف يتجرأُ على ذلك وقد بدأ مجاهدو الشيشان المرحلةَ الأخيرةَ فقط من جهادِهم من أربعةٍ وعشرين سنةٍ، ومن قبلِهم تاريخٌ من أربعةِ قرونٍ ونصفٍ من الجهادِ ضد الروسِ.
كيف يعطي من تمرد ونكث البيعةَ وعصى أميرَه معصيةً واضحةً نفسَه الحقَ في أن ينصبَه ثلاثةٌ أو أربعةٌ من المجاهيلِ خليفةً، ثم يطالبُ من سبقوه في الجهادِ بعقودٍ أن يحُلوا أنفسَهم.
هل هذا إصلاحٌ أم إفسادٌ؟ وهل هذا توحيدٌ للكلمةِ أم تفريقٌ لها؟ وهل هذا عدلٌ أم ظلمٌ؟
والبغداديُ يزعمُ أنه يحقُ له ذلك لأنه خليفةٌ، وله عليهم حقُ السمعِ والطاعةِ، وكلا المقدمتين خاطئتان، فلا هو خليفةٌ، ولا هو يحقُ له عليهم السمعُ والطاعةُ، بل هو آخرُ من يحقُ له أن يحتجَ بالسمعِ والطاعةِ، لأنه متمردٌ على السمعِ والطاعةِ، ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾.
ثم بنفسِ هذه الحُججِ المتهافتةِ يحقُ لأيِ شخصٍ آخرَ أن يُسميَ نفسَه أبا فلانٍ الحمصيَ أو الموصليَ، ويزعمُ أن أهلَ الحَلِ والعقدِ من المجاهيلِ قد اجتمعوا، وقرروا خلعَ أبي بكرٍ البغداديِ، لأن أهلَ الحلِ والعقدِ كما يجوزُ لهم عقدُ الخلافةِ يجوزُ لهم أيضًا أن يحُلوها. وإذا سُئِل من أهلُ حلِك وعقدِك؟ فيجيبُ: ومن أهلُ حلِ وعقدِ أبي بكرٍ البغداديِ؟ ويصبحُ السيفُ هو الحكمُ.
كما خرج الأمويون على العباسيين، لما أخذ العباسيون الحكمَ بالسيفِ، فهرب عبدُ الرحمنِ الداخلُ للأندلسِ، ونصب نفسَه خليفةً بالسيفِ، وأصبح للأمةِ المسلمةِ خليفتان.
ويصيرُ الأحقُ بالحكمِ من هو أشدُ تفجيرًا وتفخيخًا ونسفًا.
ثم أسألُ سؤالًا آخرَ؛ الآن الشامُ والعراقُ يتعرضان لحملةٍ صليبيةٍ شرسةٍ، تستهدفُ كلَ مجاهدٍ فيهما، بل الأمةُ المسلمةُ تتعرضُ لحملةٍ صليبيةٍ من الشيشانِ حتى مالي. فهل من مصلحةِ الإسلامِ والمسلمين أن نجمعَ المجاهدين ونؤجلَ الخلافاتِ بينهم، أم نخترعُ خلافاتٍ جديدةٍ وبحججٍ متهافتةٍ؟
هل من مصلحةِ الإسلامِ والمسلمين أن يطالبَ البغداديُ الجماعاتِ الأخرى في العراقِ والشامِ أن يحُلوا أنفسَهم بحججٍ متهافتةٍ، ويعتبرُهم عصاةً وبغاةً وخارجين على الجماعةِ، بينما القصفُ الصليبيُ يتساقطُ فوق رؤوسِهم جميعًا؟ هل هذا تصرفُ الحريصُ على وحدةِ المسلمين في مواجهةِ أعدائِهم؟
وأنا آسفٌ أن أتناولَ هذا الموضوعَ، ولكن البغداديَ ومن معه لم يتركوا لنا مجالاً للسكوتِ.
وَقُلتُ لِعارِضٍ وَأَصحابِ عارِضٍ وَرَهطِ بَني السَوداءِ وَالقَومُ شُهَّدي
عَلانِيَةً ظُنّوا بِأَلفَي مُدَجَّجٍ سَراتُهُمُ في الفارِسيِّ المُسَرَّدِ
وَقُلتُ لَهُم إِنَّ الأَحاليفَ أَصبَحَت مُطَنِّبَةً بَينَ السِتارِ فَثَهمَدِ
فَما فَتِئوا حَتّى رَأَوها مُغيرَةً كَرِجلِ الدِبى في كُلِّ رَبعٍ وَفَدفَدِ
وَلَمّا رَأَيتُ الخَيلَ قُبلاً كَأَنَّها جَرادٌ يُباري وِجهَةَ الريحِ مُغتَدي
أَمَرتُهُمُ أَمري بِمُنعَرَجِ اللِوى فَلَم يَستَبينوا النُصحَ إِلّا ضُحى الغَدِ

ثم هناك سؤالٌ هامٌ وخطيرٌ بل وفي غايةِ الخطورةِ: هل إثارةُ هذا الخلافِ الآن ونحن نواجهُ هذه الحملةَ يسرُ الأمريكانَ أم يسوءهم؟ هل تمردُ البغداديِ ومن معه على إمارةِ جماعةِ قاعدةِ الجهادِ، ونكثُهم لبيعتِها المؤكدةِ المتواترةِ منهم، وهل عصيانُهم الصريحُ لأمرِ أميرِهم، وهل تعديهم على ولايةِ الملا محمدٍ عمرَ الذي كانوا يهتفون باسمِه، وهل إعلانُهم خلافةً ببيعةِ قلةٍ من المجهولين؟ ثم دعوةُ المجاهدين لشقِ الصفوفِ ونكثِ البيعاتِ بكلِ ما يمثلُ ذلك من إثارةٍ للخلافِ والفتنِ، هل كلُ ذلك مما يسرُ الأعداءَ أم يسوءهم؟ حسبنا اللهُ ونعم الوكيلُ.
إخواني الكرام أودُ أن أوضحَ هنا أمرًا هامًا وهو؛ أننا لا نعترفُ بهذه الخلافةِ، ولا نراها خلافةً على منهاجِ النبوةِ، بل هي إمارةُ استيلاءٍ بلا شورى، ولا يلزمُ المسلمين مبايعتُها، ولا نرى أبا بكرٍ البغداديَ أهلًا للخلافةِ.
وأكررُ مرة أخرى أننا لا نعترفُ بهذه الخلافةِ، ولا نراها خلافةً على منهاجِ النبوةِ، بل هي إمارةُ استيلاءٍ بلا شورى، ولا يلزمُ المسلمين مبايعتُها، ولا نرى أبا بكرٍ البغداديَ أهلًا للخلافةِ.
وهو الأمرُ الذي أكده علماءُ الجهادِ الربانيون الثابتون على الحق، رغمَ التضحياتِ العديدةِ التي قدموها في سبيلِ اللهِ كفضيلةِ الشيخِ أبي محمدٍ المقدسيِ وفضيلةِ الشيخِ أبي قتادة الفلسطينيِ وفضيلةِ الشيخِ هاني السباعيِ وفضيلةِ الشيخِ طارقٍ عبدِ الحليمِ حفظهم اللهُ.
وأنا هنا أودُ أن أوجهَ رسالةً للأمةِ المسلمةِ، أن ما قام به البغداديُ ومن معه، لا يمثلُ الاتجاهَ العامَ للحركةِ الجهاديةِ عامةً ولجماعةِ قاعدةِ الجهادِ خاصةً، فإننا لا نسعى لأن نحكمَ المسلمين ببيعةٍ سريةٍ، ونقهرُهم بتفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ، فليس هذا ما استشهد من أجلِه مشايخُ الجهادِ -رحمهم اللهُ- على مرِ العقودِ، فإنهم قد قدموا أرواحَهم وأغلى ما يملكون لإعادةِ الخلافةِ الراشدةِ، التي تقومُ الأمةُ فيها باختيارِ إمامِها الذي تتوفرُ فيه الشروطُ الشرعيةُ، ثم تحاسبُه، خلافةٌ تقومُ على اختيارِ أهلِ الحلِ والعقدِ، والرضا والشورى، لا على ما يقولُون: أخذناها مغالبةً وغصبًا بتفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ.
أمتَنا المسلمةَ. إن اعتراضَنا على البغداديِ ومن معه في هذا الأمرِ، ليس خلافًا بين جماعتين ولا تنظيمين، ولكنه خلافٌ بين الأمةِ المسلمةِ التي تسعى لإعادةِ الخلافةِ الراشدةِ، وبين من يسعى لفرضِ الملكِ العضوضِ عليها، ويزعم أنه خلافةٌ على منهاجِ النبوةِ.
وأنا آسفٌ أن أقولَ ذلك، ولكن البغداديَ وإخوانَه هم الذين اضطرونا له.
ولكن عدمَ اعترافِنا بخلافةِ البغداديِ ورؤيتَنا لها أنها ليست خلافةً على منهاجِ النبوةِ، لا يعني أننا ننكرُ كلَ إنجازٍ له ولإخوانِه.
فلا ننكرُ أن لهم إنجازاتٍ عديدةً، كما أن لهم أخطاءَ جسيمةً.
ورغم هذه الأخطاءِ الجسيمةِ، فلو كنت في العراقِ أو في الشامِ لتعاونتُ معهم في قتالِ الصليبيين والعلمانيين والنصيريين والصفويين، رغم عدمِ اعترافي بشرعيةِ دولتِهم ناهيك عن خلافتِهم.
لأن الأمرَ أكبرُ مني ومن زعمِهم إقامةَ الخلافةِ.
إنه أمرُ أمةٍ تتعرضُ لحملةٍ صليبيةٍ شرسةٍ، يجبُ على جميعِ المجاهدين أن يتكاتفوا ويتجمعوا لصدِها.
وسأفصلُ في الحديثِ عن الموقفِ الواجبِ تجاه الحملةِ الصليبيةِ في العراقِ والشامِ، وكذلك عن المعالمِ الإساسيةِ لخلافةِ النبوةِ فيما يأتي إن شاء اللهُ.


والأمرُ الخامس: الذي أودُ التطرقَ له قبل البدءِ هو: تهنئةُ جماعةِ قاعدةِ الجهادِ في شبهِ القارةِ الهنديةِ بالعمليةِ على البحريةِ الباكستانيةِ والأمريكيةِ، والتي أكدوا في البيانِ الصادرِ بشأنِها؛ أنهم يستهدفون أمريكا لأنها المسؤولةُ عن سفكِ دماءِ المسلمين في سوريا والعراقِ واليمنِ ومالي وبورما وبنجلاديشَ وأفغانستانَ وباكستانَ والهندِ وسائرِ بلادِ المسلمين، فأسألُ اللهَ أن يباركَ في جهودِهم، وأن يجعلَها سببًا في تحريرِ المسلمين في شبهِ القارةِ الهنديةِ من القهرِ والذلِ والاستعبادِ.


والأمرُ السادسُ: الذي أودُ التطرقَ له هو: شكري لفضيلةِ الشيخِ أبي محمدٍ الداغستانيِ أميرِ إمارةِ القوقازِ الإسلاميةِ على رسالتِه الكريمةِ النبيلةِ، التي وجهها لعلماءِ الأمةِ عامةً، ولي ولأصحابِ الفضيلةِ المشايخِ أبي محمدٍ المقدسي وأبي قتادةَ الفلسطينيِ وهاني السباعيِ وطارقٍ عبدِ الحليمِ وأبي المنذرِ الشنقيطيِ خاصةً.
وقد أكرمني بهذه الرسالةِ مرتين، الأولى بحسنِ ظنِه في، والثانيةُ أن ذكرني مع هؤلاء العلماءِ الأجلةِ، وما أنا إلا محبٌ للعلمِ والعلماءِ فقط، ولستُ بعالمٍ ولا متعلمٍ.

وقد استمعتُ من قبلُ لكلمتِه الكريمةِ للإخوةِ في الشامِ، والتي حذرهم فيها من الفتنِ ومن الخوضِ في دماءِ المسلمين وأعراضِهم، والتي أنهاها بقولِه الكريم: “واعلموا أن هذه الفتنةَ لا تخمدُ حتى يتنازلَ كلُ واحدٍ منكم للآخرِ، وتجلسوا حول طاولةِ الحوارِ، وتسمعوا وتطيعوا للقيادةِ العليا أو للمحكمةِ الشرعيةِ”.
فأقولُ لفضيلةِ الشيخِ أبي محمدٍ: جزاكم اللهُ خيرَ الجزاءِ على ثقتِكم الغاليةِ، التي أرجو أن أكونَ أهلًا لها، وجزاكم اللهُ خيرَ الجزاءِ على نصيحتِكم القيمةِ لإخوانِنا المجاهدين في الشامِ العزيزِ.
فإن موقفَكم الساعيَ للإصلاحِ بين المجاهدين في هذه الفتنةِ هو موقفٌ نبيلٌ كريمٌ، وهو قدوةٌ تقتدى ومثلٌ يحتذى، وأحسبُ أنه من توفيقِ اللهِ لكم، فأكثروا من حمدِ اللهِ على هذا التوفيقِ.
وأُشهدُ اللهَ على مدى حبِي في اللهِ لكم ولسائرِ مجاهدي القوقازِ المسلمِ، ويعلمُ اللهَ مدى منزلةِ القوقازِ المسلمِ في قلبي، ولعلكم تعلمون أني قد أمضيتُ قرابةَ ستةِ أشهرٍ في داغستانَ كان معظمُها في سجنِ سيزو أدين في محج قلعة، التي أرجو أن يعيدها اللهُ وسائرَ القوقازِ المسلمِ لسلطانِ الإسلامِ، وكان ذلك بسببِ القبضِ علي وأنا في طريقي للشيشانِ.
وفي تلك المدةِ تعرفتُ على عددٍ من أفاضلِ الإخوةِ، الذين أسألُ اللهَ أن يجزيهم عني خيرَ الجزاءِ، وأرجو أن يَبْلُغَهم سلامي ودعائي.
وقد عبرتُ عن بعضِ مشاعرِ هذا الحبِ لإخواني في القوقازِ المسلمِ في فصلِ (داغستانُ- الفرجُ بعد انقطاعِ السببِ) من الطبعةِ الثانيةِ لكتابي (فرسانٌ تحت رايةِ النبيِ صلى اللهُ عليه وسلم).
وشاء اللهُ ألا أكملَ رحلتي للشيشانِ، فقد انتقلتُ بعد خروجي من السجنِ إلى أفغانستانَ العزيزةِ، حيث أحسن استقبالَنا الإمامُ المجددُ الشيخُ أسامةُ بنُ لادنٍ رحمه اللهُ، وأكرمني اللهُ بمصاحبتِه لمددٍ متعددةٍ.
ورسالتُكم الكريمةُ التي تكرمتم بذكرِ اسمي فيها هي دليلٌ على أن أمتَنا واحدةٌ وأن فرحَها وألمَها واحدٌ، وأن أخوةَ الإسلامِ باقيةٌ رغمَ كلِ محاولاتِ أعداءِ الإسلامِ لتقسيمِنا وتفريقِنا، كيف لا وقد تكفل المولى سبحانه بهذه الأخوةِ، وامتن بها على نبيِه الكريمِ صلى اللهُ عليه وسلم، حيث قال عز من قائلٍ: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ {62} وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
فأرجو منكم ألا تبخلوا علي وعلى إخواني بنصحِكم وإرشادِكم، ولا تنسَونا من دعائِكم الصالحِ بتوفيقِ اللهِ.
وأبشرُكم بأننا على أبوابِ فتحٍ عظيمٍ، ومرحلةٍ مشرقةٍ في تاريخِ الإسلامِ بإذنِ اللهِ، ولعل اللهَ ييسرُ وألتقي بكم لأستفيدَ من علمِكم وحكمتِكم، وما ذلك على اللهِ بعزيزٍ.


والأمرُ السابع الذي أودُ التطرقَ إليه قبل البدءِ في هذه السلسلةِ هو: تذكيرُ إخواني المسلمين والمجاهدين بحقِ إخوانِنا الأسرى عليهم، أولئك الصابرون المحتسبون خلف قضبانِ العزلةِ وتحت ثقلِ القيودِ، يعانون المذلةَ تضحيةً منهم ونصرةً لدينِهم وأمتِهم.
وعلى رأسِ هؤلاء الصابرين؛ أخواتُنا الأسيراتُ في كلِ مكانٍ، وخاصةً أختَنا حسناءَ أرملةَ الشيخِ أبي حمزةَ المهاجرِ -رحمه اللهُ- وأخواتِها في سجونِ الحكومةِ الصفويةِ الأمريكيةِ في العراقِ، وأختَنا عافيةَ صديقي في أمريكا، وأختَنا هيلةَ القصير وأخواتِها في جزيرةِ العربِ، وسائرِ أخواتِنا الأسيراتِ في كلِ مكانٍ.
فأطلبُ من إخواني الذين لديهم رهائنُ يفاوضون عليهم، أن يجعلوا في مقدمةِ مطالبِهم أخواتِهم الأسيراتِ، وألا يتنازلوا عن ذلك ما أمكنهم، إلا أن تلجئَهم لذلك ضرورةٌ ملجئةٌ أو حاجةٌ ماسةٌ، ولو أمضى الرهينةُ عندهم ألفَ عامٍ، ولو أسروا في مقابلِ فكاكِ كلِ أختٍ من أخواتِنا ألفَ أسيرٍ.
وأنا هنا أحيي إخوانَنا في خراسانَ، الذين كان من مطالبِهم -للإفراجِ عن الأمريكيِ وارن وينشتاين- الإفراجُ عن أسرانا ومنهم أختانا عافيةُ صديقي وحسناءُ أرملةُ الشيخِ أبي حمزةَ المهاجرِ رحمه اللهُ.
وكذلك أحيي بالإكبارِ والاحترامِ والتقديرِ والثناءِ والشكرِ والدعاء إخواننا في جبهة النصرة نصر اللهُ بهم دينَه، وأعاد بجهادِهم وجهادِ إخوانِهم أسودِ الإسلامِ في كلِ مكانٍ الخلافةَ على منهاجِ النبوةِ، التي تقومُ على التحاكمِ للشريعةِ التي تسري على القويِ والضعيفِ والأميرِ والمأمورِ، وتقومُ على الشورى والرضا وحفظِ حرماتِ المسلمين والوفاءِ بالعهودِ والصدقِ والتمسكِ بالعقيدةِ الصافيةِ بعيدًا عن تفريطِ المتنازلين وإفراطِ الغالين، وبعيدًا عن تسخيرِ التكفيرِ للتفجيرِ للتطهيرِ لطريقِ مطامعِ السلطةِ ونهمِ الملكِ والتسلطِ، فحيا اللهُ أسودَ النصرةِ، الذين بادلوا براهباتِ معلولا مئةً واثنتين وخمسين أسيرةً من أخواتِنا، منهن أمٌ وأربعةُ أطفالٍ، كن في سجونِ المجرمِ بشارِ، وحيا اللهُ أسودَ جبهةِ النصرةِ، الذين يطالبون الآن بالإفراج عن أخواتِنا الأسيراتِ لدى الحكومةِ اللبنانيةِ، فجزاهم اللهُ عن الإسلامِ والمسلمين خيرَ الجزاءِ، ووفقهم اللهُ للإفراجِ عن أسرى المسلمين وأسيراتِهم. فقد ضربوا قدوةً طيبةً تحتذى ومثلًا يقتفى، أسألُ اللهَ أن يرزقَهم الإخلاصَ في القولِ والعملِ، ويتقبلَ منهم، ويمكنَ لهم دينَهم الذي ارتضى لهم.
كما أذكرُ إخوانَنا المجاهدين والمسلمين في كلِ مكانٍ بإخوانِنا الأسرى لدى أمريكا، وعلى رأسِهم شيخُنا وقدوتُنا الأسدُ المقيدُ والليثُ المصفدُ أستاذُنا الشيخُ عمرُ عبدُ الرحمنِ حفظه اللهُ، وعجل بتفريجِ كربِه، ذلك الأسدُ الهصورُ الذي وقف أمامَ القاضي -والنيابةُ تطالبُ بإعدامِه- فلم يتزعزعْ ولم يتنازلْ، ولم يتراجعْ، وصاح فيه بصوتِه الجهوريِ الذي كان يهُزُ القاعةَ هزًا، ويهُزُ قبلها عروشَ الطواغيتِ: “أيها المستشارُ رئيسُ محكمةِ أمنِ الدولةِ العليا: لقد أُقيمتِ الحجةُ، وظهر الحقُ، وبان الصبحُ لذي عينين، فعليك أن تحكمَ بشريعةِ اللهِ، وأن تطبقَ أحكامَ اللهِ، فإنك إن لم تفعلْ فأنت الكافرُ الظالمُ الفاسقُ”.
وأذكرُهم بأخينا خالدٍ شيخ محمد –فك اللهُ أسره- مديرِ الغزواتِ الاستشهاديةِ التاريخيةِ على البنتاجون وبرجي التجارةِ وبنسلفانيا.
وأذكرُهم بإخوانِنا الأسرى لدى الصفويين الرافضةِ، وسائرِ أسرانا لدى أنظمةِ الطواغيتِ في أفغانستانَ وجزيرةِ العربِ وروسيا ومغربِ الإسلامِ والشامِ والعراقِ والصومالِ وفي كلِ مكانٍ.
فيا إخوةَ الجهادِ والإسلامِ لا سبيلَ لتحريرِ أخواتِنا وإخوانِنا الأسرى إلا بالقوةِ، فاستعينوا باللهِ ولا تعجزوا.


وأكتفي بهذا القدرِ، وألقاكم في الحلقةِ القادمةِ إن شاء اللهُ.
وآخر دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِ العالمين، وصلى اللهُ علي سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبِه وسلم.
والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتِه.

جمادى الآخرة 1436هـ

الربيع الإسلامي | الحلقة الثانية

بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وآلهِ وصحبِهِ ومن والاهُ،
أيها الإخوةُ المسلمونَ في كلِ مكانٍ السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ،
وبعدُ،
فهذه هي الحلقةُ الثانيةُ من حلقاتِ (الربيعِ الإسلاميِ)، وهي السلسلةُ التي أودُ أن أتحدثَ لكم فيها عن انتصارِ الإسلامِ المقبلِ بإذنِ اللهِ، فإن الأمةَ المسلمةَ في بحثِها عن الخلاصِ من الذلِ والهوانِ والهزيمةِ والتبعيةِ والانحطاطِ الخلقيِ والتفسخِ الاجتماعيِ والفسادِ السياسيِ والتدهورِ الاقتصاديِ قد اكتشفت أن السرابَ الذي خُدع به البعضُ باسمِ الربيعِ العربيِ قد أعادها لهاويةِ الظلمِ والفسادِ مرةً أخرى، وبصورةٍ أشدُ وأقسى، وانتهى لانتصارِ قوى الشرِ التي تمنتِ الأمةُ إزالتَها، واكتشفتِ الأمةُ أن طريقَ العلمانيةِ وحاكميةِ الجماهيرِ واستبدادِ الهوى والدولةِ الوطنيةِ والرابطةِ القوميةِ -الذي دفعتها فيه العديدُ من الحركاتِ المنتسبةِ للعملِ الإسلاميِ- لم يوصلْها إلا لخسارةِ الدينِ والدنيا.
ولعله اتضح الآن للأمةِ أن طريقَ المجاهدين والدعاةِ المخلصين -الذين نصحوها وحذروها بأن طريقَ الخلاصِ هو طريقُ الدعوةِ والجهادِ، لعله تبين لها أنه الطريقُ الصحيحُ الذي دلت عليه نصوصُ الكتابِ والسنةِ الصحيحةِ وبراهينُ الواقعِ والتاريخِ الصريحةِ.
ولذا فعلى المجاهدين الصادقين والدعاةِ المخلصين أن يبينوا للأمةِ هذه القضيةَ أوضحَ بيانٍ، ويوضحوها لها بأجلى إظهارٍ وأتمِ تجليةٍ، حتى تهتديَ إلى خلاصِها على بينةٍ ونورٍ من كتابِ ربِها وسنةِ نبيِها صلى اللهُ عليه وسلم.
وأحسبُ أن هناك قضيتين أخريين على المجاهدين الصادقين والدعاةِ المخلصين أن يبينوهما للأمةِ:
الأولى: أن الحركاتِ الجهاديةِ الدعويةِ التي تجاهدُ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، لا تسعى لتكفيرِ عوامِ الأمةِ والبحثِ عن إخراجِهم من الملةِ بأيةِ شبهةٍ وكثيرًا بأدنى شبهةٍ، وربما بعكسِ الشبهةِ، بل وأحيانًا بالطاعةِ والقربى.

ثم القضيةُ الثانيةُ: أن الصحوةَ الجهاديةَ تسعى لإقامةِ خلافةٍ راشدةٍ على منهاجِ النبوةِ، ولا تسعى لإعادةِ الملكِ العضوضِ، الذي وصل للحكمِ عبر بحارٍ من دماءِ المسلمين وتلالٍ من جماجِمِهم وأشلائِهم، أي بعبارةٍ أوضح؛ إننا نريدُ حكمَ الخلفاءِ الراشدين، الذين أمرنا النبيُ -صلى اللهُ عليه وسلم- بأن نَعَضَ على سنتِهم بالنواجذِ، فقال صلى اللهُ عليه وسلم: “أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ”.
نريدُ الحكمَ الذي يسيرُ على منهجِ الخلفاءِ الراشدين -رضي اللهُ عنهم- الذين تُوفي النبيُ -صلى اللهُ عليه وسلم- وهو عنهم راض، لا الحكمَ الذي يهتدي بالحجاجِ بن يوسُفَ وأبي مسلمٍ الخراسانيِ، لا نريدُ الحكمَ الذي يقول أصحابُه وهم يلوحون بسيوفِهم: “هذا أميرُ المؤمنين، فإن مات فهذا، فمن أبى فهذا”. ولا الذي يقولُ أصحابُه: “إنه من نازعنا عروةَ هذا القميصِ أجزرناه خبيءَ هذا الغمدِ”. أو الذي يقولُ بطلُه: “إن الحزمَ والعزمَ سلباني سوطي وأبدلاني به سيفي فقائمُه في يديِ ونِجَادُه في عنقي وذُبابُه قِلادةٌ لمن عصاني”. ولا الذي يقولُ زاعمُه: “أخذناها بحدِ السيفِ قهرًا، بتفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ”.
على الدعاةِ الصادقين أن يبينوا للأمةِ أن الحكمَ الذي ينبغي الوصولُ له هو حكمُ الشريعةِ التي أمرتنا بالشورى، وجعلت للأمةِ حق اختيارِ حكامِها ومحاسبتِهم، وعلى الدعاةِ الصادقين أن يبينوا للأمةِ خطأَ دعوتي الإفراطِ والتفريطِ.
فإحداهما دعوةُ بعضِ الحركاتِ المنتسبةِ للإسلامِ مثلِ تيارِ الإخوانِ المسلمين وتيارِ السلفيةِ الخادمِ للسيسي، الذين يروجون لمنهجِ الوصولِ للشريعةِ عبر تحكيمِ غيرِ الشريعةِ.
والدعوةُ الأخرى دعوةُ من يدعو لإقامةِ الخلافةِ الإسلاميةِ ببيعةٍ سريةٍ يعقِدُها مجاهيلُ لرجلٍ لم تختره الأمةُ ولم ترضَه، ثم يفاجئونها بأنه قد جاءك خليفةٌ من حيث لا تدرين ولا تحتسبين، عليك أن تطيعيه، وإلا فجزاءُ من يخالفُه فلقُ رأسِه بالرصاصِ وإخراجُ ما فيه كائنًا من كان ولا كرامةَ، لأن المجاهيلَ الذين فرضوا أنفسَهم على الأمةِ قد وصلوا لتلك الخلافةِ مغالبةً وغصبًا بتفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ. وأن كلَ دورِ الأمةِ وأهلِ حلِها وعقدِها وأهلِ الجهادِ والدعوةِ والفضلِ فيها أن يتابعوا وسائلَ الإعلامِ ليعلموا من هو الخليفةُ؟ وبماذا يأمرُهم؟ ومن ولاه عليهم؟ ومن لم يتابعْ وسائلَ الإعلامِ فلا يلومن إلا نفسَه.
على الدعاةِ الصادقين أن يبينوا ما هي خلافةُ النبوةِ بيانًا واضحًا، وما الفرقُ بينها وبين الملكِ العضوضِ الذي حذر منه النبيُ صلى اللهُ عليه وسلم، حيث قال: “أولُ من يغيرُ سنتي رجلٌ من بني أميةَ”. حسنه الشيخُ الألبانيُ رحمه اللهُ، وقال: “ولعل المرادَ بالحديثِ تغييرُ نظامِ اختيارِ الخليفةِ، وجعلُه وراثةً”. فجعل النبيُ -صلى اللهُ عليه وسلم- من سلب الخلافةَ بالغصبِ والمغالبةِ مغيرًا لسنتِه، فكيف يزعمُ اليومَ من يفتخرُ بأنه أخذها مغالبةً وغصبًا بأنه على منهاجِ النبوةِ؟
إن الغلبةَ والغصبَ هما سمةُ الملكِ العضوضِ، الذي كان سببًا في سقوطِ الخلافةِ وانهيارِها وانحدارِها ثم هزيمةِ الأمةِ المسلمةِ.
وسأتناولُ في الحلقةِ القادمةِ -إن شاء اللهُ- بعضَ المعالمِ الأساسيةِ لخلافةِ النبوةِ.
لا بد أن نعلمَ لماذا سقطتِ الخلافةُ ولماذا انحدرت. ولماذا انهزمت؟
إننا لم نستيقظْ من النومِ فجأةً لنجدَ الخلافةَ وقد سقطت تحت ضرباتِ جيوشِ الحلفاءِ في الحربِ العالميةِ الأولى، ولكنها مفاسدُ الملكِ العضوضِ، الذي نخر في عظامِ الأمةِ حتى انهارت، ولولا أهلُ الخيرِ في هذه الأمةِ من العلماءِ والربانيين والمجاهدين والصالحين، لانهارت تلك الأمةُ سريعًا، وما استطاعت أن تصمدَ أربعةَ عشرَ قرنًا.
لقد كانتِ الخلافةُ تواجهُ قوىً عظمى أضعفُ من القوى العظمى الإجراميةِ اليومَ.
ولكننا اليومَ نواجهُ أشدَ حملةٍ صليبيةٍ في التاريخِ، والقوى التي نواجهُها هي أكثرُ منا تفوقًا بآلافِ المراتِ, كما أن الأمةَ اليومَ أضعفُ علميًا وإيمانيًا وجهاديًا منها في القرونِ الأولى، فإن لم ننتبهْ لعواملِ الإفسادِ التي أسقطتِ الخلافةُ من قبل، فسيكونُ سقوطُنا -هذه المرةُ- أسرعَ وأبشعَ وأقسى.
لقد سقطتِ الخلافةُ لانحدارِها من الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ إلى الملكِ العضوضِ، الذي يقومُ على سلبِ حقِ المسلمين في الشورى والاستبدادِ والظلمِ والتعدي على الحرماتِ وتحريمِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ.
قال النبي صلى اللهُ عليه وسلم: “لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ، عُرْوَةً عُرْوَةً، فكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ، تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ”.
فتبشيرًا بالخلافةِ على منهاجِ النبوةِ وتنفيرًا من الجورِ والفسادِ والإفسادِ أودُ أن أطوفَ مع إخواني الكرامِ في هذه السلسلةِ على بلادِ الإسلامِ، لأبشرَهم بأن الربيعَ الحقيقيَ هو ربيعُ الإسلامِ المنتصرُ القادمُ لا محالةَ بإذنِ اللهِ.
وأن الأمةَ المسلمةَ تمرُ بصحوةٍ جهاديةٍ عارمةٍ لا تتركُ منها موقعًا إلا أحيته، وبثت فيه روحًا جديدةً وحياةً أخرى، تمحو وتنسخُ عهدًا من الذلِ والخنوعِ والاستسلامِ والتبعيةِ، وتُنْشِئُ وتمهدُ لعهدٍ من حاكميةِ الشريعةِ والعدلِ والشورى وتحريرِ ديارِ المسلمين بإذنِ اللهِ.
ولا ريبَ أن الأممَ كالناسِ لا بد لها في نموِها ونقاهتِها وتعافيها من مشاكلَ كمشاكلِ الإنسانِ وهو ينتقلُ من مرحلةٍ لمرحلةٍ، فرأينا في هذه المرحلةِ تجاربَ فاشلةً مشوهةً كتجربةِ انتكاسةِ الجماعةِ الإسلاميةِ المسلحةِ في الجزائرِ وتجربةِ التقاتلِ الداخليِ بين المجاهدين عقبَ انسحابِ الروسِ من أفغانستانَ، وتجربةِ فتنةِ الاقتتالِ بين المجاهدين في الشامِ، وما تمخض عنه من دعوى الخلافةِ بغيرِ مشورةِ المسلمين، ولكن الخطَ العامَ للأمةِ المسلمةِ في نموٍ وتصاعدٍ بإذنِ اللهِ.
وبعد كلِ كبوةٍ تقومُ الأمةُ أشدَ عودًا وأصلبَ عزيمةً وأصحَ وجهةً، فبعد القتالِ الداخليِ في أفغانستانَ جاءتِ الإمارةُ الإسلاميةُ، وبعد انتكاسةِ الجماعةِ الإسلاميةِ المسلحةِ جاءتِ الجماعةُ السلفيةُ للدعوةِ والقتالِ، التي انضمت لركبِ الجهادِ المباركِ والوحدةِ الميمونةِ، فأصبحت تنظيمَ القاعدةِ ببلادِ المغربِ الإسلاميِ.
وبعد الفتنةِ في الشامِ سيقومُ الجهادُ الشاميُ أصلبَ عودًا وأصحَ وجهةً وأشدَ عزيمةً بإذنِ اللهِ، ليقيمَ دولةً إسلاميةً تنشرُ العدلَ، وتبسطُ الشورى، ويتفقُ عليها المجاهدون والمسلمون بمشيئةِ اللهِ.


ولكني قبل التعرضِ لبلادِ الربيعِ الإسلاميِ، فلا يسعُني أن أبدأَ الحديثَ -دون التوقفِ عند الحملةِ الصليبيةِ الصفويةِ العلمانيةِ، التي تُشنُ اليومَ على العراقِ والشامِ.


إخواني الكرامَ.
إن الحملةَ الصليبيةَ الشرسةَ التي تُشن على العراقِ والشامِ اليومَ هي جزءٌ من حملةٍ صليبيةٍ شرسةٍ تمتدُ من الفلبينِ حتى غربِ إفريقيا ومن الشيشانِ حتى الصومالِ وإفريقيا الوسطى، ومن تركستانَ الشرقيةِ حتى وزيرستانَ وأفغانستانَ.
إنها الحربُ على الإسلامِ باسمِ الحربِ على الإرهابِ.
وحتى الحملةِ الصليبيةِ التي تدورُ رحاها اليومَ في الشامِ والعراقِ، ليس المقصودُ منها جماعةً بعينِها، ولكن المقصودَ الحقيقيَ هو الانتفاضةُ الجهاديةُ للأمةِ المسلمةِ في وجهِ أعدائِها.
بهذا المفهومِ الشاملِ الواعي يجبُ أن نفهمَ هذه الحملةَ، وبه يجبُ أن نتصدى لها.
إنها حملةٌ تخطى فيها الأعداءُ خلافاتِهم ضدنا، فعلينا أن نصطفَ صفًا واحدًا في مواجهتِها.
وأودُ أن أطرحَ بين يدي إخواني دعوةً لتعاونِ المجاهدين في العراقِ والشامِ، ولكني قبلها أودُ أن أوضحَ أمرًا هامًا، ألا وهو أن عدمَ اعترافِنا بادعاءِ البغداديِ للخلافةِ، ورؤيتَنا لها أنها ليست خلافةً على منهاجِ النبوةِ، لا يعني أننا ننكرُ كلَ إنجازٍ له ولإخوانِه.
فإذا أقاموا المحاكمَ الشرعيةَ فيما بينهم فنحن نؤيدُهم.
ولكن إذا تهربوا من التحاكمِ للشريعةِ فيما بينهم وبين غيرِهم من الجماعاتِ بشتى الحيلِ فنحن ضدهم.
وإذا قتلوا أكابرَ المجرمين فنحن معهم.
ولكن إذا قالوا لم نؤمرْ ولم نُستأمرْ في قتلِ أبي خالدٍ السوريِ -رحمه اللهُ- فنحن ضدهم.
وإذا قاتلوا الصليبيين والرافضةَ والعلمانيين فنحن معهم.
ولكن إذا استولَوا على مقراتِ المجاهدين وفجروها واستولَوا على أموالِ الهيئاتِ الشرعيةِ فنحن ضدهم.
وإذا نشروا المدارسَ وحلقاتِ العلمِ وهيئاتِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ فنحن معهم.
ولكن إذا افترَوا على المجاهدين وعلينا بالكذبِ والزورِ والبهتانِ، وزعموا أننا علمانيون وإخوانٌ ونطبقُ سياسةَ سايكس وبيكو، وأننا مثلُ الزانيةِ التي تُخفي حملَها وهي في الشهرِ التاسعِ فنحن ضدهم.
وإذا فكوا أسارى المسلمين وأخرجوهم من السجونِ فنحن معهم.
ولكن إذا قتلوا أسيرًا كافرًا أسلم فنحن ضدهم.
وإذا أشادوا بأميرِ المؤمنين الملا محمدٍ عمر حفظه اللهُ، وهتفوا باسمِه قبلًا، فنحن معهم.
ولكن إذا نكثوا بيعتَهم للقاعدةِ ولأميرِ المؤمنين الملا محمد عمر حفظه اللهُ، وكذَبوا على أبي حمزةَ المهاجرِ -رحمه اللهُ- ثم كذبوا على أنفسِهم وعلى إقراراتِهم الموثقةِ، وزعموا أن لم تكن ثمةَ بيعةٌ، فنحن ضدهم.
وإذا أيدوا وساعدوا إخوانَهم المسلمين في أي مكانٍ فنحن معهم.
ولكن إذا سعَوا لشقِ صفِ الجماعاتِ المجاهدةِ بدعوى الخلافةِ، التي لم تثبتْ فنحن ضدهم.
وإذا دعَوا لإحياءِ الخلافةِ فنحن معهم.
ولكن إن أرادوا أن يفرضوا على المسلمين خلافةً بلا شورى بل بالقهرِ وبتفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ فنحن ضدهم.
وإن ظلمونا أنصفناهم.
وإن عصَوا الله فينا أطعناه -بعونه- فيهم.
ورغم هذه الأخطاءِ الجسيمةِ، فإني أدعو جميعَ المجاهدين في الشامِ والعراق لأن يتعاونوا وينسقوا جهودَهم ليقفوا صفًا واحدًا في مواجهةِ الصليبيين والعلمانيين والنصيريين والصفويين، حتى وإن كانوا لا يعترفون بشرعيةِ دولةِ البغداديِ ومجموعتِه ناهيك عن خلافتِهم.
لأن الأمرَ أكبرُ من عدم الاعتراف بشرعية دولتهم أو من زعمِهم إقامةَ الخلافةِ.
إنه أمرُ أمةٍ تتعرضُ لحملةٍ صليبيةٍ شرسةٍ يجبُ أن نهبَ لدفعِ صائلِها.
وأنا هنا أؤكدُ تأكيدًا لا لبسَ فيه ولا شبهةَ أنه إذا كان القتالُ بين الصليبيين والصفويين والعلمانيين وبين أيةِ طائفة من المسلمين والمجاهدين بما فيهم طائفةُ أبي بكرٍ البغداديِ ومن معه، فإن خيارَنا الأوحدَ هو الوقوفُ مع المسلمين المجاهدين، حتى وإن ظلمونا وافترَوا علينا ونقضوا العهودَ وسلبوا الأمةَ والمجاهدين حقَهم في الشورى واختيارِ خليفتِهم، وتهربوا عند التخاصمِ من التحاكمِ للشريعةِ.
إننا دعونا وندعو -بفضلِ اللهِ- دائمًا إلى نصرةِ المسلمين المجاهدين في كلِ مكانٍ، وإننا وإذ ندعو للتعاونِ مع أبي بكرٍ البغداديِ وإخوانِه -ضد الحملةِ الصليبيةِ الصفوية العلمانية النصيرية- لا ندعو لذلك لأنه خليفةُ المسلمين ولا لإنه ومن معه يمثلون دولةَ الخلافةِ، فتلك دعوى لم تثبتْ، ولكننا ندعو للتعاون معهم ضد أعداءِ الإسلامِ دفعًا لصيالِ أعداءِ الإسلامِ على المسلمين، وحينما ندعو لنصرةِ إخوانِنا في جبهةِ النصرةِ، لا ندعو لذلك لأنهم إخوانُنا وشركاؤنا في جماعةِ قاعدةِ الجهادِ، الذين نعتزُ بهم، بل ندعو لذلك لأنهم من المسلمين والمجاهدين، وحينما ندعو لنصرةِ جماعاتِ المجاهدين في الشامِ والعراقِ لا ندعو لذلك لموافقةٍ لنا أو مخالفةٍ، بل ندعو له لأنه الواجبُ العينيُ الذي فرضه الإسلامُ علينا، يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
إن خيارَنا واضحٌ وساطعٌ كشعاعِ الشمسِ وظاهرٌ وفاصلٌ كحدِ السيفِ؛ إننا مع كلِ مجاهدٍ في العراقِ والشامِ، بل ومع كلِ مسلمٍ مجاهدٍ من تركستانَ الشرقيةِ حتى مالي، ومن قممِ القوقازِ حتى أحراشِ إفريقيا، ومن إندونيسيا حتى نيجيريا، نحن معهم ضد أعداءِ الإسلامِ من الصليبيين والعلمانيين والرافضةِ الصفويين والروسِ الملحدين والهندوسِ المشركين والصينيين الكافرين، ندعمُهم ونؤيدُهم وننصرُهم، سواءً أحسنوا إلينا أم أسأوا، أنصفونا أم ظلمونا.
ولكننا لسنا معهم إذا تهربوا من التحاكمِ للشريعةِ، أو كفروا المسلمين أو افترَوا عليهم، أو نكثوا عهودَهم، أو سعَوا في شقِ صفِهم، أو استباحوا حرماتِهم.
كما أننا نحسنُ الظنَ بالأكثريةِ العظمى من المجاهدين في الشامِ والعراقِ وسائرِ بلادِ المسلمين، ونحسبُ أنهم نفروا نصرةً لدينِهم وسعيًا في تحكيمِ شريعةِ ربِهم وإعادةِ خلافةٍ على منهاجِ النبوةِ، أسألُ اللهَ أن يتقبلَ صالحَ عملِهم ويغفرَ لهم ويرزقَهم عزَ الدنيا وفوزَ الآخرة، كما نحسبُ أن الفسادَ في تلك الحركاتِ معظمُه أو أكثرُه في قلةٍ قليلةٍ متحكمةٍ خلطت عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا. أسألُ اللهَ أن يغفرَ لنا ولهم، ويهديَنا ويهديَهم، ويجمعَ بيننا وبينهم على ما يحبُ ويرضى.


وبعد هذا التوضيحِ أودُ أن أنتقلَ من الدعوةِ العامةِ إلى إجراءاتٍ عمليةٍ أدعو لها إخواني المسلمين والمجاهدين لنصرةِ المسلمين في الشامِ والعراقِ ضد الحملةِ الصليبيةِ الصفويةِ العلمانيةِ.
وأقسمُ هذه الإجراءاتِ التي أدعو لها لإجراءاتٍ خارجَ إقليمي الشامِ والعراقِ، وأخرى داخليةٍ:
فأما الإجراءاتُ الخارجيةُ فإني أدعو كلَ مسلمٍ يستطيعُ أن ينكيَ في دولِ التحالفِ الصليبيِ أن لا يترددَ في ذلك. لماذا؟
لأن دولَ الغربِ الصليبيِ هي التي تقودُ هذه الحملةَ، والباقون يأتمرون بأمرِها، فإذا ضربنا الرأسَ سقط الجناحان والجسمُ، وإذا وصلتِ الحربُ لعقرِ دارِ أكابرِ المجرمين، لأوقفوا الحربَ وأعادوا مراجعةَ سياساتِهم بإذنِ اللهِ.
فأرى أننا يجبُ أن نركزَ الآن على نقلِ الحربِ لعقرِ دارِ ومدنِ ومرافقِ الغربِ الصليبيِ وعلى رأسِه أمريكا.
يجبُ أن يعلموا أنهم كما يَقْصِفون يُقْصَفون، وكما يَقْتُلون يُقْتلون، وكما يَجْرَحُون يُجْرَحُون، وكما يُدمِرون ويَحرِقون ويُبيدون، يُدمرَون ويُحرَقون ويبادون.
يجب أن يعلموا أن الحربَ قسمةٌ مشتركةٌ، وأن الجزاءَ من جنسِ العملِ.
وأحسبُ أن العديدَ من الشبابِ المسلمِ يتلهفون للنفيرِ لساحاتِ الجهادِ، ويتألمون من صورِ القتلِ والدمارِ في أفغانستانَ ووزيرستانَ والعراقِ والشامِ وفِلسطينَ واليمنِ والصومالِ وكشميرَ والشيشانِ وسائرِ ديارِ المسلمين.
وأحسبُ أن الكثيرَ منهم يتمنى عمليةً استشهاديةً لنصرةِ الدينِ، فلماذا لا يقومُ بها في عقرِ دارِ الغربِ الصليبيِ، وفي مدنِه ومرافقِه ومراكزِه الاقتصاديةِ والصناعيةِ والماليةِ؟
إن العمليةَ الاستشهاديةَ لا تحتاجُ دائمًا لمتفجراتٍ، وحتى إن احتاجت لمتفجراتٍ فليس بالضرورةِ أن تكونَ متفجراتٍ تقليديةٍ، وهناك وسائلُ عديدةٌ غيرُ المتفجراتِ يمكنُ التفكيرُ فيها وتجربتُها والبحثُ عنها وابتكارُها.
لقد ضرب الإخوةُ الأبطالُ رمزي يوسفُ وإخوانُه ومحمدٌ عطا ونسورُه الاستشهاديةُ ومحمدٌ صديقُ خان وشهزاد تنوير ونضالُ حسن وعمرُ الفاروق والأخوان تامرلان وجوهر تسارنايف ومحمدُ مراح ثم أخيرًا فرسانُ غزوةِ باريسَ الصناديدُ أمثلةً راقيةً في هذا المضمارِ، فلماذا لا نواصلُ في هذه الجبهةِ الخطيرةِ؟ ونزيدُها حتى تكونَ جبهاتٍ وجبهاتٍ.
قد لا يحتاجُ الأمرُ منك للنفيرِ لساحاتِ الجهادِ، فقد تكونُ ساحةُ الجهادِ على بعد خُطواتٍ منك، بل قد يكونُ السعيُ في النفيرِ لساحاتِ الجهادِ يكْشِفُك لأجهزةِ الأمنِ الصليبيةِ، فاستعنْ باللهِ ولا تعجزْ، ولعل في شريطِ مؤسسةِ السحابِ (فقاتلْ في سبيلِ اللهِ لا تكلفُ إلا نفسَك) وفي أعدادِ مجلةِ (حرض) أو (إنسباير)، التي تصدرُها مؤسسةُ الملاحمِ من تنظيمِ القاعدةِ في جزيرةِ العربِ إثراءً لأفكارِ هذه الوسائلِ.
أيها المجاهدُ المسلمُ في بلادِ الغربِ الصليبيِ تعلمْ ما هي الضوابطُ الشرعيةُ في القتالِ، ثم ابحثْ عن أهدافِك التي تجيزُ الشريعةُ ضربَها، وفتشْ عن الوسائلِ المناسبةِ، وابذلْ وسعَك في الإعداد، وتكتمْ أمرَك عن أقربِ الناسِ إليك، واحذرِ من الجواسيسِ المندسين وسطَ المسلمين، ثم اعقدْ عزمَك، وتقدمْ منصورًا بإذنِ اللهِ.
وهنا يجبُ عليَّ أن أحييَ إخوانيَ المسلمين في أكنافِ بيتِ المقدسِ، الذين يُنكون في الغزاةِ الصهاينةِ بأبسطِ الأسلحةِ، فقد قاموا بالفريضةِ الواجبةِ، وضربوا مثلًا وقدوةً لأمتِهم، على رغمِ استضعافِهم وقلةِ حيلتِهم.


وأما الإجراءاتُ داخلَ إقليمي العراقِ والشامِ:
فأدعو جميعَ المجاهدين في إقليمي العراقِ والشامِ لأن يتعاونوا ويساعدُ بعضُهم بعضًا، حتى يصيرَ الإقليمان ساحةَ معركةٍ واحدةٍ، وميدانَ جهادٍ واحدٍ، يتحركُ فيه المجاهدون بحريةٍ ويناورون فيه بقواتِهم، ويخزنون فيه معداتِهم وآلياتِهم، ويداوون فيه جرحاهم، ويؤون أسرَهم، ويحصلون منه على مددِهم ومؤنتِهم وذخيرتِهم.
وبهذا تتعقدُ مهمةُ الحربِ على التحالفِ الصليبيِ الصهيونيِ العلمانيِ.
ولكن لكي نكونَ واقعيين ولا نحلقَ في أجواءِ العاطفةِ بعيدًا عن ميدانِ الواقعِ، فيجبُ أن نعترفَ أن تلك الأمنيةُ يصعبُ تحقيقُها حاليًا بسببِ أزمةِ الثقةِ الشديدةِ، التي استشرت بين المجاهدين، بسببِ الفتنةِ التي وقعت في الشامِ والعراقِ، ونتج عنها سبعةُ آلافِ قتيلٍ وأضعافُهم من الجرحى، وتمادت حتى وصلت لإعلانِ خلافةٍ من قلةٍ مجهولةٍ لخليفةٍ لم ترضَ به الأكثريةُ الكاثرةُ من المجاهدين فضلًا عن غيرِهم من المسلمين، وزادتِ الأمرَ تعقيدًا دعوةُ البعضِ لوجوبِ مبايعةِ الخليفةِ المزعومِ لانتهاءِ شرعيةِ كلِ الجماعاتِ والإماراتِ، وتحريضُهم لأتباعِهم على فلقِ رأسِ كلِ مخالفٍ بالرصاصِ وإخراجِ ما فيه.
فهذا التاريخُ المؤلمُ قد يعوقُ هذا التعاونَ بسببِ التجاربِ المريرةِ التي وقعت بين المجاهدين، والتي قد تجعلُ البعضَ منهم يتخوفُ من إدخالِ قواتِ أو معداتِ طرفٍ آخرَ لمناطقِه.
فلا بد إذن من إجراءاتٍ عاجلةٍ لإعادةِ الثقةِ بين المجاهدين، حتى يتسنى لهم تحقيقُ التعاونِ التامِ في جهادِ الحملةِ الصليبيةِ الصفويةِ العلمانيةِ على العراقِ والشامِ.

فأولُ هذه الإجراءاتِ التي أدعو المجاهدين في إقليمي العراقِ والشامِ لها هي:
إيقافُ القتالِ فورًا بين جماعاتِ المجاهدين.

وثاني هذه الإجراءاتِ: إيقافُ الدعواتِ الداعيةِ لقتلِ المخالفِ وفلقِ رأسِه بالرصاصِ بدعوى شقِ الصفِ وما أشبهِها من الخرافاتِ المفرقةِ لصفِ المسلمين، في وقتٍ هم أحوجُ الناسِ فيه لتوحيدِ جهودِهم وحشدِ كلِ طاقاتِهم، في وجهِ عدوٍ مجتمعٍ عليهم من مشارقِ الأرضِ ومغاربِها.

إن إثارةَ الفتنةِ والخلافِ بين المجاهدين في الشامِ والعراقِ كانت ضربةً عنيفةً للجهادِ فيهما، ولا شك أن هذا يصبُ تمامًا في مصلحةِ أعداءِ الإسلامِ.
إخواني المجاهدين في كلِ مكانٍ. إن الحربَ الصليبيةَ التي تُشنُ علينا طويلةٌ وممتدةٌ، ونحن بحاجةٍ لأن نخوضَها متحدين، لا أن نبدأَها متحاربين متخالفين.
لقد كنا من قبلُ متحدين بفضلِ اللهِ، فقد كانت كلُ الجماعاتِ الجهاديةِ أو أكثرُها إما مبايعةً أو مواليةً للملا محمد عمر حفظه اللهُ ولجماعةِ قاعدةِ الجهادِ، حتى جاء أبو بكرٍ البغداديُ وإخوانُه، فتهربوا من التحاكمِ للمحكمةِ الشرعيةِ المستقلةِ، فتركوا البابَ مفتوحًا على مصراعيه للفتنةِ، ووأدوا محاولاتِ إطفائِها، ثم كذبوا على أبي حمزةَ المهاجرِ رحمه اللهُ، فزعموا أنه نكث بيعةَ القاعدةِ في وقتِ الشيخِ أسامةَ -رحمه اللهُ- من طرفٍ واحدٍ، وهو كذبٌ محضٌ، ثم كذبوا على أنفسِهم، فأنكروا بيعاتِهم الموثقةَ المكررةَ، مثلَ رسالةِ البغداديِ لي بتاريخِ السابعِ من ذي الحجةِ لعامِ ألفٍ وأربعِمائةٍ وثلاثةٍ وثلاثين، التي بدأها بقولِه بعد البسملةِ والحمدِ والصلاةِ والسلامِ على رسولِ اللهِ:
“إلى أميرِنا الشيخِ الدكتورِ أبي محمّدٍ أيمنَ الظّواهريِ حفظه اللهُ، السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه”.
ثم قال في ضمنِها:
“شيخَنا المباركَ؛ نودُّ أن نبيّنَ لكم ونعلنَ لجنابِكم أننا جزءٌ منكم، وأنّنا منكم ولكم، وندينُ اللهَ بأنكم ولاةُ أمورِنا ولكم علينا حقُّ السّمعِ والطّاعةِ ما حيينا، وأنَّ نُصحَكم وتذكيرَكم لنا هو حقٌّ لنا عليكم، وأمرُكُم مُلزمٌ لنا، ولكن قد تحتاجُ المسائلُ أحيانًا بعضَ التبيينِ لمعايشتِنا واقعَ الأحداثِ في ساحتِنا، فنرجو أن يتّسعَ صدرُكم لسماعِ وجهةِ نظرِنا، ولكم الأمرُ بعد ذلك وما نحن إلا سهامٌ في كنانتِكم”.
ولكن للأسفِ هذا الذي يدينُ اللهَ به ما حَيَّ، لم يصمدْ ستةَ أشهرٍ.
فأعلن عن ضمِ الشامِ له دون مجردِ إخطارٍ لأميرِه، ثم عصى ومن معه أميرَهم علانيةً وأصروا على أن الشامَ كلَ الشامِ تحت إمارتِهم، وادعوا أنهم اختاروا رضا اللهِ على رضا أميرِهم، بينما لما خالفهم الشيخُ الجولانيُ حفظه اللهُ، ورفع الأمرَ لأميرِهم وصفوه بأسوءِ الأوصافِ، ثم كذبوا على أمرائِهم ومشايخِهم وجماعةِ القاعدةِ فرموها بالتهمِ التي تؤدي للتكفيرِ، وقالوا إنها وقعت في العلمانيةِ والإخوانيةِ وسياسةِ سايكس بيكو، وأنها تسيرُ مع الأغلبيةِ ويؤيدُها العلمانيون والخونةُ، ثم أمعنوا في السبِ فوصفوها بأنها كالزانيةِ التي تزعمُ عفتَها، بينما هي في الشهرِ التاسعِ، ثم أعلنوا خلافةً فجأةً عقدها مجهولون لمن لا ترضاه الأكثريةُ الساحقةُ من المجاهدين ولا المسلمين، ثم زعموا أن كلَ الجماعاتِ الجهاديةِ قد بَطَلت شرعيتُها، وعليها أن تحُلَ نفسَها وهي تحتَ القصفِ الشديدِ وفي اشتباكٍ دامٍ مع العدوِ الصليبيِ، وأن من يخالفُهم فليس له إلا طلقةٌ في رأسِه تخرجُ ما فيه، لأنهم وصلوا لخلافتِهم غصبًا وقهرًا بتفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ. ثم بعد كلِ هذا زعموا أنهم فعلوا ذلك لتوحيدِ صفِ الأمةِ المتفرقةِ، ثم قال ناطقُهم متألما: لك الله أيتها الدولةُ المظلومةُ! وشرُ البليةِ ما يُضحكُ.
وثالثُ هذه الإجراءاتِ هو: إنشاءُ المحكمةِ الشرعيةِ المستقلةِ، وتأكيدُ سلطتِها ونفوذِها وهيبتِها في إقليمي العراقِ والشامِ على جميعِ المجاهدين.
وبدونِ هذه المحكمةِ الشرعيةِ المستقلةِ، فسيظلُ كلُ تعاونٍ معلقًا في الهواءِ، متطايرًا في مهبِ الريحِ، معَرَّضًا للتلاعبِ من كلِ متلاعبٍ، وللنكثِ والنقضِ من كلِ صاحبِ هوى.
وقد سعى فضيلةُ الشيخِ العالمِ العاملِ أبي محمدٍ المقدسيِ -حفظه اللهُ- لهذا الأمرِ في مبادرتِه، التي أرسلتُ له بتأييدي ودعمي لها، والتي يئِس منها بعد ذلك لأسبابٍ أعلنها، ويعرفُها الجميعُ.
إن هذه المبادرةَ وأمثاَلها من الدعواتِ المباركةِ يجبُ أن تُحيا من جديدٍ، وأن تُفَّعلَ وتطبقَ، والتهربُ منها هو إمعانٌ في شقِ الصفِ وتفتيتِ الجهودِ.
ونحن في جماعةِ قاعدةِ الجهادِ نضعُ ثقتَنا في مشايخِ الجهادِ وعلمائِه الذين أثبتتِ الأيامُ صدقَهم وحَدَبَهم وشفقتَهم على الجهادِ والمجاهدين من أمثالِ أحبابِنا الشيخِ أبي محمدٍ المقدسيِ والشيخِ أبي قتادةَ الفِلسطينيِ حفظهما اللهُ، والشيخِ أبي الوليدِ الفِلسطينيِ والشيخِ محمدٍ الظواهريِ والشيخِ سالمِ مرجانَ والشيخِ أحمدَ عشوش فك اللهُ أسرَهم، والشيخِ هاني السباعيِ والشيخِ طارقِ عبدِ الحليمِ، وأمثالِهم من الدعاةِ الصادقين كما نحسبُهم ولا نزكيهم على اللهِ، ثم شيخِ الطائفةِ المجاهدةِ وأستاذِها ومعلمِها ومربيها الأسدِ المقيدِ والليثِ المصفدِ فضيلةِ الشيخِ عمرَ عبد الرحمن فك اللهُ أسرَه.
هؤلاء هم ثروتُنا ورأسُ مالِنا وذخيرتُنا وكنزُنا الثمينُ في هذا العصرِ، فلمصلحةِ من نشوهُهم وندعي عليهم ونتطاولُ عليهم؟ ومن المستفيدُ من هذا التشويهِ؟ الجوابُ عندي: أن المستفيدَ فئتان: الأولى هي التحالفُ الصليبيُ الصفويُ العلمانيُ، والثانيةُ: فئةُ أصحابِ المطامعِ السياسيةِ، الذين يشوهون ويفترون على كلِ من يقفُ في وجهِ طموحِهم السياسيِ التسلطيِ.

رابعُ هذه الإجراءاتِ هو: السعيُ للعفوِ العامِ.
فأدعو أهلَ الخيرِ وأنصارِ الجهادِ والحريصين على انتصارِ المسلمين في العراقِ والشامِ للسعي بين الجماعاتِ المجاهدةِ -بالتوازي مع قيامِ المحكمةِ الشرعيةِ المستقلةِ ودونِ إبطالٍ لها- للوصولِ للعفوِ العامِ بين جماعاتِ وطوائفِ المجاهدين، لنبدأَ صفحةً جديدةً من التعاونِ ونطوي صفحةَ الماضي وفتنتَه النكراءِ.
دون أن نلغيَ حقَ من أراد أن يتحاكمَ للمحكمةِ الشرعيةِ.

وخامسُ هذه الإجراءاتِ هو: المبادرةُ بالتعاونِ في كلِ مجالٍ ممكنٍ: كعلاجِ الجرحى، وإيواءِ الأسرِ، وتخزينِ المعداتِ، وتوفيرِ المؤنِ والذخائرِ، والعملياتِ المشتركةِ.
هذه مبادرةٌ أطرحُها على فئاتِ المجاهدين في العراقِ والشامِ سعيًا في توحيدِ صفِهم ضد عدوِهم المتوحدِ ضدهم. حتى وإن رفضها البعضُ، أو استخف بها، أو زعم أنه ليس في حاجةٍ إليها.
فيكفيني أني قد بذلتُ ما في وسعي، ونصحتُ لإخواني، قال النبي صلى اللهُ عليه وسلم: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ”.
وقبل أن أختمَ أتوقفُ عند منظرٍ رأيتُه في شريطٍ يبينُ هجومًا لإحدى الجماعاتِ في الشامِ على هيئةٍ شرعيةٍ لجماعةٍ أخرى، واستوقفني في ختامِ الشريطِ قولُ أحدِ الإخوةِ: واللهِ لنأخذنَّ بالثأرِ.
فأقولُ لهذا الأخِ: يا أخي الأصغرَ الحبيبَ، أو يا ولديَ الحبيبَ، فإن ولدي لو قدر له أن يعيشَ لكان في سنِك أو قريبًا منه، يا ولدي الحبيبَ، ممن تثأرُ؟ تثأرُ من أخيك المجاهدِ الموحدِ، الذي يسعى لتحكيمِ الشريعةِ ولإقامةِ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ، تسعى في الثأرِ منه والقذائفُ الصليبيةُ تسقطُ فوق رأسي ورأسِك ورأسِه.
أنا لا أقول إنك ظالمٌ أو مظلومٌ، ولكني أقولُ لك يا ولدي الحبيبَ لو كانت عندك مظلمةٌ لكان عليك أن توجهَها للمحكمةِ الشرعيةِ المستقلةِ، التي نادى وطالب بها وسعى في تكوينِها عمُك العالمُ العاملُ المجاهدُ المرابطُ المربي حبيبُنا الشيخُ أبو محمدٍ المقدسيُ، هذه المحكمةُ طالب بها الشيخُ المقدسيُ -حفظه اللهُ- وأيده فيها أعمامُك مشايخُ الجهادِ، الذين أمضَوا أعمارَهم في الجهادِ وبيانِ التوحيدِ ومقارعةِ الطواغيتِ، وما زالوا -بحمدِ اللهِ- لم يتراجعوا، بل يرفعُ اللهُ قدرَهم من درجةٍ لدرجةٍ.
هذه المحكمةُ الشرعيةُ المستقلةُ طالب بها أعمامُك مشايخُ الجهادِ، حتى لا يثأرَ بعضُنا من بعضٍ، ولا نوجهَ سلاحَنا لصدورِ بعضٍ، بينما القصفُ الصليبيُ لا يفرقُ بين بعضٍ وبعضٍ.
إن عمَك أبا محمدٍ المقدسي وأعمامَك مشايخَ الجهادِ، لم يقصِدوا بهذه المبادرةِ الإضرارَ بأحدٍ، بل أرادوا حقنَ دماءِ المسلمين، وإطفاءَ الفتنةِ فيما بينهم، ليتوجهَ سلاحُ المجاهدين ضد أعدائِهم الصليبيين والصفويين والنصيريين والعلمانيين.
ولدي الحبيب اسألْ نفسَك وليسألْ إخوانُك أنفسَهم، من الذين شهد عليهم الشيخُ أبو محمدٍ المقدسيِ -حفظه اللهُ- بأنهم قد تهربوا من التحاكمِ للشريعةِ؟ وأيهما يسرُ الصليبيين وأيهما يحزنُهما: أن يوجهَ بعضُنا سلاحَه لصدورِ بعضِنا؟ أم نتحاكمَ في مشاكلِنا ومظالمِنا لمحكمةٍ شرعيةٍ مستقلةِ، ونوجهَ سلاحَنا جميعًا لصدورِ أعداءِ الإسلامِ؟
أسألُ اللهَ أن يجمعَ بيننا على ما يحبُ ويرضى، ويوحدَ صفوفَنا ويؤلفَ بين قلوبِنا ويجمعَنا على أتقى قلبِ رجلٍ منا، ويتقبلَ منا عملَنا، ويجنبَنا الفتنَ والشقاقَ والخلافَ.
ونصيحتي الأخيرةُ لكلِ مجاهدٍ أن يحذرَ من أن يتورطَ في دمٍ حرامٍ، وأن يعلمَ أن أمرَ أميرِه لا يعفيه من الإثمِ، وأنه سيلقى اللهَ وحدَه، ولن يجدَ أميرَه ليدافعَ عنه، فأميرُه يومَئذٍ سيكونُ أحوجَ الناسِ لمن يدافعُ عنه.
وليعلمْ كلُ مجاهدٍ أنه خرج من بيتِه لقتالِ أعداءِ الإسلامِ، فلا يتورطن في غيرِ ذلك من أطماعِ الأمراءِ السياسيةِ، وإذا أمره أميرُه بقتلِ مسلمٍ، أو بقتلِ أسيرٍ كافرٍ أسلم، أو بقتلِ من في قتلِه شبهةٌ، كأن يقالَ له في حقِ من ثبت له الإسلامُ: هذا قد ارتد، أو أصبح من الصحواتِ، أو يوالي المرتدين، أو يتعاونُ معهم، إلى غيرِ ذلك من الدعاوى، فلا يقبلْها بمجردِ سماعِها، وليطالبن بالدليلِ القاطعِ الخالي من الشبهةِ، فقد كَثُرَتِ الفتنُ وصراعُ الأمراءِ والجماعاتِ من حولِكم، فلا بد من التثبتِ، ولا يُقْدِمَن على سفكِ دمٍ إلا إذا تيقن من جوازِ ذلك شرعًا، فإن وجد في نفسِه شكًا أو شبهةً فلا يطيعن أميرَه، وليؤثرن السلامةَ، فإن إثمَ قتلِ المسلمِ عظيمٌ. وليتذكرْ قولَ الحقِ سبحانه: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
وليعلمِ المجاهدُ أنه نفر ليحفظَ حرماتِ المسلمين، لا ليعتديَ عليها، فإذا أمره أميرُه بالتعدي على مجموعةٍ جهاديةٍ أو أخذِ مالِها أو الاستيلاءِ على مقراتِها، أو ما تحت يدِها، من أموالِ المسلمين، بحجةِ أنهم بغاةٌ أو أن أميرَه وجماعتَه أحقُ بهذا المالِ، أو أنهم هم أصحابُ الولايةِ ومن حقِهم أن يأخذوا أموالَ من خالفهم، فكلُ هذه دعاوى لا تبيحُ بمجردِها أموالَ المسلمين وعُدتَهم وعتادَهم، وليتذكرْ حديثَ النبيِ صلى اللهُ عليه وسلم: ” كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ”.
أسألُ اللهَ أن يجمعَ شملَ المجاهدين والمسلمين ويوحدَ صفَهم، ليقيموا خلافةَ النبوةِ على منهجِ الخلفاءِ الراشدين، بالعدلِ والشورى والخضوعِ للشريعةِ.


وبعد الشامِ والعراقِ أودُ أن أنتقلَ للجريمةِ التي تتمُ في صمتٍ ضد إخوانِنا في وزيرستانَ.
حيث تقومُ القواتُ الباكستانيةُ الخائنةُ بعمليةٍ مشتركةٍ مع العدوِ الصليبيِ الأمريكيِ، الذي يقصفُ أهلَ وزيرستانَ والمجاهدين والمهاجرين من الجوِ، بينما تهاجمُهم القواتُ الباكستانيةُ بقواتِها ومدافعِها وطائراتِها من الأرضِ والجوِ، فقتلت آلافَ النساءِ والأطفالِ والمسنين والشبابِ، ورحَّلت خارجَ وزيرستانَ قرابةَ مليونِ لاجئٍ، يتسولون المعونةَ، ويعانون سوءَ المأوى ومشقةَ الحصولِ على الغذاءِ والسكنِ والدواءِ من أفغانستانَ ومدنِ باكستانَ في حرِ الصيفِ القائظِ وبردِ الشتاءِ القارسِ.
وحكامُ باكستانَ من السياسيين والعسكريين يعاملونهم كالحشراتِ، حتى يرضى عنهم السيدُ الأمريكيُ، ويملأوا جيوبَهم بالمالِ الحرامِ.
كل هذا سعيًا منهم بلا جدوى في تأمينِ خروجِ المحتلِ الصليبيِ من أفغانستانَ.
وتشاركُهم أجهزةُ الإعلامِ في تغطيةِ الجريمةِ، بل وتتمُ بمباركتِها باسمِ الحربِ على الإرهابِ.
وصدق اللهُ العظيمُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
كلُ هذا وإخوانُكم من المهاجرين والمجاهدين صامدون صمودَ الجبالِ الرواسيِ، رغم شلالِ الدماءِ الذي يتدفقُ منهم، ويُنكون -بفضلِ اللهِ- في أعدائِهم، وتتحطمُ على صمودِهم وجهادِهم حملاتُ الخونةِ وسادتِهم الصليبيين، ويرقبون فجرَ النصرِ الذي بَزَغَت أنوارُه ولو كره الكافرون.
إن وزيرستانَ تكتبُ ملحمةً جديدةً في التاريخِ الإسلاميِ، وتقهرُ عبيدَ الإنجليزِ كما قهرت أسيادَهم من قبلُ بفضلِ اللهِ.
وهاهي الإمارةُ الإسلاميةُ تتزايدُ ضرباتُها في الصليبيين وعملائِهم من خونةِ العربِ والعجمِ، وتدقُ كابلَ بضرباتِها الداميةِ، فهنيئًا لأمةِ الإسلامِ بهذا النصرِ، الذي يُصنعُ في أفغانستانَ قلعةِ الإسلامِ، هذا النصرُ الذي سيفتحُ صفحةً جديدةً من النصرِ والفتحِ والتمكينِ للإسلامِ قريبًا بإذنِ اللهِ.


وأكتفي بهذا القدرِ، وفي الحلقةِ القادمةِ -إن شاء اللهُ- أتحدثُ عن المعالمِ الأساسيةِ للخلافةِ التي على منهاجِ النبوةِ. وأستودعُكم اللهَ الذي لا تضيعُ ودائعَه.
وآخر دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِ العالمين، وصلى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبه وسلم.
والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
جمادى الآخرة 1436هـ

الربيع الإسلامي | الحلقة الثالثة

بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وآلهِ وصحبِهِ ومن والاهُ،
أيها الإخوةُ المسلمونَ في كلِ مكانٍ السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ،
وبعدُ،
تحدثتُ فيما سبق عن الموقفِ الواجبِ تجاهِ الحملةِ الصليبيةِ على العراقِ والشامِ، وعن الجريمةِ الباكستانيةِ الأمريكيةِ ضد وزيرستانَ.
وأكدتُ فيما سبق أن الحملةَ الصليبيةَ تستهدفُ الإسلامَ باسمِ الحربِ على الإرهابِ، وأننا مع جميعِ المجاهدين من أساء منهم إلينا ومن أحسن، ومن ظلمنا ومن أنصف، ومن استخف بنا ومن أكرم، ومن تعدى علينا ومن اقتصد، ومن أنكر حقنا ومن أقر، ومن فَحُشَ في القولِ ومن تأدب، لأن الأمرَ أكبرُ من كل هذا، إنه أمرُ أمةٍ تتعرضُ لحملةٍ صليبيةٍ تقتضي منا أن نتوحدَ في مواجهتِها.
وأنا أعودُ وأكررُ حتى لا أدعَ فرصةً لحملِ كلامِي على غيرِ محاملِه، وهو أن رؤيتَنا بأن ما أعلنه أبو بكرٍ البغداديُ ليس خلافةً على منهاجِ النبوةِ، ولا يلزمُ المسلمين بيعتُها، هذه الرؤيةُ لا علاقة لها بدعوتنا لجميع المجاهدين بأن يقفوا صفًا واحدًا في وجهِ الحملةِ الصليبيةِ الصفويةِ النصيرية العلمانيةِ.
فإننا دعونا وندعو لأن يقف المسلمون والمجاهدون صفًا واحدًا في مواجهةِ الصليبيين في الغربِ وفي روسيا وفي إفريقيا وآسيا وعلى رأسِهم أمريكا وفي مواجهةِ إسرائيلَ وفي مواجهةِ الحكامِ الخونةِ المرتدين العلمانيين، الذين يتسلطون على أكثرِ بلادِ المسلمين، وفي مواجهةِ إيرانَ الصفويةِ وأذنابِها وسائرِ أعداءِ الإسلامِ.
وفي هذه الحَلقةِ أودُ أن أتحدثَ عن الخلافةِ، التي على منهاجِ النبوةِ، وعن أهمِ معالمِها باختصارٍ وبتركيزٍ، ومن أراد التوسعَ فليرجعْ لكُتبِ الفقهِ وخاصةً كُتُبُ السياسةِ الشرعيةِ ولكُتُبِ التاريخِ الإسلاميِ، وسوفُ أذكرُ -بإذنِ اللهِ- قواعدَ عامةً دون التطرقِ للتفاصيلِ.


وأودُ أن أقسمَ الكلامَ في هذا الشأنِ للآتي:

أولًا: بيانُ ما هي الخلافةُ على منهاجِ النبوةِ.
ثانيًا: ما هي أهمُ خصائصِ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ.
ثالثًا: ما هي الطريقةُ الشرعيةُ لاختيارِ الخليفةِ؟
رابعًا: ما هي أهمُ صفاتِ الخليفةِ؟
خامسًا: الردُ على بعضِ الشبهاتِ والتساؤلاتِ.


أولًا: بيانُ ما هي الخلافةُ على منهاجِ النبوةِ.
عرَّف الإمامُ أحمدُ -رحمه اللهُ- خلافة النبوةِ فقال:
“كلُ بيعةٍ كانت بالمدينةِ فهي خلافةُ نبوةٍ”.
ولذلك علق عليه الإمامُ الزركشيُ -رحمه اللهُ- عند بحثِه لحجيةِ عملِ أهلِ المدينةِ فقال:
“هو ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، فإن عِنْدَهُ أَنَّ ما سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا، وقال أَحْمَدُ: كُلُّ بَيْعَةٍ كانت بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْعَةَ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ كانت بِالْمَدِينَةِ وَبَعْدَ ذلك لم يُعْقَدْ بها بَيْعَةٌ”.
فكلُ بيعةٍ عُقدت على منهاجِ بيعاتِ الخلفاءِ الراشدين فهي بيعةٌ على خلافة النبوةِ، وكلُ بيعةٍ على خلافِ منهاجِ بيعاتِ الخلفاءِ الراشدين، فهي بيعةٌ على خلافةٍ على غيرِ منهاجِ النبوةِ. سمِها ملكًا عضوضًا، سمها إمارةَ استيلاءٍ، سمها خلافةَ تفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ ومغالبةٍ وغصبٍ، سمها ما تشاءُ، لكنها ليست خلافةً على منهاجِ النبوةِ.


ثانيًا: ما هي أهمُ خصائصِ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ؟
أهم خصائصِ خلافةِ النبوةِ هو التحاكمُ للشريعةِ، وأن يقولَ من يُدْعَى لها سمعًا وطاعةً، عملًا بقولِ الحقِ سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
فأما من يشهدُ عليه العلماءُ الأثباتُ بالتهربِ من التحاكمِ للشريعةِ إذا دُعي لها فليس على منهجِ النبوةِ، بل لا يصلحُ أصلًا لأن يُبايعَ.
وقد ذكر الإمامُ الماورديُ -رحمه اللهُ- أن واجباتِ الخليفةِ عشرةٌ، ملخصُها:
حفظُ العقيدةِ، والفصلُ في المنازعاتِ، ونشرُ الأمنِ، وإقامةُ الحدودِ، وتحصينُ الثغورِ، وجهادُ الأعداءِ، وجبايةُ الفيءِ والصدقاتِ، وتقديرُ العطايا وصرفُها، وتوليةُ الأمناءِ، ومباشرةُ الأمورِ.
ثم قال الإمامُ الماورديُ رحمه اللهُ: “وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُقُوقِ الْأُمَّةِ فَقَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَوَجَبَ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقَّانِ الطَّاعَةُ وَالنُّصْرَةُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ”.
فإذا لم يكنْ من يدعي الخلافةَ متمكنًا من إقامةِ هذه الواجباتِ كلِها في المناطقِ التي يزعمُ استيلاءَه عليها، وهي الأقلُ القليلُ من بلادِ المسلمين، فلا يستطيعُ فيها كلِها حفظَ الأمنِ ولا جمعَ الزكاةِ ولا إيصالَها لمستحقيها، ولا تحريرَها من الأعداءِ، وإنما سلطانُه فيها في قوةٍ وضعفٍ على أجزاءَ تزيدُ وتنقصُ كلَ يومٍ، فكيف يزعمُ أنه خليفةٌ على سائرِ بلادِ المسلمين؟
وإذا كانتِ العديدُ من بلادِ المسلمين -حتى التي يزعمُ استيلاءَه عليها- فيها سلطانٌ لجماعاتٍ وإماراتٍ مجاهدةٍ أخرى، تقومُ بالعديدِ من الفرائضِ الشرعيةِ كالحكمِ بالشريعةِ والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ والجهادِ، وليس له في مناطقِهم سلطانٌ، ولم يبايعوه، فكيف يزعمُ أنه أحقُ منهم بالولايةِ، ولم يعلنْ نفسَه خليفةً إلا بمبايعةِ نفرٌ ممن حولَه.
وإذا لم يكنْ مستطيعًا قبلَ زعمِه للخلافةِ نصرةَ المسلمين، ولا إيصالَ حقوقِهم إليهم في الأكثرِ الأغلبِ من ديارِ المسلمين، فكيف يطالبهم ببيعتِه ونصرتِه وطاعتِه؟
وإذا لم يتوفرْ لمدعي الخلافةِ ركناها وهما البيعةُ والتمكنُ من القيامِ بحقوقِها، فأقصى ما يمكنُ أن يدعيه أنه مستولٍ على بعضِ مناطقِ بلادِ المسلمين، وإمارتُه إمارةُ استيلاءٍ عليها. ولا يجوزُ له ادعاءُ تولي منصبٍ لم يستوفِ شرطَه الأولَ وهو البيعةُ، ولا هو قادرٌ على القيامِ بأعباءِ شرطِه الثاني وهو التمكنُ من القيامِ بحقوقِ الخلافةِ.
إن الخلافةَ وهي الإمامةُ العظمى ليست مجردَ دعوى بلا دليلٍ ولا وهمٍ بلا حقيقةٍ، بل هي حقائقُ يجبُ أن تتوفرَ في أرضِ الواقعِ لتستحقَ وصفَها الشرعيَ، فتؤدي إلى مقاصدِها التي شُرعت لها.
وليست مجردَ آمالٍ ورغباتٍ تتحققُ بمجردِ إطلاقِ أسمائِها. فإن الاعتبارَ في الشرعِ للحقائقِ وليس للأسماءِ، وهنا يأتي السؤالُ الهامُ: لماذا التسابقُ على ادعاءِ أوصافٍ وألقابٍ لم تتوفرْ حقائقُها؟
لماذا لا نعترفُ بالحقيقةِ كما هي؛ وهي أننا في مرحلةِ دفعٍ للعدوِ الصائلِ على المسلمين، وأن المجاهدين تحقق لهم في بعضِ البقاعِ نوعُ تمكنٍ لا يرقى للخلافةِ، التي نسعى لإقامتِها بعونِ اللهِ.
وأننا بدلًا من التسابقِ على ادعاءِ ألقابٍ وأوصافٍ لا حقيقةَ لها، علينا أن نقويَ ونمكنَ للكياناتِ الجهاديةِ الإسلاميةِ الموجودةِ بالفعلِ، وعلى رأسِها الإمارةُ الإسلاميةُ في أفغانستانَ بقيادةِ أميرِ المؤمنين الملا محمدٍ عمرَ مجاهدٍ حفظه اللهُ، بدلًا من التمردِ عليها ونكثِ بيعتِها والتعالي عليها ونكرانِ جميلِها والتنكرِ لسبقِها بل ومطالبةِ جنودِها بنقضِ عهودِها بدعاوى لا حقيقةَ لها ولا برهانَ عليها.
لمصلحةِ من كلُ هذا؟ حسبُنا اللهُ ونعم الوكيلُ.
وسأتعرضُ لاحقًا -إن شاء اللهُ- لبيانِ هل توفرتِ الظروفُ الملائمةُ لقيامِ الخلافةِ أم لا؟ وإذا لم تكن قد توفرت، فما هو البديلُ؟ وما هو السبيلُ العمليُ لإقامتِها بإذنِ اللهِ؟


ثالثًا: ما هي الطريقةُ الشرعيةُ لاختيارِ الخليفةِ؟
تولي الخلافةِ يجبُ أن يكونَ برضا المسلمين، وهذه هي طريقةُ الخلفاءِ الراشدين سواءً بالاختيارِ أو الاستخلافِ.
فالصديقُ -رضي الله ُعنه- لما احتج على الأنصارِ -رضي الله ُعنهم- قال في روايةِ البخاريِ: “وَلَنْ يُعْرَفَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ”.
وفي مصنفِ عبدِ الرزاقِ: “ولن تعرفَ العربُ هذا الأمرَ إلا لهذا الحيِ من قريشٍ فهم أوسطُ العربِ دارًا ونسبًا”.
وهذا حديثٌ سندُه مسلسلٌ بالأئمةِ الثقاتِ بفضلِ اللهِ.
أي احتج عليهم بأن عامةَ المسلمين -وهم العربُ في هذا الوقتِ- لا ترضى إلا برجلٍ من قريشَ، وهو ما نص عليه أيضًا الحديثُ الشريفُ، أي أن عامةَ المسلمين -ويمثلُهم أهلُ الحَل والعقدِ- لهم الحقُ في أن يختاروا من بينِ من تتوفرُ فيه شروطُ الخلافةِ الشرعيةِ.
وهذا ما أكده سيدُنا عمرُ -رضي الله ُعنه- في خطبةٍ جامعةٍ له بالمدينةِ المنورةِ.
أخرج الإمامُ البخاريُ -رحمه اللهُ- حديثَ سيدِنا عمرَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله ُعنهم- قَالَ:
“كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي مَنْزِلِهِ بِمِنًى وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا إِذْ رَجَعَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي فُلَانٍ، يَقُولُ: لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أبي بكرٍ إِلَّا فَلْتَةً فَتَمَّتْ. فَغَضِبَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي -إِنْ شاء اللهُ- لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِي النَّاسِ، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وَأَنْ لَا يَعُوهَا، وَأَنْ لَا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدُمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِي أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا وَاللَّهِ -إِنْ شاء اللهُ- لَأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ”.
إلى أن قال رضي الله ُعنه: “فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا، لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي، فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا، حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعْقِلَهَا فَلَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ”.
إلى أن قال رضي الله ُعنه:
“ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ وَاللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أبي بكرٍ فَلْتَةً وَتَمَّتْ، أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أبي بكرٍ، مَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا”.
إلى أن قال رضي الله ُعنه:
“فَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ، حَتَّى فَرِقْتُ مِنْ الِاخْتِلَافِ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أبا بكرٍ. فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ بَايَعَتْهُ الْأَنْصَارُ”.
وفي روايةٍ أخرى في مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ رحمه اللهُ: “… إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ، أَنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ خِلاَفَةَ أبي بكرٍ فَلْتَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَتْ فَلْتَةً، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، إِنَّهُ لاَ خِلاَفَةَ إِلاَ عَنْ مَشُورَةٍ”.
وهذا سندٌ صحيحٌ مسلسلٌ بالثقاتِ بفضلِ اللهِ.
وفي روايةِ أحمدَ -رحمه اللهُ- في المسندِ بسندٍ صحيحٍ على شرطِ مسلمٍ:
“فمن بايعَ أميرًا عن غيرِ مشورةِ المسلمين فلا بيعةَ له ولا بيعةَ للذي بايعَه تغرةَ أن يقتلا”.
وأرجو ملاحظةَ أن هذه الخطبةَ قد ألقاها سيدُنا عمرُ في المدينةِ النبويةِ -شرفها اللهُ- حيث موضعُ قادةِ الأمةِ وأهلِ السنةِ والفقهِ والعلمِ، كما نبهه إلى ذلك سيدُنا عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ رضي الله ُعنه، وقد نبه سيدُنا عمرُ -رضي الله ُعنه- المسلمين لأهميتِها، وطلب ممن يعيها أن يبلغَها لأقصى ما يستطيعُ تبليغَها. فهي حدثٌ هامٌ عظيمٌ، قيل بمحضرِ عددٍ كبيرٍ من الصحابةِ رضوان اللهِ عليهم، وهم أهلُ الحَلِ والعقدِ، ولم يعلم لها مخالفٌ، ورُويت في أصحِ كتبِ السنةِ. فهي أشبهُ بالإجماعِ أو اتفاقِ الصحابةِ رضوان اللهِ عليهم، الذي لم يعلمْ له مخالفٌ.
وفي هذه الخطبةِ الهامةِ الخطيرةِ نبه سيدُنا عمرُ -رضي الله ُعنه- لأمورٍ خطيرةٍ:
الأولُ: أن من يبايعْ رجلًا دون مشورةِ المسلمين قد اغتصب من المسلمين حقَهم.
الثاني: أن من يفعلْ هذا يجبُ تحذيرُ الأمةِ منه.
الثالثُ: أنه لا بيعةَ له ولا بيعةَ لمن بايعه.
الرابعُ: أنه لا يجبُ أن يتابعَ على ما فعل.
الخامسُ: أن بيعةَ سيدِنا أبي بكرٍ كانت بيعةً عامةً من المهاجرين والأنصار.
السادسُ: أن أمرَ الحَلِ والعقدِ هو لأهلِ الفقهِ والعلمِ وأشرافِ الناسِ، وأهلِ شوكةِ الإسلامِ من صحابةِ رسولِ اللهِ -صلى الله ُعليه وسلم- بالمدينةِ، وليس للمجاهيلِ الذين لا يُعرفُ لهم اسمٌ ولا كنيةٌ، ولا عددٌ، ويستأثرون بالأمرِ دون المسلمين.
وقال أيضًا -رضي الله ُعنه- في مصنفِ عبدِ الرزاقِ رحمه اللهُ:
“الإمارةُ شورى”.
وهذا الخبرُ سندُه صحيحٌ مسلسلٌ بالأئمةِ الثقاتِ بفضلِ اللهِ.
وأخرج الإمامُ البيهقيُ -رحمه اللهُ- في سننِه الكبرى أن سيدَنا عمرَ بنَ الخطابِ -رضي الله ُعنه- قال للصحابةِ وهو على فراشِ الموتِ:
“أَمْهِلُوا فَإِنْ حَدَثَ بِى حَدَثٌ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ صُهَيْبٌ مَوْلَى بَنِى جُدْعَانَ ثَلاَثَ لَيَالٍ، ثُمَّ اجْمَعُوا فِى الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَشْرَافَ النَّاسِ وَأُمَرَاءَ الأَجْنَادِ فَأَمِّرُوا أَحَدَكُمْ، فَمَنْ تَأَمَّرَ عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ”.
وهذا سندٌ صحيحٌ بفضلِ اللهِ.
وفي بيعةِ سيدِنا عثمانَ -رضي الله ُعنه- قال سيدُنا عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ لسيدِنا عليٍ -رضي الله ُعنهما- في الحديثِ الذي أخرجه الإمامُ البخاريُ رحمه اللهُ: “أَمَّا بَعْدُ يَا عَلِيُّ إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا. فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ وَالْمُسْلِمُونَ”.
وفي هذا الحديثِ معنىً خطيرٌ، وهو أنه لا يكفي أن يكونَ الشخصُ أهلًا للخلافةِ مستوفيًا لشروطِ المنصبِ ليكونَ خليفةً، وإنما لا يكونُ كذلك إلا باختيارِ المسلمين، الذين من حقِهم أن يختاروا من بين المؤهلين لهذا المنصبِ، فإن الستةَ الذين اختارهم عمرُ -رضي الله ُعنهم- كانوا أهلًا للخلافةِ، ثم اختاروا من بينهم اثنين: عليًا وعثمانَ رضي الله ُعنهم، وسيدُنا عليٌ كان أهلًا للخلافةِ بلا خلافَ، ولكن رأى جمهورُ المسلمين ألا يختاروه، واختاروا غيرَه ممن يصلحُ للخلافةِ أيضًا.
فهذه هي سيرةُ الخلفاءِ الراشدين رضي الله ُعنهم؛ أن جمهورَ الأمةِ -ويمثِلُهم أهلُ الحَلِ والعقدِ، الذين إن وافقوا فقد وافقتِ الأمةُ، وإن رفضوا فقد رفضت الأمةُ- هم الذين يختارون خليفتَهم من بين من يصلحُ لتولي منصبِ الخلافةِ.
وقد أكد هذا شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمه اللهُ- وهو يردُ على الرافضةِ، الذين يزعمون كذبًا أن أبا بكرٍ الصديقَ -رضي الله ُعنه- قد بايعته أقليةٌ من الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم.
وعن هذا المعنى وهو أن البيعةَ لا تنعقدُ إلا بجمهورِ أهلِ الحَل والعقدِ -الذين يمثلون الأمةَ- يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمه اللهُ- وهو يردُ على الرافضيِ الحِليِ في شأنِ أبي بكرٍ رضي الله ُعنه، حيث زعم الحِليُ الرافضيُ أن سيدَنا أبا بكرٍ -رضي الله ُعنه- لم تبايعْه إلا قلةٌ من الصحابةِ، فأنكر ابنُ تيميةَ -رحمه اللهُ- قولَه، وفنده، فقال رحمه اللهُ:
“ولو قُدر أن عمرَ وطائفةً معه بايعوه، وامتنع سائرُ الصحابةِ عن البيعةِ لم يصرْ إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعةِ جمهورِ الصحابةِ، الذين هم أهلُ القدرةِ والشوكةِ.
…………
فمن قال إنه يصيرُ إمامًا بموافقةِ واحدٍ أو اثنين أو أربعة، وليسوا هم ذوي القدرةِ والشوكةِ فقد غلط.
……..
فجمهورُ الذين بايعوا رسولَ اللهِ -صلى الله ُعليه وسلم- هم الذين بايعوا أبا بكرٍ.
…..
وأما عمرُ فإن أبا بكرٍ عهِد إليه وبايعه المسلمون بعد موتِ أبي بكرٍ، فصار إمامًا لما حصلت له القدرةُ والسلطانُ بمبايعتِهم له.
……
فيقالُ أيضًا عثمانُ لم يصرْ إمامًا باختيارِ بعضِهم بل بمبايعةِ الناسِ له، وجميعُ المسلمين بايعوا عثمانَ بنَ عفانَ، ولم يتخلفْ عن بيعتْه أحدٌ.
……
وإلا فلو قُدر أن عبدَ الرحمنِ بايعه، ولم يبايعْه عليٌ ولا غيرُه من الصحابةِ أهلِ الشوكةِ لم يصرْ إمامًا”.
فأقولُ لمن يزعمُ أن خلافة النبوةِ تكونُ ببيعةٍ سريةٍ من عددٍ قليلٍ من المجاهيلِ لشخصٍ لم تخترْه الأمةُ، وافتئتوا على المسلمين وأهلِ الجهادِ والعلمِ والفضلِ والرئاسةِ والزعامةِ فيهم، أقولُ لهم: هذا الذي تزعمونه هو عينُ ما زعمه الرافضيُ المطهرُ الحِليُ؛ أن الصحابةَ -رضوانُ اللهِ عليهم- قد فعلوه في بيعةِ سيدِنا أبي بكرٍ الصديقِ رضي الله ُعنه، بأنه صار خليفةً ببيعةِ عددٍ قليلٍ من الصحابةِ.
وهذا الذي زعمتموه هو الذي أنكره شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمه اللهُ- على الحِليِ الرافضيِ، وأبطل كلامَه، بأن بين ووضح أن الخلفاءَ الراشدين بايعهم جمهورُ أهلِ الحَل والعقدِ من الصحابةِ والمهاجرين -رضوانُ اللهِ عليهم- أو كلُهم.
فمن يزعمُ أن بيعةَ القلةِ المجاهيلِ لشخصٍ لم ترضَه الأمةُ طريقةٌ شرعيةٌ، فهو يوفرُ لأمثالِ المطهرِ الحِليِ الرافضيِ الحجةَ. فانظرْ في أيةِ ورطةٍ سقطوا؟ يقولون بأنهم يعادون الرافضةَ، بينما هم بمزاعمِهم يوفرون لهم الحججَ على شبهاتِهم الكاذبةِ!!
والبيعةُ لا تكونُ إلا بالرضا وليس بالإكراهِ، ولذلك أفتى الإمامُ مالكٌ أهلَ المدينةِ أن بيعاتِهم للمنصورِ باطلةٌ، لأنها بيعاتٌ تمت بالإكراهِ.
ذكر ابنُ كثيرٍ -رحمه اللهُ- عن بيعةِ أهلِ المدينةِ لمحمدٍ بنِ عبدِ اللهِ المعروفِ بالنفسِ الزكيةِ فيما ذكر عن أحداثِ سنةِ مائةٍ وخمسٍ وأربعين:
“وقد خطب محمدٌ بنُ عبدِ اللهِ أهلَ المدينةِ في هذا اليومِ، فتكلم في بني العباسِ وذكر عنهم أشياءَ ذمهم بها، وأخبرهم أنه لم ينزلْ بلدًا من البلدانِ إلا وقد بايعوه على السمعِ والطاعةِ، فبايعه أهلُ المدينةِ كلُهم إلا القليلَ.
وقد روى ابنُ جريرٍ عن الامامِ مالكٍ: أنه أفتى الناسَ بمبايعتِه، فقيل له: فإن في أعناقِنا بيعةً للمنصورِ، فقال: إنما كنتم مكرهين وليس لمكرهٍ بيعةٌ.
فبايعه الناسُ عند ذلك عن قولِ مالكٍ”.


ومما يُستأنسُ به في هذا المقامِ مبايعةُ سلطانِ مصرَ والشام ركنِ الدينِ بيبرسَ وأكابرِ العلماءِ -ومنهم سلطانُ العلماءِ الشيخُ عزُ الدينِ بنُ عبدِ السلامِ -رحمه اللهُ- للخليفةِ العباسيِ المستنصرِ، لما وفد على مصرَ عامَ ستِمائةٍ وتسعةٍ وخمسين، بعد ثلاثِ سنواتٍ ونصفٍ من سقوطِ الخلافةِ العباسيةِ، لما غزاها التتارُ، وكان يومًا مشهودًا في تاريخِ الإسلامِ كما ذكر المؤرخون.
والخليفةُ المستنصرُ كان قد بويع قبلَه للخليفةِ الحاكمِ بأمرِ اللهِ سنةِ ستِمائةٍ وثمانيةٍ وخمسين من قِبلِ صاحبِ حلبٍ وقلةٍ من المسلمين، فلم يعتدْ سلطانُ مصرَ وعلماؤها بتلك البيعةِ، وبايعوا المستنصرَ، لأن مصرَ كانت هي مركزُ شوكةِ الإسلامِ، وسلطانُها هو صاحبُ الكلمةِ على مصرَ والشامِ بما فيها حلبُ والحجازِ وسواحلِ اليمنِ، والبحرُ الأحمرُ وبالتالي التجارةُ العالميةُ تحت سلطانِه، هذا من الناحيةِ الماديةِ، أما من الناحيةِ المعنويةِ فهو راعي المساجدِ الثلاثةِ؛ الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى، ولأن بمصرَ -في هذا الوقت- أكثرُ العلماءِ والفضلاءِ.
ثم بايع بعد ذلك الحاكمُ للمستنصرِ باللهِ.
ويستفادُ من هذه القصةِ أن أكابرَ العلماءِ الذين -لا يخشون في اللهِ لومةَ لائمٍ- من أمثالِ سلطانِ العلماءِ وبائعِ الملوكِ الشيخِ عزِ الدينِ بنِ عبدِ السلامِ -رحمه اللهُ- لم يعتدوا ببيعةِ القلةِ للحاكمِ بأمرِ اللهِ.
وهذه القصةُ وإن لم تكنْ دليلًا شرعيًا، ولكنها مما يُستأنسُ به.
ثم في القصةِ فائدةٌ أخرى، وهي أن الخليفةَ المستنصرَ بعد أن بويعَ بالخلافةِ فوض الأمرَ للسلطانِ بيبرسَ بعقدٍ علنيٍ أمام الملأِ.
وهذا يدعونا لأن نتوقفَ عند كلِ بيعةٍ سريةٍ، هل تضمنتها شروطٌ سريةٌ لم تعلنْ على الملأِ؟ لأننا أحيانًا نجدُ شخصًا يقولُ كلامًا، ثم يناقضُه أتباعُه.
فهل هو متناقضٌ مع أتباعِه؟ أم هو متقلبٌ في مواقفِه؟ أم يفرضُ عليه أتباعُه أمورًا لا نعلمُها؟
ومن أمثلةِ البيعاتِ المشروطةِ ما اشترطه الشيخُ أبو حمزةَ المهاجرُ على الشيخِ أبي عمرَ البغداديِ رحمهما اللهُ، إذ اشترط عليه عند مبايعتِه أن يكونَ الشيخُ أبو عمرَ تابعًا للشيخِ أسامةَ رحمه اللهُ، وعن طريقِه يكونُ مبايعًا للملا محمدِ عمرَ، فأقر الشيخُ أبو عمرَ -رحمه اللهُ- بذلك، وأرسل لنا الشيخُ أبو حمزةَ -رحمه اللهُ- بهذا، وهو الأمرُ الذي أكده خلفاؤه من بعدِه.


رابعًا: ما هي أهمُ صفاتِ الخليفةِ؟
للخليفةِ شروطٌ عددها الفقهاءُ.
ولكني سأركزُ على شرطٍ منها لكثرةِ ما غاب عن أذهانِ المعاصرين، ألا وهو العدالةُ الجامعةُ لشروطِها.
وهذه العدالةُ شرطٌ في كلِ ولايةٍ شرعيةٍ، ولذا فهي شرطٌ في أهلِ الحَلِ والعقدِ، وفيمن يُرشحُ للخلافةِ، فمن كان مجهولًا أو مجروحًا في عدالتِه فلا يصلحُ لأيةِ ولايةٍ شرعيةٍ، وبالأحرى لا يصلحُ لأن يكونَ من أهلِ الحَلِ والعقدِ ناهيك عن أن يكونَ خليفةً.
وذلك لقولِ الحقِ سبحانه وتعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
نقل الإمامُ القرطبيُ عن ابنِ خويزِ مندادَ رحمهما اللهُ- في تفسيرِ هذه الآية: “قال ابنُ خويزِ مندادَ: وكلُ من كان ظالمًا لم يكنْ نبيًا ولا خليفةً ولا حاكمًا ولا مفتيًا، ولا إمامَ صلاةٍ، ولا يُقبلُ عنه ما يرويه عن صاحبِ الشريعةِ، ولا تُقبلُ شهادتُه في الأحكامِ”.


فمن انخرمت عدالتُه لا يصلحُ للولاياتِ الشرعيةِ، مثل الإمارةِ والحَلِ والعقدِ، ومثالُ ذلك أن يثبت عليه أنه يتهربُ من التحاكمِ للشريعةِ، أو يكذبُ، أو ينكُثُ العهودَ، أو يصرُ ويجاهرُ بمعصيةِ أميرِه، أو يغلو في تكفيرِ المسلمين، أو يتهمُهم بالتهمِ الباطلةِ، أو يستخفُ بدمائِهم وحرماتِهم، أو يُحَذِرُ منه أهلُ الفضلِ المشهودُ لهم بالسبقِ في الدعوةِ والصدعِ بالحقِ، والذين لا يخافون في اللهِ لومةَ لائمٍ.


وأنا هنا أودُ أن أنصحَ إخواني المجاهدين، وأنا أحوجُهم لهذه النصيحةِ، فأقولُ لكلِ أخٍ مجاهدٍ:
لا تقاتلْ إلا من تثقُ بأنه عدوٌ للإسلامِ ومستحقٌ للقتالِ، واعلم أن أميرَك لن يغنيَ عنك يومَ القيامةِ شيئًا، واحذرْ من أن يكونَ لأميرِك هدفٌ سياسيٌ أو عداوةٌ مع خصمٍ أو منافسةٌ على سلطةٍ أو نفوذٍ، فيستخدمَك من أجلِ صراعاتِه.
ولا تكفرْ إلا من تأكدت من كفرِه، ولا تكنْ إمعةً، فأنت ستحاسب وحدك يومَ القيامةِ.
وأميرُك لن يغنيَ عنك يومَ القيامةِ شيئًا، بل هو محتاجٌ لمن يُنجيه من الحسابِ.
وتذكرْ قولَ الحقِ سبحانه وتعالى:
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
وتذكرْ ما أخرجَه البخاريُ -رحمه اللهُ- عن أسامةَ بنِ زيدٍ -رضي الله ُعنهما- قال:
“بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله ُعليه وسلم- إِلَى الْحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَكَفَّ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي، حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله ُعليه وسلم، فَقَالَ: “يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ”. قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ”.


وأكتفي بهذا القدرِ، وفي الحَلقة القادمةِ -إن شاء اللهُ- أتعرضُ بإيجازٍ لبعضِ الشبهاتِ والتساؤلاتِ حول هذا الموضوعِ.
وأستودعُكم اللهَ الذي لا تضيعُ ودائعَه.
وآخر دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِ العالمين، وصلى الله ُعلى سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبه وسلم.
والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
جمادى الآخرة 1436هـ

الربيع الإسلامي | الحلقة الرابعة
بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وآلهِ وصحبِهِ ومن والاهُ،
أيها الإخوةُ المسلمونَ في كلِ مكانٍ السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ،
وبعدُ،
تحدثت فيما سبق عن:
أولًا: بيانُ ما هي الخلافةُ على منهاجِ النبوةِ.
ثانيًا: ما هي أهمُ خصائصَ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ.
ثالثًا: ما هي الطريقةُ الشرعيةُ لاختيارِ الخليفةِ؟
رابعًا: ما هي أهمُ صفاتِ الخليفةِ؟
وأودُ أن أتحدثَ اليوم عن:
خامسًا: الردُ على بعضِ الشبهاتِ والتساؤلاتِ.


وسأقومُ -بعونِ اللهِ- بالردِ بإيجازٍ وتركيزٍ على الشبهاتِ والتساؤلاتِ التاليةِ:
أولًا: شبهةُ إمارةِ الاستيلاءِ.
ثانيًا: شبهةُ جوازِ بيعةِ الأقليةِ.
ثالثًا: هل من رفض مبايعةَ من لا يراه أهلًا آثمٌ؟
رابعًا:هل يجبُ أن نقبلَ بأيِ خليفةٍ لأنه نصبَ نفسَه عند شغورِ منصِبِ الخلافةِ؟ وبالتالي فإن أيَ خليفةٍ خيرٌ من بقاءِ المسلمين بغيرِ خليفةٍ. بالرغمِ من وجودِ أمراءَ ممكنين للمسلمين قائمين بالعديدِ من الفروضِ الشرعيةِ كالجهادِ والقضاءِ والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وبالرغمِ من وجودِ جماعاتٍ تسعى حثيثًا في إقامةِ خلافةٍ على منهاجِ النبوةِ.
خامسًا: هل من لم يبايعْ من نصب نفسَه خليفةً -وهو ليس بأهلٍ لذلك- يلحقُه الوعيدُ الواردُ في حديثِ النبيِ صلى اللهُ عليه وسلم: “مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً”؟
سادسًا: شبهةُ: حتى لو اعتبرتم أن فلانًا ليس بأهلٍ للخلافةِ، فإننا قد تصفحنا في المؤهلين للخلافةِ فلم نجدْ أفضلَ منه.
سابعًا: هل من زعم لنفسِه الخلافةَ -دون مشورةِ المسلمين- يحقُ له أن يأمرَ أتباعَه بأن يفجروا رؤوسَ من لا يقبلُ بخلافتِه بزعمِ أنهم يشقون الصفَ، استدلالًا بحديثِ النبيِ صلى اللهُ عليه وسلم: “وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ”.
ثامنًا: هل التريثُ في إعلانِ الخلافةِ لحينِ الظرفِ المناسبِ جريمةٌ؟


أولًا: شبهةُ إمارةِ الاستيلاءِ.
وقد يحتج البعضُ بشبهةِ إمارةِ الاستيلاءِ:
فيقولُ: إن العلماءَ أجازوا إمارةَ المستولي على الحكمِ بالسيفِ، ورأوا طاعتَه خيرًا من الخروجِ عليه، فمن استولى على بلدٍ أو عدةِ مناطقَ وأعلن نفسَه خليفةً بالغلبةِ والقوةِ فعلينا طاعتُه، حتى وإن وصل للخلافةِ بتفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ.
فالجوابُ عليهم:
إن الطرقَ الشرعيةَ لاختيارِ الأئمةِ تنحصرُ في طريقين: الاختيارُ أو الاستخلافُ.
ولا يكونُ ذلك إلا برضا المسلمين كما نقلتُ عن الصحابةِ -رضي اللهُ عنهم- وعن الإمامِ مالكٍ وعن ابنِ تيميةَ رحمه اللهُ.
أما انتزاعُ الإمارةِ بالسيفِ والقتالِ والتغلبِ، فإنها جريمةٌ شرعيةٌ تَسفِكُ الدماءَ، وتعتدي على الأمةِ من أجلِ السلطةِ.
“قال ابنُ حجرٍ الهيتميُ رحمه اللهُ: “لأن المتغلبَ فاسقٌ معاقبٌ، لا يستحقُ أن يبشرَ ولا يُؤمرَ بالإحسانِ فيما تغلب عليه، بل إنما يستحقُ الزجرَ والمقتَ والإعلامَ بقبيحِ أفعالِه وفسادِ أحوالِه”.
وإنما قبل بعضُ العلماءِ طاعةَ المتغلبِ ضرورةً، وتفصيلُ المسألةِ مبسوطٌ في كتبِ الفقهِ.
وهذه الضرورةُ لا تلزمُنا، ولا يلزمُنا بحثُها، لأننا ومعظمَ المسلمين لم يتغلبْ علينا هذا المتغلبُ، فنحن -بفضلِ اللهِ- سالمون من ظلمِه.
بل كثيرٌ من المجاهدين مستولُون على مساحاتٍ واسعةٍ شاسعةٍ.
ثم نحن -بفضلِ اللهِ- لسنا بغيرِ بيعةٍ، بل نحن بايعنا -عن رضا- أميرَ المؤمنين الملا محمدَ عمرَ، وهو أميرُنا وأميرُ البغداديِ، الذي كان يعترفُ بإمارتِه، ويهتِفُ أتباعَه باسمِه، ثم نقض البغداديُ ومجموعتُه بيعتَه. ونحن لا ننقضُ بيعةَ أميرِ المؤمنين الملا محمدِ عمرَ -حفظه اللهُ- لخارجٍ زعم الخلافةَ -بلا شورى- في بلدٍ أو عدةِ مناطقَ.
ثم نحن -بفضلِ اللهِ- من الساعين في إقامةِ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِكما سأبينُ بفضلِ اللهِ.
ثم إن العلماءَ لما قبلوا إمارةَ الاستيلاءِ من بابِ الضرورةِ ودفعِ أعظمِ المفسدتين لم يقبلوها بإطلاقٍ، بل شرطوا لها شرطًا أساسيًا، ألا وهو أن تكونَ الشريعةُ قائمةً وأحكامُها جاريةً، فمن ثبت عليه ومجموعتِه تهربُهم من التحاكمِ للشريعةِ فقد اختل الشرطُ الأساسيُ فيهم.
ثم إن الذين يستندون على هذه الشبهةِ تفتحُ عليهم بابَ خروجِ أيِ مجموعةٍ متمردةٍ عليهم لها تمكن في منطقةٍ من مناطقِهم، كما انفصل الأمويون بالأندلسِ عن العباسيين.
ويحقُ -بناءً على هذه الشبهةِ- أن تعلنَ المجموعةُ المتمردةُ عزلَ المتغلبِ الأولِ وتعيينَ متغلبٍ آخرَ بالقوةِ، وهكذا تقودُنا إمارةُ الاستيلاءِ لمستنقعٍ من الدمِ، تضيعُ فيه دماءُ خيارِ الأمةِ من المجاهدين والصالحين، وتشعلُ فتنًا يُسرُ بها أعداءُ الإسلامِ.
قال الإمامُ ابنُ العربيِ رحمه اللهُ: “وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: إذَا خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ خَارِجٌ وَجَبَ الدَّفْعُ عَنْهُ، مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَدَعْهُ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْ ظَالِمٍ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
قَالَ مَالِكٌ: إذَا بُويِعَ لِلْإِمَامِ فَقَامَ عَلَيْهِ إخْوَانُهُ قُوتِلُوا إذَا كَانَ الْأُوَلُ عَدْلًا، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا بَيْعَةَ لَهُمْ إذَا كَانَ بُويِعَ لَهُمْ عَلَى الْخَوْفِ”.
وأودُ هنا أن أنبهَ على أن بعضَ الإخوةِ قد يخلِطُ بين كلامِ العلماءِ في الصبرِ على أئمةِ الجورِ المتغلبين بالسيفِ وبين خلافةِ النبوةِ، فيستدلون بذلك الكلامِ على أن ولايةَ المتغلبِ خلافةٌ على منهاجِ النبوةِ. مثل كلامِ الإمامِ أحمدَ رحمه اللهُ:
“ومن غلبهم بالسيفِ حتى صار خليفةً وسُميَ أميرَ المؤمنين لا يحِلُ لأحدٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن يبيتَ ولا يراه إماماً عليه، براً كان أو فاجراً، فهو أميرُ المؤمنين”.
وهذا استدلالٌ خاطئٌ من وجوهِ:
أولُها: أن الصبرَ على ولايةِ المتغلبِ فيه تفصيلٌ في مذهبِ أهلِ السنة ليس هذا محلُ تفصيلِه.
وثانيها: أن الإمامَ أحمدَ -رحمه اللهُ- قد وردت عنه رواياتٌ أخرى مخالفةٌ لهذا المعنى، ليس هذا محلُ بيانِها، بل إنه قد أثنى على الإمامِ أحمدَ بنَ نصرٍ الخزاعىِ رحمه اللهُ، الذي خرج على الخليفةِ الواثقِ العباسيِ، فقال الإمامُ أحمدُ عن أحمدَ بن نصرٍ: “رحمه اللهُ، ما كان أسخاه بنفسِه للهِ، لقد جاد بنفسِه له”.
وثالثُها: أننا نسألُ صاحبَ هذا الاستدلالِ: أيُ خلافةٍ تريدُ؟ خلافُة النبوةِ التي بشر بها النبيُ صلى اللهُ عليه وسلم، وخلافةُ الخلفاءِ الراشدين، التي أمرنا النبيُ -صلى اللهُ عليه وسلم- باتباعِهم.
أم خلافةُ القهرِ والغلبةِ، التي وصفها النبيُ -صلى اللهُ عليه وسلم- بأنها تغييرٌ لسنتِه، والتي نهى سيدُنا عمرَ -رضي اللهُ عنه- عن مبايعةِ صاحبِها، ووصفه الإمامُ مالكٌ -رحمه اللهُ- بأنه ظالمٌ ينتقمُ اللهُ منه، وأنه لا بيعةَ له، ولا ينصرُ على من خرج عليه، كما مر بنا.
وأنا أودُ هنا أن أبينَ أمورًا:
الأولَ: أن خلافةَ الاستيلاءِ والتغلبِ والقهرِ، أو التي يسميها بعضُهم بخلافةِ التفجيرِ والتفخيخِ والنسفِ، هي التي جلبت على الأمةِ أسوأَ العواقبِ في تاريخِها، وكانت سببًا في هذا التدهورِ والانهيارِ الذي وصلنا له، ويكفي أنها التي أدت لتولي النساءِ والأطفالِ للحكمِ، في أشدِ الأوقاتِ حرجًا في تاريخِ الأمةِ.
مثلما ولى أمراءُ المماليكِ بمصرَ المنصورَ بنَ عزِ الدينِ أيبكَ -وهو صبيٌ صغيرٌ يُمضي وقتَه في ركوبِ الحميرِ واللعبِ بالحمامِ- ملكًا على مصرَ، وكان التتارُ قد اجتاحوا بغدادَ، واقتربوا من حلبَ، ويهددون مصرَ، فعقد الأمراءُ والعلماءُ والأعيانُ مجلسًا بحضرةِ الملك ِالمنصورِ، وهو جالسٌ لا رأيَ له، فخلعه الأميرُ سيفُ الدينِ قطزُ، واستولى على السلطنةِ، واعتذر للفقهاءِ والقضاةِ بأن المنصورَ صبيٌ صغيرٌ، والبلادُ في حاجةٍ لسلطانٍ قويٍ ماهرٍ لمواجهةِ التتارِ.
ثم لما انتصر قطزُ -رحمه اللهُ- على التتارِ في عينِ جالوتَ، تآمر بيبرسُ عليه مع مجموعةٍ من الأمراءِ فقتلوه، ثم حملوا على العسكرِ وهم شاهرون سيوفَهم، حتى وصلوا إلى الدِّهليزِ السلطانيِ، فنزلوا ودخلوا والأتابكُ على بابِ الدِّهليزِ، فأخبروه بما فعلوا، فقال: من قتله منكم؟ فقال بيبرسُ: أنا. فقال: يا خوند، اجلسْ على مرتبةِ السلطانِ.
فغُيبتِ الشريعةُ عن تنصيبِ الإمامِ وأصبح السيفُ هو الحكمَ.
وبدلًا من أن يُساقَ القاتلُ للقضاءِ الشرعيِ، يُكافأُ بأن يصيرَ هو السلطانَ، بل ويُعَيِّنُ القضاةَ والمفتين، بل ورأينا من يُدعى للتحاكمِ في تهمٍ تصلُ لسفكِ الدماءِ تتعلقُ به وبأعوانِه، فيأبى ويتهربُ، ويقولُ: أنا الإمامُ، ومن أراد أن يتحاكمَ فليأتِ للقاضي الذي أعينُه.
وهكذا تُنتقضُ الشريعةُ، وصدق رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: “لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ، عُرْوَةً عُرْوَةً، فكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ، تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ”.
وفي التاريخِ المعاصرِ كانت إمارةُ الاستيلاءِ هي أحدُ أهمِ الأسبابِ في إفسادِ دعوةِ الإمامِ المجددِ محمدٍ بنِ عبدِ الوهابِ رحمه اللهُ، فحولتها لدولةٍ توالي الأمريكانَ والإنجليزَ على المسلمين، وتحكمُ بغيرِ ما أنزل اللهُ، وتُسَلِّمُ لهم ثرواتِهم وبلادِهم.
الأمرُ الثاني: أن الدعوةَ لخلافةِ التفخيخِ والتفجيرِ والنسفِ، ستؤدي لإشعالِ الفتنةِ بين المجاهدين، بين من يَتَّبِعُ خليفةَ التفجيرِ والتفخيخِ والنسفِ، ويعتبرُ أن غيرَه من المجاهدين لا شرعيةَ له، بل هم بغاةٌ، وأحيانًا مرتدون، وبين من لا يقبلْ بتسلطِه، ويسعى لخلافةٍ على منهاجِ النبوةِ، وهو الأمرُ الذي رأينا كوارثَه في فتنةِ القتالِ بين المجاهدين في الشامِ، ويهددُ بتدميرِ الجهادِ، ويكونُ المستفيدُ الأولُ هم أعداءَ الإسلامِ.
الأمرُ الثالثُ: أن الملكَ العضوضَ لم يخلْ من أعمالٍ صالحةٍ، فالحجاجُ بنُ يوسفَ أرسل محمدًا بنَ القاسمِ لفتحِ السندِ، والخليفةُ المعتصمُ -الذي ضرب الإمامَ أحمدَ رحمه الله- بالسياطِ فتح عموريةَ، ولكن هذا لا ينفي حقيقةَ أن التغلبَ على الملكَ بالقوةِ بغيرِ شورى مخالفٌ للشريعةِ.
ونحن اليوم نسعى لإعادةِ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ، التي فيها صلاحُ المسلمين وسيادتُهم وعزتُهم، خلافةُ النبوةِ والرحمةُ التي بشرنا بها رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم، ولا نسعى لإعادةِ الملكِ العضوضِ الذي كان سببًا من أهمِ الأسبابِ في انحطاطِ المسلمين وتخلفِهم وهزيمتِهم.
نسعى لإعادةِ الخلافةِ على نموذجِ الخلفاءِ الراشدين، لا على منهجِ الحجاجِ بن يوسفَ وبسرِ بنِ أرطاةَ وأبي مسلمٍ الخراسانيِ.
نسعى لإعادةِ الخلافةِ على منهجِ سيدِنا رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلم- الذي يقولُ: “خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ”. وكيف يحبُ الناسُ من يقهرُهم ويقهرُ خيارَهم بتفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ؟


ثانيًا: شبهةُ جوازِ بيعةِ الأقليةِ.
وأتطرقُ بإيجازِ لتلك الشبهةِ، فقد وجدتُ بعضَ الإخوةِ يستندون لأمرين في جوازِ بيعةِ الأقليةِ:
الأمرُ الأولُ: هو ما نُقِل عن بعضِ العلماءِ -رحمهم اللهُ- أنه يجوزُ عقدُ البيعةِ للخلافةِ بواحدٍ أو اثنين أو عددٍ قليلٍ.
والجواب عليها:
أولًا: إن هذا القولَ مخالفٌ لسنةِ الصحابةِ -رضوانُ اللهِ عليهم- واتفاقهم الصريح، الذي رُوي في أصحِ كتبِ السنةِ، كما مر بنا.
ثانيًا: تكفل شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمه اللهُ- بالردِ على هذه الشبهةِ كما مر بنا، وهي تشبهُ شُبهَ الرافضةِ في الطعنِ على الصحابةِ وسيدِنا أبي بكرٍ رضي اللهُ عنهم.
الأمرُ الثاني: ما ذكره الإمامُ النوويُ رحمه اللهُ:
“أَمَّا الْبَيْعَةُ: فَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَةُ كُلِّ النَّاسِ، وَلَا كُلُّ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعِقْدِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ مُبَايَعَةُ مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعُهمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوه النَّاسِ”.
وهذا القولُ حجةٌ على من يزعمُ جوازَ البيعةِ بالأقليةِ:
أولًا: فلم يشترطْ أحدٌ الإجماعَ، بل موافقةَ الجمهورِ.
وثانيًا: لأن من يتيسرُ إِجْمَاعُهمْ اليوم مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوه النَّاسِ يشملُ كلَ من هذه صفته في كل الدنيا، فقد صار الاتصالُ بكلِ العالمِ اليومَ ممكنًا في أجزاءَ من الثانيةِ.
وثالثًا: لأن الإمامَ النوويَ -رحمه اللهُ- ذكر إجماعَ من تيسرَ من العلماءِ والرؤساءِ ووجوهِ الناسِ، ولم يذكرِ المجهولين، الذي لا نعرفُ لهم اسمًا ولا حتى كنيةً.


ثالثًا: هل من رفض مبايعةَ من لا يراه أهلًا آثمٌ؟
الجوابُ: طبعًا لا.
والدليلُ هو فعلُ عديدٍ من الصحابةِ الكرامِ رضوانُ اللهِ عليهم.
فمثلًا سادتُنا الحسينُ وابنُ الزبيرِ وعبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ -رضي اللهُ عنهم- رفضوا بيعةَ يزيدَ بنِ أبي سفيانَ.
“أخرج أبو نعيم -رحمه اللهُ- عن عروة بن الزبير رحمه اللهُ:
قال: “تثاقل عبد اللهِ بنُ الزبيرِ عن طاعةِ يزيدَ بنِ معاويةَ، وأظهر شتمَه، فبلغ ذلك يزيدَ، فأقسم لا يؤتى به إليه إلا مغلولًا، وإلا أرسل إليه، فقيل لابنِ الزبيرِ: ألا نصنعُ لك أغلالًا من فضةٍ تلبَسُ عليها الثوبَ وتبِرُّ قسمَه، فالصلحُ أجملُ لك؟ قال: فلا أَبِرُّ واللهِ قسمَه، ثم قال:
ولا ألينُ لغيرِ الحقِ أسألُه حتى يلينَ لضرسِ الماضغِ الحجرُ
ثم قال: واللهِ لضربةٌ بسيفٍ في عزٍ أحبُ إليَّ من ضربةٍ بسوطٍ في ذلٍ، ثم دعا إلى نفسِه، وأظهر الخلافَ ليزيدَ بنَ معاويةَ”.
وهذا حديثٌ سندُه صحيحٌ بفضلِ اللهِ.
وأخرج الإمامُ الإسماعيليُ رحمه اللهُ: “فَأَرَادَ مُعَاوِيَة أَنْ يَسْتَخْلِف يَزِيد -يَعْنِي اِبْنه- فَكَتَبَ إِلَى مَرْوَان بِذَلِكَ، فَجَمَعَ مَرْوَان النَّاس فَخَطَبَهُمْ، فَذَكَر يَزِيدَ، وَدَعَا إِلَى بَيْعَته، وَقَالَ: إِنَّ اللَّه أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي يَزِيدَ رَأْيًا حَسَنًا، وَإِنْ يَسْتَخْلِفهُ فَقَدْ اِسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا هِيَ إِلَّا هِرَقْلِيَّة”.
وقد أخرجه الإمامُ البخاريُ -رحمه اللهُ- في صحيحِه مختصرًا.
وقال الإمامُ ابنُ حجرٍ رحمه اللهُ: “وأخرج الزبيرُ عن عبدِ اللهِ بن نافعٍ قال: خطب معاويةُ فدعا الناسَ إلى بيعةِ يزيدَ، فكلمه الحسينُ بنُ عليٍ وابنُ الزبيرِ وعبدُ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ، فقال له عبدُ الرحمنِ: “أهرقليةٌ كلما مات قيصرُ كان قيصرُ مكانَه؟ لا نفعلُ واللهِ أبداً”.
وسيدانا الحسينُ بنُ عليٍ وعبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ -رضي اللهُ عنهم- لم يكتفيا برفضِ تولي يزيدَ، ولكن كلًا منهما دعى لنفسِه باعتبارِ أن جمهورَ الأمةِ يقبلونه.
ويزيدُ لم يبايعْه الناسُ -قبل استيلائِه على الخلافةِ- خلسةً في سردابَ، بل جُمعت له البيعاتُ -قبل تنصيبِه- من الشامِ والحجازِ وغيرِهما.
وأنبهُ هنا إلى أن سيدَنا الحسينَ لم ينكُثْ بعهدِه لسيدِنا معاويةَ رضي اللهُ عنهما، بل ظل وفيًا لما عاهد عليه سيدُنا الحسنُ سيدَنا معاويةَ رضي اللهُ عنهما، مع أنه كان كارهًا لذلك، وكان يرى قتالَ سيدِنا معاويةَ رضي اللهُ عنهما. ولكنه وفى بعهدِه وعهدِ أخيِه والمسلمين لسيدِنا معاويةَ رضي اللهُ عنه، لأنه اعتبر أن ولايةَ سيدِنا معاويةَ -رضي اللهُ عنه- ولايةٌ شرعيةٌ، لأنها تمت بإجماعِ المسلمين.
ولم يدعُ لنفسِه إلا بعد وفاةِ معاويةَ رضي اللهُ عنه، لأنه اعتبر أن ولايةَ يزيدَ بنِ معاويةَ غيرُ شرعيةٍ، لأنها تمت بالغلبةِ وبغيرِ شورى المسلمين، الذي يراه أكثرُهم غيرَ أهلٍ للخلافةِ.


الشبهة الرابعة: هل يجبُ أن نقبلَ بأيِ خليفةٍ لأنه نصبَ نفسَه عند شغورِ منصِبِ الخلافةِ؟ وبالتالي فإن أيَ خليفةٍ خيرٌ من بقاءِ المسلمين بغيرِ خليفةٍ. بالرغمِ من وجودِ أمراءَ ممكنين للمسلمين قائمين بالعديدِ من الفروضِ الشرعيةِ كالجهادِ والقضاءِ والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وبالرغمِ من وجودِ جماعاتٍ تسعى حثيثًا في إقامةِ خلافةٍ على منهاجِ النبوةِ.
فالجوابُ: لا.
وهذه الشبهةُ لم يقبلْها سادتُنا الحسينُ ولا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ ولا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ رضي اللهُ عنهم، فإنه لما تُوفي سيدُنا معاويةُ -رضي اللهُ عنه- وخلا منصبَ الخلافةِ، رفضوا تولي يزيدَ لمنصبِ الخلافةِ، ولم يقولوا نقبلُ بيزيدَ خيرٌ من أن نبقى بغيرِ خليفةٍ، وسعى كلٌ من سيدِنا الحسينِ ثم سيدِنا عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ -رضي اللهُ عنهم- في إقامةِ خلافةٍ على منهاجِ الخلافةِ الراشدةِ، ودعا كلٌ منهما لنفسِه مع وجودِ يزيدَ. فلم يتمَّ الأمرُ لسيدِنا الحسينِ، وتم الأمرُ لسيدِنا عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ رضي اللهُ عنهم، واعتبر العلماءُ سيدَنا عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ -رضي اللهُ عنهما- الخليفةَ الشرعيَ بعد أن اجتمعت له بيعاتُ الأمصارِ.

  • ثم نحن لسنا بغيرِ بيعةٍ، بل في أعناقِنا وأعناقِ البغداديِ ومجموعتِه بيعتُنا وبيعتُهم للإمارةِ الإسلاميةِ، التي نكثها البغداديُ ومجموعتُه، ونحن نوفي بها بإذنِ اللهِ.
    ثم نحن لسنا غافلين ولا متقاعسين عن إقامةِ الخلافةِ، بل نحن وسائرُ المجاهدين جادون في ذلك كما سأبينُ إن شاء اللهُ، ولكن خلافةٌ على منهاجِ النبوةِ، وليست ملكًا عضوضًا مغالبةً وغصبًا بتفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ.

خامسًا: هل من لم يبايعْ من نصب نفسَه خليفةً -وهو ليس بأهلٍ لذلك- يلحقُه الوعيدُ الواردُ في حديثِ النبيِ صلى اللهُ عليه وسلم: “مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً”؟
فالجوابُ: لا.
ولبيانِ ذلك أوردُ بعضَ رواياتِ هذا الحديثِ من الصحيحين أولًا:
أخرج الإمامُ البخاريُ -رحمه اللهُ- عن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما:
“مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً”.
وأخرج الإمامُ مسلمٍ -رحمه اللهُ- عن ابنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما:
“مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً”.
وأخرج أيضًا -رحمه اللهُ- عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه:
“مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْه”.
فهذا الحديثُ يدخلُ في وعيدِه الآتي ذكرُهم:

  • من كان له أميرٌ ورأى منه ما يكره، وفارق جماعةَ المسلمين، الذين اجتمعوا على ذلك الأميرِ.
  • ومن خلع يدَه من طاعةِ الأمير، الذي كان في طاعتِه.
  • ومن خرج من طاعةِ الأميرِ مفارقًا لجماعةِ المسلمين.
    ولا يدخلُ فيه من لم يبايعْ أصلًا من لم يره أهلًا للإمارةِ ولا للخلافةِ، ويؤكد ذلك موقفُ سادتِنا الحسينِ وابنِ الزبيرِ وعبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ -رضي اللهُ عنهم- من إمارةِ يزيدَ بنِ أبي سفيانَ، كما مر بنا.
    ونحن بفضلِ اللهِ والأكثريةُ الغالبةُ من المجاهدين والمسلمين:
    = لم ندخلْ في طاعةِ الذي نصب نفسَه خليفةً وهو ليس بأهلِ للخلافةِ حتى نخلعَ يدًا منها.
    = ولم نفارقِ الجماعةَ، لأننا لم نخرجْ على إمامٍ بايعته جماعةُ المسلمين.
    = ثم نحن لم ننزعْ يدًا من طاعةٍ ولم ننكُث ببيعةٍ، لأن في أعناقِنا بيعةٌ لأميرٍ بايعناه عن رضا وهو متمكنٌ على مساحاتٍ شاسعةٍ بفضلِ اللهِ، ويدينُ له بالولاءِ عن رضا وحبٍ عشراتُ الملايين في أفغانستانَ وباكستانَ وشبهِ القارةِ الهنديةِ ووسطِ آسيا والعالمِ العربيِ وسائرِ العالمِ.
  • وهل لنا فيما نقول سلفٌ؟
    نعم وأيُ سلفٍ؛ الحسينُ وعبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ وعبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ رضي اللهُ عنهم، الذين رفضوا بيعةَ يزيدٍ لأنها لم تتمَّ عن مشورةِ المسلمين.
  • ويؤكدُ هذا ما قاله الإمامُ أحمدُ -رحمه اللهُ- في تفسيرِ هذا الحديثِ.
    ذكر الإمامُ الخلالُ رحمه اللهُ:
    “وأخبرني محمدٌ بنُ أبي هارونَ أن إسحاقَ حدثهم أن أبا عبدِ اللهِ سُئِلَ عن حديثِ النبيِ: “من مات وليس له إمامٌ مات ميتةً جاهليةً”. ما معناه؟
    قال أبو عبدِ اللهِ: تدري ما الإمامُ؟ الإمامُ الذي يُجْمِعُ المسلمون عليه كلُهم يقولُ هذا إمامٌ، فهذا معناه”.
    وعلق الإمامُ الفراءُ -رحمه اللهُ- على هذه الروايةِ بقولِه: “وظاهرُ هذا أنها تنعقدُ بجماعتِهم”.
    والمسلمون في هذا الزمنِ لم يُجمعوا على أن من نصب نفسَه خليفةً ببيعةِ قلةٍ مجهولةٍ إمامُهم، بل لم يقلْ ذلك إلا أقلُ القليلِ ممن لا نعلمُهم.

سادسًا: شبهةُ: حتى لو اعتبرتم أن فلانًا ليس بأهلٍ للخلافةِ، فإننا قد تصفحنا في المؤهلين للخلافةِ فلم نجدْ أفضلَ منه.
فهو قولٌ مردودٌ، بل في المجاهدين وأفاضلِ المسلمين من يفوقُه.
قال الشيخُ أبو محمدٍ المقدسيُ -حفظه الله- في شأنِ جماعةٍ نصبت أميرَها خليفةً ببيعةِ قلةٍ من المجهولين:
“لا بد أن يُقالَ بأنه لو لم يوجدْ غيرُ هذه الجماعةِ في الساحةِ؛ لدفع هؤلاء العلماءَ علمُهم إلى تأييدِ أميرِها لأنهم مطالبون بتأميرِ الأمثلِ، فلا شك أن هؤلاءِ أمثلُ من الطواغيتِ والحكامِ المرتدين؛ أما والساحةُ تمتلئُ بالجماعاتِ المقاتلةِ المنافسةِ، التي يوازي بعضُها هذه الجماعةَ بالقوةِ ويساميها بالعددِ ويفضُلُها في النهجِ والقيادةِ ..فلا يجبُ تقديمُ المفضولِ على الفاضلِ”.


سابعًا: هل من زعم لنفسِه الخلافةَ -دون مشورةِ المسلمين- يحقُ له أن يأمرَ أتباعَه بأن يفجروا رؤوسَ من لا يقبلُ بخلافتِه بزعمِ أنهم يشقون الصفَ، استدلالًا بحديثِ النبيِ صلى اللهُ عليه وسلم: “وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ”.
والجوابُ:
أولًا: مر بنا بطلانُ بيعةِ الأقليةِ، وأن من بايعته الأقليةُ لا يعد إمامًا شرعيًا، كما دلت على ذلك سنةُ النبيِ -صلى اللهُ عليه وسلم- وسيرةُ الخلفاءِ الراشدين والصحابةِ-رضي الله عنهم- وقولِ ابنِ تيميةَ رحمه اللهُ.
ثانيًا: مر بنا قولُ الإمامِ أحمدَ -رحمه اللهُ- في بيانِ من هو الإمامُ الذي من لم يبايعْه فقد مات ميتةً جاهليةً.
ثالثًا: ومر بنا قولُ الإمامِ مالكٍ في عدمِ إعانةِ من استولى على الإمامةِ بالقهرِ ضد من خرج عليه.
رابعًا: من نكث بيعةَ أميرِه، ثم دعا لبيعتِه هو أولُ من ينطبقُ عليه هذا الحديثُ، ولا يحقُ له أن يحتجَ بهذا الحديثِ، بل هو حجةٌ عليه.
خامسًا: من نكث بيعةَ أميرِه، ثم دعا لبيعتِه، فبيعتُه باطلةٌ، لأن ما انبني على باطلٍ فهو باطلٍ.
سادسًا: لنتصورْ بشاعةَ الكارثةِ التي تُسببها هذه الشبهةُ، كارثةِ أن يُنصبَ رجلًا نفسَه خليفةً بغير مشورةِ المسلمين، ولا تقبلُ به الأكثريةُ الكاثرةُ من المجاهدين والمسلمين، ثم يرسلُ فرقَ الاغتيالاتِ لتفجرَ رؤوسَ أكثرَ المجاهدين الموحدين بل وأفاضلِهم، الذين يسعَون لتحكيمِ الشريعةِ وإقامةِ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ، وكثيرٌ منهم في ميدانِ الجهادِ من قبلِهم بعقودٍ، ولم يتزحزحوا ولم يتراجعوا.
وهكذا يفتكُ هؤلاء المساكينُ بالحركةِ الجهاديةِ، وتشتعلُ الفتنةُ من داخلِها، وتدمرُ نفسَها بأيدي من ينتسبون لها.
وأعداءُ الإسلامِ يراقبون هذه الكارثةَ وهم فرحون.
ثم ليتصورْ من يصدقُ هذه الشبهةَ أيةَ مصيبةٍ هوى فيها، خرج هذا المسكينُ من بيتِه يطلبُ الجنةَ فيجدُ نفسَه في قعرِ جهنمَ، كما أخبرنا ربُنا سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
ثم ألا يحقُ لنا أن نتساءلَ عن باعثِ ودافعِ من يؤزُ المجاهدين أزًا على هذه الجريمةِ بالفتاوى المنحرفةِ المتعطشةِ لدماءِ خصومِه من أفاضلِ المجاهدين والمسلمين؟ ما الباعثُ وراءَها؟ وأيةُ فتنةٍ يسعى فيها؟ وأيةُ جريمةٍ يحرضُ عليها؟


ثامنًا: هل التريثُ في إعلانِ الخلافةِ لحينِ الظرفِ المناسبِ جريمةٌ؟
سأؤجلُ الإجابةَ على هذه الشبهةِ تفصيلًا إلى حينِ الإجابةِ عن سؤالِ: هل الظروفُ الآن مهيأةٌ لإعلانِ الخلافةِ؟
ولكني أجيبُ باختصارٍ؛ أن الصحابةَ -رضوانُ اللهِ عليهم- لم يأثموا بنهيِ الحسينِ -رضي اللهُ عنه- عن الخروجِ على يزيدَ بنِ معاويةَ، لأنهم رأوا أن خروجَه لم تتهيأْ له ظروفُ النجاحِ. كما سيأتي إن شاء اللهُ.


وأكتفي بهذا القدرِ، وألقاكم في حلقةٍ قادمةٍ إن شاء اللهُ.
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِ العالمينَ، وصلى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وسلمَ. والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.

جمادى الآخرة 1436هـ

الربيع الإسلامي | الحلقة الخامسة

بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وآلهِ وصحبِهِ ومن والاهُ،
أيها الإخوةُ المسلمونَ في كلِ مكانٍ السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ،
وبعدُ،
تحدثتُ فيما سبق عن الموقفِ الواجبِ تجاهِ الحملةِ الصليبية على العراق والشام، وعن الجريمةِ الباكستانيةِ الأمريكيةِ ضد وزيرستانَ، وعن أهمِ معالمِ الخلافةِ التي على منهاجِ النبوةِ،
وفي هذه الحلقةِ أودُ أن أتطرقَ لسؤالين:
الأول: هل الظروفُ الآن مهيأةٌ لإعلانِ قيامِ الخلافةِ؟
والثاني: إذا لم تكنِ الظروفُ الآن مهيأةً لإعلانِ قيامِ الخلافةِ، فما هو البديلُ من أجلِ السعي في إقامتِها؟


فبالنسبةِ للسؤالِ الأولِ وهو: هل الظروفُ الآن مهيأةٌ لإعلانِ قيامِ الخلافةِ؟
فأبدأُ قبلَ الجوابِ عليه بتمهيدٍ، وهو:
أن الحركاتِ الإسلاميةَ منذ سقوطِ الخلافةِ تسعى لاستعادتِها. وقد قطعوا خطواتٍ واسعةً في هذا المضمارِ، بل البغداديُ ومجموعتُه وأفرعُ القاعدةِ بما فيهم دولةُ العراقِ الإسلاميةُ ما هم إلا ثمرةٌ من الثمارِ العديدةِ لهذا المسعى.
ومن أجلِ الاختصارِ أضربُ مثالًا واحدًا على ذلك، وهو الإشارةُ بإيجازٍ لمساعي الشيخِ أسامةَ بنِ لادنٍ -رحمه اللهُ- من أجلِ إقامةِ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ.
= فمن هذه المساعي دعمُ الجهادِ في أفغانستانَ على أملِ أن تكونَ أفغانستانُ قلعةً للإسلامِ، ودعمُه لكثيرٍ من الحركاتِ الجهاديةِ في العالمِ ليساعدَها على إقامةِ دولٍ إسلاميةٍ في مناطقِها.
= ومن هذه المساعي دعمُه لحكومةِ السودانِ بهدفِ إنشاءِ قاعدةٍ اقتصاديةٍ تستندُ لها أيةُ حركةٍ إسلاميةٍ.
فقد كان الشيخُ -رحمه اللهُ- يرى أن أيةَ حركةٍ إسلاميةٍ تتمكنُ من الوصولِ للحكمِ، سيشنُ الغربُ الصليبيُ عليها حربًا اقتصاديةً، وأن السودانَ بإمكاناتِها الزراعيةِ الواسعةِ، يمكنُ أن توفرَ الغذاءَ الضروريَ لأيةِ دولةٍ إسلاميةٍ تُحاصرُ اقتصاديًا.
وكان -رحمه اللهُ- يستدلُ على أهميةِ الاقتصادِ بأن دولةَ إسرائيلَ قامت على أساسِ الدعمِ الماليِ من اليهودِ.
أما مشروعُه الآخرُ الذي كان يرجو أن يحققَه فهو إنشاءُ طريقِ الحجِ البريِ الممتدِ من نيجيريا حتى السودانِ، لتتصلَ البلدانُ الإسلاميةُ الإفريقيةُ اقتصاديًا وثقافيًا وشعبيًا.
= ثم هجرتُه الثانيةُ لأفغانستانَ والسعيُ لتوحيدِ الأمةِ حول الحركةِ الجهاديةِ في مواجهةِ هدفٍ واحدٍ وهو العدوُ الأمريكيُ، ولذا بدأ بتحريضِه على الجهادِ ضد الأمريكانِ بعد دراستِه لكلِ الحركاتِ والتجاربِ الجهاديةِ السابقةِ، ليجمعَ الأمةَ والحركاتِ الإسلاميةَ والجهاديةَ حول قضيةٍ واحدةٍ توحدُهم كخطوةٍ أساسيةٍ للسعيِ نحو الخلافةِ.
= ثم شارك في الجهادِ في صفوفِ الإمارةِ الإسلاميةِ تحت رايةِ أميرِ المؤمنين الملا محمدِ عمرَ مجاهدٍ حفظه اللهُ، ضد أعداءِ الإمارةِ الذين رأى فيهم العمالةَ لأمريكا، والعداءَ لوحدةِ المجاهدين وقيامَ الخلافةِ، وهو الأمرُ الذي أثبتته الأحداثُ، وأقر به تقريرُ الكونجرسِ عن أحداثِ الحادي عشرَ من سبتمبرَ، ووثقته مؤسسةُ السحابِ في عدةِ إصداراتٍ لها.
= ثم الخطوةُ التاليةُ الهامةُ والخطيرةُ مبايعةُ الشيخِ أسامةَ بنِ لادنٍ -رحمه اللهُ- لأميرِ المؤمنين الملا محمدِ عمرَ حفظه اللهُ، وكان هذا من علاماتِ بصيرتِه التي أكرمه اللهُ بها. ثم دعوةُ المسلمين لبيعةِ أميرِ المؤمنين الملا محمدِ عمرَ مجاهدٍ حفظه اللهُ، باعتبارِ أن له صلاحياتُ الإمامِ الأعظمِ في أفغاانستانَ وفي أعناقِ من بايعوه، ومنهم جماعةُ قاعدةِ الجهادِ بأفرعِها المختلفةِ، ومنها دولةُ العراقِ الإسلاميةُ.
ومن أهمِ جنودِ جماعةِ قاعدةِ الجهادِ البطلان الشهيدان -كما نحسبُهما- الشيخُ أبو مصعبٍ الزرقاويِ والشيخُ أبو حمزةَ المهاجرِ رحمهما اللهُ رحمةً واسعةً.
من أيةِ مدرسةٍ تخرَّج هذان البطلان؟
الشيخُ أبو مصعبٍ نشأ في مدرسةِ الشيخِ عبدِ اللهِ عزامٍ الجهاديةِ، ثم تربى على يدِ الشيخِ أبي محمدِ المقدسيِ حفظه الله، ثم صار جنديًا في جماعةِ قاعدةِ الجهادِ.
وأودُ هنا أن أضربَ مثالين راقيين من أمثلةِ وفائِه بالعهدِ رحمه اللهُ، ليكونا قدوةً للمجاهدين في الخلقِ الراقي والسلوكِ الرفيعِ.
المثالُ الأولُ: ما قاله -رحمه اللهُ- في شريطٍ صوتيٍ للشيخِ أسامةَ -رحمهما اللهُ- إنما أنا جنديٌ تحت إمارتِك، وإن شئت عزلتني، وجرِّب لترى، وما أرسل لي به الدكتورُ في رسالتِه كان استفساراتٍ، ولو كانت أوامرَ قاطعةً لالتزمتها.
المثالُ الثاني: أرسل الشيخُ أبو مصعبٍ الزرقاوي -رحمه اللهُ- رسولًا لإخوانه في خراسان فالتقى ببعضِ القياداتِ، منهم الشيخُ مصطفى أبو اليزيدِ رحمه اللهُ، فكان مما أخبرهم به أن الشيخَ أبا مصعبٍ -رحمه اللهُ- لما كان يعرِضُ أمرَ شورى المجاهدين على الجماعاتِ المجاهدةِ، اشترطت إحدى الجماعاتِ قطعَ علاقةِ تنظيمِ القاعدةِ في بلادِ الرافدين بقيادةِ القاعدةِ، فلما نُقِلَ الأمرُ للشيخِ أبي مصعبٍ -رحمه اللهُ- قال: معاذَ اللهِ أن أنكثَ بيعتي مع الشيخِ أسامةَ رحمه اللهُ.
ومن أراد الاستزادةَ فليرجعْ -على سبيلِ المثالِ- لكلمتي الشيخِ أبي مصعبٍ الزرقاويِ رحمه اللهُ: بَيَانٌ البَيعَةُ لِتَنظِيمِ القَاعِدَةِ بِقِيَادَةِ الشَّيخِ أُسَامة بنُ لادِنَ، ورسالةٌ من جنديٍ إلى أميرِه.
أما الشيخُ أبو حمزةَ المهاجرُ -رحمه اللهُ- فقد نشأ في جماعةِ الجهادِ وكان من أخلصِ جنودِها، وكنتُ أعتبرُه أخي الأصغرَ، وفي أكثرَ من مرةٍ كان مرافقًا وحارسًا لي، وبايع هو والشيخُ أبو إسلامٍ المصريُ -رحمهما اللهُ- الشيخَ أسامةَ في أفغانستانَ.
وأحيانًا كان يراسلُنا أنا والشيخَ أسامةَ والشيخَ مصطفى بأسماءِ العمِ والوالدِ والخالِ. وقد اشترط على الشيخِ أبي عمرَ البغداديِ -رحمه اللهُ- عند بيعتِه أن يقرَ بأنه جنديٌ للشيخِ أسامةَ وبالتالي لأميرِ المؤمنين الملا محمدِ عمرَ مجاهدٍ حفظه اللهُ.
ومن قبل هذا قال الشيخُ أبو حمزةَ المهاجرَ -رحمه اللهُ- في البيانِ الذي أصدره عقبَ استشهادِ الشيخِ أبي مصعبٍ الزرقاويِ رحمه اللهُ:
“شيخَنا و أميرَنا أبا عبدِ اللهِ أسامةَ بنَ لادنٍ؛
لقد مَنَّ اللهُ علينا وأكرمنا بإخوةٍ كرامٍ أشاوسَ اجتمعوا معنا في (مجلسِ شورى المجاهدين)، فكانوا خيرَ عونٍ ونصيرٍ، تعاقدنا على النّصرِ وتعاهدنا على التزامِ منهجِ السّلفِ رضي اللهُ عنهم، فجزاهم ربُنا عنا وعن جميعِ المسلمين كلَ خيرٍ.
شيخَنا و أميرَنا أبا عبدِ اللهِ أسامةَ بنَ لادنٍ؛
نحن رهنُ إشارتِكم وطوعُ أمرِكم، ونبشِّرُكُم بالمعنوياتِ العاليةِ لجندِكم وبالنفوسِ الكريمةِ الأبيةِ التي انضوت تحت رايتِكم وبطلائعِ نصرٍ قريبٍ بإذنِ اللهِ تعالى”.
فهل يُعقلُ أن هذين البطلين الشهيدين الوفيين ينكُثان بيعتَهما مع الشيخِ أسامةَ بنَ لادنٍ من طرفٍ واحدٍ؟
بينما الحقيقةُ والوقائعُ والوثائقُ تثبتُ كذبَ هذا الادعاءِ.
ثم لمصلحةِ من يفعلُ أبو حمزةَ المهاجرُ -رحمه اللهُ- هذا؟ وهل هذا يدعمُ وحدةَ المجاهدين أم ينقضُها؟
ولماذا يخرجُ أبو حمزةَ المهاجرُ من طاعةِ أميرِ الإمارةِ الإسلاميةِ الملا محمدٍ عمرَ حفظه اللهُ؟
وما النتيجةُ لو فعل كلُ فرعٍ من القاعدةِ أو من الجماعاتِ المبايعةِ لأميرِ المؤمنين الملا محمدِ عمرَ مثل ما افتروا به على أبي حمزةَ -رحمه اللهُ- بل وعلى أنفسِهم؟ النتيجةُ هي تفتتُ صفِ المجاهدين وتفرقُهم.
فهل يحقُ لمن يفعلُ ذلك أن يدعيَ أنه يدعو لوحدةِ المجاهدين؟
ومن هي المجموعةُ المستفيدةُ من الإصرارِ على ترويجِ فِريةِ؛ أن أبا حمزةَ -رحمه اللهُ- قد نكث بيعتَه من طرفٍ واحدٍ مع الشيخِ أسامةَ رحمه اللهُ، ومع الملا محمدِ عمرَ؟
الجوابُ: إنها مجموعةٌ البغداديِ الساعيةُ للتمددِ بالتهربِ من التحاكمِ للشريعةِ، وباغتصاب حقوق المسلمين بغيرِ شورى ولا سمعٍ ولا طاعةٍ، وبرمي من يعارضُ تمددَها -حتى من سبقوها- بالانحرافِ والعلمانيةِ والديمقراطيةِ والإخوانيةِ بمحضِ الافتراءِ والاختلاقِ.
رحمكما اللهُ يا أبا مصعبٍ ويا أبا حمزةَ، فقد عظُمتِ المصيبةُ بفقدِكما، وإنا للهِ وإنا إليه راجعون.
= ثم عودةٌ لخطواتِ الشيخِ أسامةَ -رحمه اللهُ- في السعي للخلافةِ، فبالإضافةِ لما ذكرتُه من قبل، سعى الشيخُ أسامةُ بنُ لادنٍ -رحمه اللهُ- في توحيدِ الحركاتِ الإسلاميةِ: بإنشاءِ الجبهةِ الإسلاميةِ العالميةِ لجهادِ اليهودِ والصليبيين، ثم تكوينُ جماعةِ قاعدةِ الجهادِ تحت رايةِ الإمارةِ الإسلاميةِ.
= ثم توسيعُ جماعةِ قاعدةِ الجهادِ بإنشاءِ أفرعَ مختلفةٍ لها، تجتمعُ كلُها في كيانٍ جهاديٍ واحدٍ تحت إمارةٍ أميرٍ واحدٍ وهو أميرُ المؤمنين الملا محمدِ عمرَ.
فهذا بإيجازٍ هو طريقُ الشيخِ أسامةَ بنِ لادنٍ -رحمه اللهُ- خطوةً خطوةً نحو الخلافةِ الراشدةِ.
ورغمَ هذه الخطواتِ المباركةِ الجبارةِ، فقد كان الشيخُ أسامةُ -رحمه اللهُ- وإخوانُه يرون أن الوقتَ الآن غيرُ ملائمٍ لإعلانِ قيامِ إماراتٍ إسلاميةٍ ناهيك عن خلافةٍ، وقد نشر الأمريكانُ بعضَ مراسلاتِه، التي تضمنت هذا المعنى، وليست إشارتي لما نشره الأمريكانُ استدلالًا مني بما ينشرونه، ولكن لأبينَ ألا عذرَ لأحدٍ يهتمُ بالجهادِ والمجاهدين ألا يطَّلعَ على هذه الوثائقِ الهامةِ.
بل إن أحدَ الإخوةِ في إحدى الجماعاتِ الجهاديةِ أخبرني أنه يُدَرِّسُ هذه الوثائقَ لإخوانِه للاستفادةِ مما فيها من توجيهاتٍ وعبرٍ.
ولم يكنْ نهيُ الشيخِ أسامةَ بنِ لادنٍ -رحمه اللهُ- وإخوانِه عن إقامةِ إماراتٍ في هذا الوقتِ تقاعسًا منهم ولا جبنًا ولا تقصيرًا، ولكنه اجتهادٌ واقعيٌ رأَوه لصالحِ الجهادِ والمسلمين، باعتبارِ أن تعجلَ الشيءِ قبل أوانِه يؤدي لحرمانِه، كما يُقالُ.
ولو كانت مجردُ سيطرةِ بعضِ الإخوةِ على بقاعٍ من بلادِ المسلمين وهم فيها في كرٍ وفرٍ مع أعدائِهم، الذين نسألُ اللهَ أن ينصرَ المسلمين والمجاهدين عليهم، أقولُ: لو كانت مجردُ سيطرةِ هؤلاء الإخوةِ مبررًا لإعلانِ خلافةٍ، لكانت جماعةُ قاعدةِ الجهادِ أولى منهم بذلك، لأن لها فروعًا علنيةً وغيرَ علنيةٍ في عددٍ من البلادِ تسيطرُ -بفضل اللهِ ومنتِه- على مساحاتٍ شاسعةٍ.
بل أميرُ المؤمنين الملا محمدٌ عمرَ كان أولى من الجميعِ، فالقاعدةُ كلُها جزءٌ من جنودِه.


وهنا قد تطرأُ شبهتان: الأولى أن يقال: هل الامتناعُ عن البيعةِ لأن الظروفَ غيرُ مهيئةٍ إثمٌ؟
والجوابُ: لا.
ومن الأدلةِ على ذلك: سعيُ العديدِ من الصحابةِ في ثنيِ الحسينِ -رضي اللهُ عنهم- عن الخروجِ، وطلبِ البيعةِ لنفسِه، وثبَت أن رأيَهم كان هو الصوابَ، مع أن الحسينَ -رضي اللهُ عنه- جاءته البيعاتُ قبل الخروجِ، ولم يطلبِ البيعاتِ بعد أن أعلن نفسَه خليفةً.
وكان ممن عارضوه من كان من كبارِ شيعةِ أبيه وأركانِ دولتِه وقاتل تحت رايتِه كحبرِ الأمةِ سيدِنا عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ رضي اللهُ عن الجميعِ.


  • والشبهةُ الثانيةُ: أن يقولَ قائلٌ: أنتم ترون عدمَ ملائمةِ الظروفِ لإعلانِ الخلافةِ، ونحن نرى ملائمَتها، وهذا اجتهادُكم وهذا اجتهادُنا.
    فالجوابُ: لو وافقكم جمهورُ المسلمين على ذلك، لكان لكم الحقُ. فأما وهم لم يوافقوكم، فما كان لكم أن تستبدوا بأمرِ المسلمين دون مشورتِهم.

والسؤالُ الثاني الذي أودُ التطرقَ له هو: إذا لم تكنِ الظروفُ الآن مهيأةً الآن لإعلانِ قيامِ الخلافةِ، فما هو البديلُ من أجلِ السعي في إقامتِها؟
فقبل الإجابةِ على هذا السؤالِ فهناك أمورٌ مهمةٌ يحسنُ أن أوضحَها وأعيدَ التأكيدَ عليها:
أولًا: نحن في عنقِنا بيعةٌ لأميرِ المؤمنين الملا محمدِ عمرَ لا نتلاعبُ بها.
ثانيًا: لا يمكنُ إقامةُ خلافةٍ تتخطى مشورتُها الإمارةَ الإسلاميةَ في أفغانستانَ باعتبارِها أكبرَ وأقدمَ إمارةٍ شرعيةٍ موجودةٍ للمسلمين، وكذلك لا يمكنُ تخطي مشورةِ إمارةِ القوقازِ، ولا الجماعاتِ المجاهدةِ الثابتةِ على ثغورِ الجهادِ.
لأن الإمارةَ الإسلاميةَ وإمارةَ القوقازِ والجماعاتِ الجهاديةِ إذا كانت كياناتٍ شرعيةً، فكيف يمكنُ تخطيها، والاستبدادُ بالأمرِ دونَها.
وإذا كان من يدعو للخلافةِ لا يعتبرُها كياناتٍ شرعيةٍ، فهذا من الغلاةِ الذين لا يصلحون أصلًا للخلافةِ.
وإذا كان مقصودُ من يدعو لنفسِه بالخلافةِ هو الوحدةُ بإعلانِ الخلافةِ، فكان الواجبُ عليه أن يرجِعَ للانضمامِ للإمارةِ الإسلاميةِ في أفغانستانَ، التي نكث ببيعتِها. لا أن يدَّعِيَ الخلافةَ بعقدِ مجموعةٍ من المجاهيلِ بغيرِ مشورةِ للمجاهدين والمسلمين، ثم يطالبُ غيرَه بأن يَحُلَ نفسَه.


وبعد هذا التوضيحِ والتأكيدِ أجيبُ على السؤالِ التالي: إذن ما السبيلُ الذي نختارُه لإقامةِ الخلافةِ؟
السبيلُ هو:
أولًا: تقويةُ الإمارةِ الإسلاميةِ في أفغانستانَ وإمارةِ القوقازِ.
ثانيًا: دعمُ الحركاتِ الجهاديةِ والسعي في توحيدِ الأمةِ حولها في مواجهةِ العدوِ الأكبرِ، مع مواجهةِ الوكلاءِ المحليين في كلِ قطرٍ.
ثالثًا: توسيعُ المشورةِ بين المجاهدين حول ملائمةِ الظروفِ لإعلانِ إماراتٍ إسلاميةٍ في الأماكنِ المختلفةِ حال توفرِ الظروفِ.
= ثم توسيعُ المشورةِ حول مسألتين خطيرتين:
الأولى: هل الظروفُ ملائمةٌ لإعلانِ خلافةٍ وهل اكتملت مقوماتُها؟
والثانية: إذا اتفق جمهورُ المجاهدين والدعاةِ الصادقين وأهلِ الفضلِ من المسلمين على أن مقوماتِ إعلانِ الخلافةِ قد اكتملت، وأن الظروفَ ملائمةٌ لإعلانِها، فتتمُ المشورةُ حول من يصلحُ لتولي هذا المنصبِ؟
ومن يتفقُ عليه جمهورُ أهلِ الحلِ والعقدِ يبايعُ بالخلافةِ.


وفي ختامِ هذه الحلقةِ أتوجهُ برسالتين:
الأولى لعلماءِ الجهادِ ودعاتِه:
فأطالبُهم وألحُ في الطلبِ عليهم بأن يركزوا على تلك الجوانبِ التي لعلهم انشغلوا عنها بمعركتِهم مع أعداءِ الأمةِ المسلمةِ من الكفارِ الأصليين والمرتدين، مثلِ:

  • التركيزِ على تزكيةِ النفسِ والتربيةِ الأخلاقيةِ.
  • ومثلِ تنبيهِ المسلمين إلى شناعةِ إثمِ الافتراءِ والكذبِ واختلاقِ التهمِ ضد الناسِ عامةً والمسلمين خاصةً والمجاهدين على الأخصِ. وأن من يفتري على مسلمٍ أو كافرٍ بغيرِ دليلٍ فهو كاذبٍ، يقول الحقُ سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
  • والتركيزُ على حرمةِ المسلمِ: مالِه وعرضِه ودمِه، وأن يذكروا المسلمين بقولِ الحقِ سبحانه: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
  • والتركيزُ على التخويفِ من الشططِ في التكفيرِ والتحذيرِ منه.
  • وأن يبينوا للأمةِ:
    = أننا دعاةُ شورى وعدلٍ وإنصافٍ، وأننا لا نريدُ أن نتسلطَ عليها باسمِ الإسلامِ، بل نريدُ أن تُحكمَ الأمةُ بالإسلامِ.
    = وأن يبينوا للأمةِ أننا لا نكفرُها، بل نحن أرفقُ الناسِ بها وأحرصُهم على هدايتِها، وأولُ المدافعين عن حرماتِها، لا المنتهكين لها.
    والرسالةُ الثانيةُ: هي تكرارُ الدعوةِ للمجاهدينِ للتحاكمِ للمحكمةِ الشرعيةِ المستقلةِ، وعودةِ من شذ من الصفِ الواحدِ للعودةِ إليه، ودعوةِ سائرِ المجاهدين في الشامِ والعراقِ للتعاونِ والتنسيقِ في مواجهةِ الحملةِ الصليبيةِ الرافضيةِ النصيريةِ العلمانيةِ. وفتحِ البابِ لأهلِ التقوى والعقلِ ليتدخلوا، وإبعادِ أهلِ الشطحاتِ والتهويلِ، والساعين في إذكاءِ الخلافِ، والدافعين لمزيدٍ من التعنتِ.
    ثم الاستمرارُ في السعيِ في إقامةِ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ، التي تقومُ على الرضا والشورى، لا على تفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ.
    حبذا العيشُ حين قومي جميعٌ لم تفرقْ أمورَها الأهواءُ .
    وأكتفي بهذا القدرِ، وألقاكم في حلقةٍ قادمةٍ إن شاء اللهُ.
    وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِ العالمينَ، وصلى اللهُ على سيدِنا محمدِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلمَ. والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.

جمادى الآخرة 1436هـ

الربيع الإسلامي | الحلقة السادسة

بسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وآلهِ وصحبِهِ ومن والاهُ،
أيها الإخوةُ المسلمونَ في كلِ مكانٍ السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ،
وبعدُ،
تحدثتُ فيما سبق عن الموقفِ الواجبِ تجاهِ الحملةِ الصليبية على العراق والشام، وعن الجريمةِ الباكستانيةِ الأمريكيةِ ضد وزيرستانَ، وعن أهمِ معالمِ الخلافةِ التي على منهاجِ النبوةِ، وعن ملائمة الظروف الحالية لإعلان الخلافة، وإذا لم تكنِ الظروفُ الآن مهيأةً لإعلانِ قيامِ الخلافةِ، فما هو البديلُ من أجلِ السعي في إقامتِها؟


وفي هذه الحلقةِ أودُ أن أتطرقَ لأمر أراه في غايةِ الخطورةِ على الأمةِ المسلمةِ، ألا وهو الخطرُ الصفويُ الإيرانيُ المتعاونُ مع الحملةِ الصليبيةِ المعاصرةِ.


وأبدأُ هذه الحلقةَ بتقديمِ عزائي لإخوانِنا الكرامِ الأعزاءِ في جبهةِ النصرةِ -نصر اللهُ بهم دينَه وكتابَه والمسلمين- على مصابِهم في استشهادِ الأخِ الكريمِ القائدِ أبي همامٍ الشاميِ وإخوانِه الكرامِ بقصفٍ صليبي، فأسألُ اللهَ أن يتغمدَ الأخَ الكريمَ أبا همامٍ الشاميِ ورفاقَه وسائرَ شهداءِ المسلمين برحمتِه، ويداويَ جرحاهم، ويتولى برعايتِه وعنايتِه أراملَهم وأيتامَهم وسائرَ المسلمين.


إخواني الكرامَ،
هناك حقيقةٌ واقعةٌ نعايشُها اليومَ؛ وهي أن التحالفَ الصليبيَ الآن يتعاونُ ويتواطؤُ ويتحالفُ مع إيرانَ الصفويةِ وأتباعِها.
وقد كان هذا التعاونُ جليًا في حربي أمريكا في أفغانستانَ والعراقِ باعترافِ القادةِ الإيرانيين أنفسِهم، ذلك التعاونُ الذي وثقه شريطا السحابِ بعنوانِ: (قراءةٌ للأحداثِ، وحقائقُ الجهادِ وأباطيلُ النفاقِ).


أما في ثغرِ الشامِ المباركِ فإن الصفويين الروافض يخوضون الآن حربًا علنيةً لا خفاء فيها ضد أهلِ الإسلامِ والسنةِ.
ويصرحون علنًا بأنهم سيدافعون عن نظامِ الأسدِ، وتتدافعُ للشامِ حشودُهم من أفغانستانَ والعراقِ ولبنانَ وغيرِها.
ويتعاونون وينسقون مع الروسِ من جهةٍ ومع تحالفِ الناتو من جهةٍ أخرى.
وهاهو وزيرُ الخارجيةِ الأمريكي يعلنُ أنه لا بد من التفاهمِ مع بشارِ الأسدِ لحلِ مشكلةِ الشامِ.
وللأسفِ -فإنهم وهم يتوحدون علينا- فإن هناك البعض الذي يصرُ على أن يبدأَ معركتَه معهم بمعركةٍ بين المجاهدين.
وبدلًا من أن نسعى جميعًا في إطفاءِ الفتنِ بين المجاهدين لتوحيدِ صفِهم في مواجهةِ عدوِهم المتوحدِ عليهم، يصرُ البعضُ على أن يخترعَ فتنًا وأسبابًا جديدةً للخلافِ، ويدعي ألقابًا ومناصبَ لا يستحقُها شرعًا ولا واقعًا.
إن تدميرَ الجهادِ في الشامِ بالفتنِ والغلوِ وتكفيرِ المجاهدين -بالشبهةِ ونصفِ الشبهةِ بل وبلا دليلٍ وأحيانًا بعكسِ الدليلِ- لن يصبَ إلا في مصلحةِ الحملةِ الصليبيةِ الصفويةِ العلمانيةِ النصيريةِ.
وهناك البعض الذي يتصورُ أنه لكي يبنيَ نفسَه لا بد أن يهدمَ غيرَه، ويتصورُ أنه لا بد من السعىِ في هدمِ كلِ الكياناتِ الجهاديةِ الأخرى ليعلنَ نفسَه الكيانَ الإسلاميَ الوحيدَ الصافيَ، ولذا لا بد أن يصمَ غيرَه بأن أمرَهم يتراوحُ بين الردةِ والخيانةِ والبغيِ والانتكاسِ.
وهو لا يدري أنه أولُ الخاسرين والمتضررين بهذا، فإن الكياناتِ الجهاديةَ السابقةَ له هي التي صدت ولا زالت تصدُ حملاتِ الصليبيين والعلمانيين والصفويين ضد الإسلامِ والمسلمين. بل ما هو إلا ثمرةٌ من ثمراتِها، بل ما عرفه الناسُ إلا من خلالِها، وكان يتمسحُ بها، ويلحُ في الطلبِ على تزكيتِه وذكرِه في إصداراتِها.
وبدلًا من أن يبني كلٌ منا على ما بناه إخوانُه الذين سبقوه في الجهادِ والهجرةِ، وبدلًا من أن نسعى لحشدِ الأمةِ ومجاهديها كلِهم أو أغلبِهم على اتفاقِ ووحدةٍ لنصلَ لدولةِ الإسلامِ التي تقومُ على الشورى، كما قرر سيدُنا عمرُ -رضي الله عنه- في الحديثِ الصحيحِ: “الإمارةُ شورى”.
بدلًا من هذا النهجِ الراشديِ يصرُ البعضُ على أن يعلنَ نفسَه خليفةً ليس دون مشورةٍ، بل حتى دون إخطارٍ لأحدٍ، ثم بعد أن يعينَ نفسَه خليفةً يبدأُ في جمعِ البيعاتِ، فيقلبُ الأمرَ رأسًا على عقبِ، فالذي نعرفُه من سنةِ الخلفاءِ الراشدين أن البيعاتِ تجمعُ بالرضا والاختيارِ أولًا، فإذا اتفق جمهورُ المسلمين انعقدتِ البيعةُ، ولكننا نرى النقيضَ، ثم يصرُ من يروجُ لهذا النقيضِ على أنها خلافةٌ على منهاجِ النبوةِ.
وقد اعتاد من يروجُ لهذا التناقضِ على ترويجِ التناقضاتِ، فهو يطالبُ غيرَه بالسمعِ والطاعةِ له بينما هو عاصٍ لأميرِه، ويستدلُ على وجوبِ الطاعةِ له بقولِ الإمامِ أحمدَ -رحمه اللهُ- على وجوبِ طاعةِ المتغلبِ الذي يسمي نفسَه أميرَ المؤمنين، ولا يطبقُ هذا القولَ على أميرِ المؤمنين الملا محمدٍ عمرَ حفظه الله، الذي كان يصفُه ناطقُه بالجبلِ الأشمِ ويهتفُ أتباعُه باسمِه. ثم هو يجمعُ البيعاتِ لنفسِه بينما هو قد نكث بيعتَه لإمارتِه من قبلُ، فتأملِ الفسادَ المركبَ.
ويصرُ على إثارةِ مشكلةٍ كبرى تفرقُ المجاهدين وتؤدي للاقتتالِ وسفكِ الدماءِ بينهم، ويدعو ناطقُه لهدمِ كلِ جماعةٍ سواهم وتفجيرِ رؤوسِ المخالفين بدعوى شقِ الصفِ، بينما عدوُهم يتوحدُ عليهم، فهلا تعلمنا من عدوِنا شيئًا؟
وأنا هنا لا أخاطبُ أهلَ الغلوِ والتعنتِ والعنادِ والتهويلِ، الذين أسألُ اللهَ لي ولهم الهدايةَ. ولكني أخاطبُ أهل التقوى والخلقِ والعقلِ والحرصِ على وحدةِ المسلمين وانتصارِهم على عدوِهم المتوحدِ ضدهم. فأدعوهم في صفوفِ المجاهدين في كلِ التجمعاتِ الجهاديةِ لأن يسعَوا لإيقافِ التدميرِ الداخليِ للجهادِ، وأن يعملوا على توجيهِ طاقةِ المجاهدين ضد عدوِهم المتجمعِ ضدهم. فهل من سامعٍ وهل من مجيبٍ؟
وقد قدمتُ مبادرةً في هذا الشأنِ ذات بنودٍ محددةٍ أكررُها موجزًا للتذكيرِ:
أولًا: إيقافُ القتالِ فورًا بين جماعاتِ المجاهدين.
وثانيًا: إيقافُ الدعواتِ الداعيةِ لقتلِ المخالفِ وفلقِ رأسِه بالرصاصِ بدعوى شقِ الصفِ وما أشبهها من الخرافاتِ المفرقةِ لصفِ المسلمين.
وثالثًا: إنشاءُ المحكمةِ الشرعيةِ المستقلةِ، وتأكيدُ سلطتِها ونفوذِها وهيبتِها في إقليمي العراقِ والشامِ على جميعِ المجاهدين.
ورابعًا: السعيُ للعفوِ العامِ.
وخامسًا: المبادرةُ بالتعاونِ في كلِ مجالٍ ممكنٍ: كعلاجِ الجرحى، وإيواءِ الأسرِ، وتخزينِ المعداتِ، وتوفيرِ المؤنِ والذخائرِ، والعملياتِ المشتركةِ.
إن الجهادَ في الشامِ المباركِ هو أملُ الأمةِ الذي طال انتظارُها له، لأن الشامَ ومصرَ هما بوابتا الفتحِ لبيتِ المقدسِ، وتدميرُ الجهادِ في الشامِ تدميرٌ لأملِ الأمةِ المنشودِ، وإنهاكُ المجاهدين بالقتالِ الداخليِ هو غايةُ ما يتمناه أعداؤهم.


أما في العراقِ فإن الصفويين الآن يخوضون حربًا على أهلِ السنةِ، منذ أن دخلوا بغدادَ على ظهورِ الدباباتِ الأمريكيةِ.
وهي ليست حربًا فقط على من أعلن نفسَه خليفةً بلا مشورةٍ، ولكنها أوسعُ من ذلك وأكبرُ وأقدمُ، إنها حربٌ على أهلِ السنةِ في المنطقةِ، فقواتُ الحكومةِ الطائفيةِ الرافضيةِ هي التي هاجمت مخيماتِ الاعتصامِ في الأنبارِ قبل زعمِ الخلافةِ، والمليشياتُ الشيعيةُ هي التي ارتكبت أبشعَ الجرائمِ ضد أهلِ السنةِ كلِهم من قبلِ إعلانِ تلك الخلافةِ المزعومةِ، وقواتُ الحشدِ الشعبيِ الآن هي التي ترتكبُ الفظائعَ ضد أهلِ السنةِ كلِهم من وافق زاعمَ الخلافةِ أو من خالفَه.
إذن هي حربٌ على أهلِ السنةِ كلِهم بلا تمييزٍ، ولو تمكنت هذه القواتُ من السيطرةِ على أماكنِ أهلِ السنةِ فلن ترعَ فيهم إلًا ولا ذمةً.
وكما ذكرتُ من قبلُ: فبرغمِ عدمِ اعترافِنا بتلك الخلافةِ المزعومةِ، فإني قد دعوتُ وأكررُ الدعوةَ لتعاونِ كافةِ المجاهدين في إقليميِ الشامِ والعراقِ في مواجهةِ الحلفِ الصليبيِ العلمانيِ الصفويِ النصيريِ، من أساء إلينا ومن أحسن، ومن ظلمنا ومن أنصف، ومن تأدب معنا ومن سَفِه، ومن افترى علينا ومن صدق، لأن الأمرَ أكبرُ منا إنه أمرُ حملةٍ صليبيةٍ صفويةٍ علمانيةٍ نصيريةٍ تُشن على الإسلامِ والمسلمين.
إن أصحابَ الخلافةِ المزعومةِ يدعون علنًا لهدمِنا ولهدمِ الإمارةِ الإسلاميةِ ولهدمِ كلِ من سواهم بدعاوى متهافتةٍ، ورغم ذلك فها نحن نمدُ لأهل التقوى والعقلِ منهم يدًا للتعاونِ على أساسٍ من التحاكمِ للشريعةِ، حرصًا على انتصارِ المسلمين ضد عدوِهم المتحدِ ضدهم.
أيها المسلمون والمجاهدون لقد دعا نائبُ البابا لشنِ حملةٍ دوليةٍ ضد المتطرفين، إذن هي الحربُ الصليبية، التي تواجهُنا بينما يكفرُ بعضُنا بعضًا ويهدمُ بعضُنا بعضًا ويقتلُ بعضُنا بعضًا.
أليست هذه الممارساتُ هي ما يتمناه دعاةُ الحربِ الصليبيةِ؟
يا أهل العقل والتقوى. نحن ندعو للتحاكمِ للشريعةِ على أيدي أهلِ الفضلِ المستقلين ليحكموا لنا أو علينا فلماذا يتهربون من ذلك؟ وندعو لتوحيدِ صفِ المجاهدين، فلماذا يخربون ذلك؟ وندعو لأن يعودَ الأمرُ شورى على سنةِ الخلفاءِ الراشدين، فلماذا ينفرون من ذلك؟ وندعو للوفاءِ بالعهودِ فلماذا يتملصون من ذلك؟
ألم نستمعْ لقولِ الحقِ سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾؟
ولقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾؟
ولقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؟
أسألُ اللهَ سبحانه أن يرزقَنا العزةَ على الكافرين والذلةَ للمؤمنين، وأن يؤلفَ بين قلوبِنا ويوحدَ بين صفوفِنا، وينحيَنا من الخلافِ والشقاقِ والفتنِ.


والصفويون الروافض يستخدمون اليوم الحوثيين كذراعٍ لهم في اليمنِ، وقد احتلوا صنعاءَ وغيرَها من المناطقِ، وصاح صائحُهم: إننا سنصلُ للحرمين بعد عدةِ سنواتٍ، ويعلنون أن عدوَهم الأولُ هم المجاهدون، ويتعاونون مع الأمريكانِ على قصفِهم وتتبعِهم.
وأشرافُ اليمنِ وأحرارُه وقبائلُه الأبيةُ ومجاهدوه الغيارى وعلى رأسِهم تنظيمُ قاعدةِ الجهادِ في جزيرةِ العربِ هم الصخرةُ الصماءُ التي تتحطمُ عليها مساعي الحوثيين عملاءِ الروافضِ ومؤامراتِ العلمانيين عملاءِ الأمريكانِ بفضلِ اللهِ ومشيئتِه.
ولا غرو في ذلك فهم تلاميذُ الإمامِ المجددِ الشيخِ أسامةَ بنِ لادنٍ، تربَوا في مدرستِه وعاشره أكابرهم، وكانوا من الخُلصِ المقربين له، وحملوا رايتَه إلى جزيرةِ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وقدموا أمراءَهم وكبراءَهم واحدًا تلو الآخرِ فداءً لدينِ اللهِ سبحانه وتعالى، خالدَ الحاجَ ويوسفَ العييريَ وتركي الدندنيَ والشيخَ عبدَ اللهِ الرشودَ وعبدَ العزيزِ المقرنَ وصالحَ العوفيَ وأبا عليٍ الحارثيَ وأنورَ العولقيَ وسعيدَ الشهريَ -رحمهم اللهُ- والمئاتِ غيرَهم من السائرين في قافلةِ الشهداءِ تقبلهم اللهُ سبحانه وأسكنهم فسيحَ جناتِه، كما تقربوا لربِهم بمئاتِ الجرحى وآلافِ الأسرى، الذين أمضى الكثيرُ منهم سنينًا طويلة في الحبسِ والعزلِ، بل منهم من مات في السجونِ، بينما يخرجُ معتقلو الرافضةِ سريعًا من السجنِ، لأن آلَ سعودٍ ووكلاءَ الأمريكانِ في صنعاءَ يرضخون لضغوطِ إيرانَ التي تدافعُ عن أتباعِها.
قدم إخواننا في جزيرةِ العربِ كل ذلك ولا زالوا يقدمون لكي تتطهرَ جزيرة العربِ ومهبطَ الوحيِ، ويتحققَ فيها قولُ النبيِ صلى اللهُ عليه وسلم: “أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ”.
وتصدَوا ولا زالُوا -بفضلِ اللهِ- يتصدَون لحكامِ آلِ سعودٍ وللصليبيين ووكلائِهم العلمانيين وللروافضِ وأذنابِهم الحوثيين في جزيرةِ العربِ، ووفقهم اللهُ لنقلِ عملياتِهم لقلبِ الغربِ الصليبيِ، وكانت آخرُ نعمِ اللهِ عليهم؛ أن شرفهم سبحانه بالثأرِ لنبيِه -صلى اللهُ عليه وسلم- ممن تعدَوا عليه في غزوةِ باريسَ المباركةِ.
وبرغمِ كلِ ذلك التاريخِ المشرفِ الذي أسألُ اللهَ أن يتقبلَه منهم، يأتي من يقولُ لهم: حُلوا جماعتَكم وانكثوا بيعتَكم كما نكثتُها، وادخلوا تحت سلطاني، ثم يضيفُ: إن الحوثيين لم يجدوا من يتصدى لهم.
وكان الواجبُ عليه أن يقولَ لهم: جزاكم اللهُ خيرًا على سبقِكم فقد سبقتمونا للجهادِ والهجرةِ، وجزاكم اللهُ على حسنِ بلائِكم، ولنتعاونْ في صدِ الهجمةِ الصليبيةِ الصفويةِ العلمانيةِ النصيريةِ على الإسلام والمسلمين، ولنتفقْ وجميعُ المجاهدين على محكمةٍ شرعيةٍ مستقلةٍ من أكابرِ علماءِ الجهاد الذين شهد لهم القاصي والداني بالصدقِ في القولِ والعملِ، حتى يتوجهَ جهدُنا كلُه ضد أعدائِنا، ولا نضيعَه في إثارةِ الفتنِ بينَنا، هكذا كان يجبُ أن يكونَ أسلوبُ الحريصِ على نصرِ المسلمين على أعدائِهم المتحدين عليهم.
وحكامُ جزيرةِ العربِ من آلِ سعود وكلاءُ أمريكا وبريطانيا من قبل وعبدُ ربِه الأمريكي ومشايخُ دكاكينِ النفطِ على ساحلِ الخليجِ، الذين عين آباءهم السير بيرسي كوكس، والذين يستظلون بأسوارِ القواعدِ الأمريكيةِ، ويعملون كمتعهدي توفيرِ خدماتٍ نظيفةٍ وغيرِ نظيفةٍ لجنودِها.
هؤلاء لن يدافعوا عن الحرمين، لأنهم وأجدادَهم من قبلِهم قد باعوا أنفسَهم وبلادَهم للبريطانيين ومن بعدِهم للأمريكان، وهؤلاء أولُ من سيفرون إذا وصلهم الغزوُ الرافضيُ الصفويُ، كما فر مِن قبلِهم أميرُ الكويتِ عند غزوِ صدامٍ لها. هؤلاء يتطلعون لأمريكا لتدافعَ عنهم، وأمريكا لا تدافعُ إلا عن مصالحِها، وإيرانُ تتفاهمُ مع أمريكا على تبادلِ المصالحِ، وليذهبْ حكامُ الخليجِ إلى حيثُ ألقتْ.
ولن يدافعَ عن الحرمين إلا المجاهدون الشرفاءُ من العالمِ الإسلاميِ عامةً، ومن أهلِ جزيرةِ العربِ خاصةً، أحفادُ الصحابةِ رضوان اللهُ عليهم، وأحفادُ الفاتحين الذين نشروا الإسلامَ شرقًا وغربًا، والذين خرج من أحفادِهم من ألِ بيتِ رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلم- الكرامِ وقبائلِ غامدَ وزهرانَ وبني شهرٍ وبني حربٍ خمسةَ عشرَ بطلًا من النسورِ الاستشهاديةِ التي دكت وزارةَ الدفاعِ وبرجي التجارةِ في أمريكا رحمهم اللهُ رحمةً واسعةً، والذين يتصدرُهم اليومَ إخوانُنا الكرامُ البواسلُ في تنظيمِ قاعدةِ الجهادِ في جزيرةِ العربِ.
والذين استبشر بهم الإمامُ المجددُ أسامةُ بنُ لادنٍ -رحمه الله- حين قال لأهلِنا في فلسطينَ: “ونُبشُرُكم أن مددَ الإسلامِ قادمٌ، وأن مددَ اليمنِ سيتواصلُ بإذنِ اللهِ الواحدِ الأحدِ”.
فيا أمةَ الإسلامِ ويا أحفادَ الصحابةِ الأحرارَ الأعزاءَ الشرفاءَ ويا أيها العلماءُ العاملون ويا أيتها القبائلُ الأبيةُ العزيزةُ ويا أيها التجارُ الأمناءُ والزعماءُ الغيارى ويا أيها المسلمون في جزيرةِ العربِ وفي سائرِ ديارِ الإسلامِ ادعموا إخوانَكم المجاهدين في معركتِهم للدفاعِ عن جزيرةِ العربِ جزيرةِ محمدٍ صلى اللهُ عليه، وللدفاعِ عن الحرمين الشريفين ضد الغزوِ الرافضيِ الصفويِ الزاحفِ إليهما من الشرقِ في الكويتِ والقطيفِ والدمامِ والبحرينِ ومن الجنوبِ في نجرانَ واليمنِ ومن الشمالِ في العراقِ والشامِ، بل تنظيماتُ الصفويين الجددِ موجودةٌ الآن في مدينةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم. وهاهم الحوثيون يقومون بمناوراتِهم على حدودِ السعوديةِ.
فادعموا إخوانَكم المجاهدين بالنفيرِ لهم وبالمالِ وبالمعلوماتِ وبالرأيِ وبالدعاءِ وبكلِ ما تستطيعون. ادعموهم قبل أن يتسلطَ عليكم تجارُ الدينِ جباةُ الخمسِ من مراجعِ الضلالِ فينتهكوا حرماتِكم ويستبيحوا بيضتَكم كما انتهكوا حرماتِ إخوانِكم وأخواتِكم في العراقِ والشامِ، ادعموهم قبل أن تسمعوا سبَ الصحابةِ وأمهاتِ المؤمنين -رضوان الله عليهم- جهارًا في جنباتِ الحرمين، ادعموهم قبل أن يفعلَ بكم الصفويون الجددُ ما فعله إسماعيلُ الصفويُ بإخوانِكم أهلِ السنةِ في إيرانَ، ادعموهم قبل أن تندموا حين لا ينفعُ الندمُ.
وأكتفي بهذا القدرِ، وألقاكم في حلقةٍ قادمةٍ إن شاء اللهُ.
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِ العالمينَ، وصلى اللهُ على سيدِنا محمدِ وآلِهِ وصحبِهِ وسلمَ. والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
جمادى الآخرة 1436هـ

الحلقة السابعة | يمن الحكمة والإيمان
بين خدم إيران وعبيد الأمريكان

 بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه،

أيها الإخوة المسلمون في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد،
فهذه هي الحلقة السابعة من حلقات الربيع الإسلامي، وكنت أود أن أطوف فيها على بلاد الإسلام، ولكن الحوادث الأخيرة في اليمن فرضت نفسها، وكنت قد تطرقت في الحلقة السابقة للخطر الصفوي الرافضي على أهل الإسلام.
وفي هذه الحلقة أود أن أشير للأحداث الخطيرة التي تجري في اليمن.


وقبل البدء في هذه الحلقة أود أن أهنئ الأمة الإسلامية عامة وفي القوقاز خاصة وأعزيها على استشهاد الشيخ الأمير المجاهد أبي محمد الداغستاني رحمه الله رحمة واسعة، أسأل الله أن يتقبل شهادته وإخوانه، ويرفع درجتهم في العليين، ويجمعنا بهم غير خزايا ولا نادمين في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأن يجعل شهادتهم حافزًا لإخوانهم على مزيد من العطاء والبذل والتضحية، حتى يعود القوقاز المسلم حرًا عزيزًا آمنًا، ترفرف عليه أعلام الإسلام والتوحيد، ويتحرر من دنس الصليبيين والمرتدين، وحتى نتحد جميعًا في كل ديار الإسلام، لنقيم خلافتنا المنشودة -قريبًا إن شاء الله- بالرضا والشورى، الخلافة التي تحكم الشريعة، وتنشر العدل، وتفي بالعهد، وتبسط الشورى، وتعيد الحقوق، وتحرر ديار المسلمين.
كما أسأله سبحانه أن تحيي شهادة الشيخ أبي محمد -رحمه الله- دعوته الكريمة الحريصة على وحدة المسلمين، فتفتح قلوب المجاهدين والمسلمين لقبول دعوته للألفة، والاستجابة لندائه للوحدة، وإطفاء نار الفتنة في الشام.
وبعد أن بلغني نبأ استشهاد الشيخ أبي محمد -رحمه الله- وصلتني كلمته بعنوان (رسالة إلى المسلمين)، فتأثرت منها جدًا، وكان أكثر تأثري من هذا المنهج السلفي الواضح في النظر للأمور، وأكد -رحمه الله- ما ذكرته في الحلقة الأولى من هذه السلسلة من أن البغدادي ومجموعته لم يكن همهم دعم إخوانهم في القوقاز، ولكن كان كل همهم تفريق صفهم، وتحريضهم على نكث بيعتهم، كما نكثها هو ومن معه، فأسأل الله أن نعود كما كنا متحدين متآلفين، فكما ذكرت من قبل فقد كان كل المجاهدين في العالم إما مبايعين أو موالين لأمير المؤمنين الملا محمد عمر ولجماعة قاعدة الجهاد إلى أن أحدث البغدادي ومن معه هذا العصيان الظاهر والنكث الواضح، وزعم ناطقهم في افتراء واضح أن الشيخ أبا حمزة المهاجر -رحمه الله- قد نكث بيعته من طرف واحد مع الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله، مع مناقضة للوقائع الثابتة، بل ولإقراراتهم التي أقروا بها، ولتبرير هذا الكذب اخترع لنا بدعة جديدة، وهو يزعم أنه السلفي العتيد، أسماها بيعة الاحترام والتقدير، وهي بدعة لم يسبق لها في تاريخ الإسلام، ولو أخذنا بها لبطل كل عقد بين الناس، ولصارت العقود لعبة، والبيعة سلعة، واتبع منهج: اكذب لتغصب، وتناسى أنه ومن معه إنما لحقوا بركب الجهاد لإقامة الخلافة بعد التضحيات الضخمة، التي قدمتها الأجيال المتعاقبة.
وكان منها جهود الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- لجمع المجاهدين حول الإمارة الإسلامية بقيادة أمير المؤمنين الملا محمد عمر، كما بينت من قبل، بل لقد أخبرني الشيخ أسامة أن الشيخ خطاب -رحمهما الله- كان مبايعًا له.
إن من سبق هؤلاء لم يكونوا جبناء ولا خونة ولا متخاذلين، وإنما كانوا يسيرون على
بصيرة بخطوات أدت لهذه الثمار العظيمة بفضل الله، ليجمعوا الأمة على خلافة النبوة، التي تقوم على الرضا والشورى وتعظيم التحاكم للشريعة وحفظ حرمات المسلمين، لا ليقهروها -بتفجير وتفخيخ ونسف- إلى ملك عضوض يقوم على التهرب من التحاكم للشريعة، وازدراء من لم يوافقهم، وعده أحقر من أن يشاور، ويقوم على تكفير المسلمين والاستخفاف بحرماتهم.
إخواني المسلمين والمجاهدين. إن التهرب من التحاكم للشريعة واغتصاب الحكم وتكفير المسلمين وشق صفهم جرائم في حد ذاتها، ولكن جرمها يتضاعف إذا ارتكبتها طائفة في وسط حرب صليبية صفوية علمانية عاتية، تتطلب منا جميعًا أن نتحد في مواجهتها، لا أن نخترع أسبابًا ليكفر بعضنا بعضًا، ويأمر بعضنا بتفجير رؤوس بعض.


كما أود أيضًا قبل البدء في هذه الحلقة أن أعلق على ما أوردته الأنباء من أن محكمة أمريكية قد أدانت الأخ البطل المجاهد جوهر تسارناييف فك الله أسره، وأن هذا قد يعرضه للحكم عليه بالإعدام أو السجن مدى الحياة، فأقول مستعينًا بالله: إن إقدام الإدارة الأمريكية على قتل أخينا المجاهد البطل جوهر تسارناييف أو أي أسير مسلم هو حكم تجلب به أمريكا على رعاياها أوخم العواقب، فلا تلومن بعده أمريكا إلا نفسها.
وإني هنا أحرض جميع المسلمين والمجاهدين أن يبذلوا غاية جهدهم في أسر من يستطيعون أسره من رعايا الدول الغربية المشاركة في الحملة الصليبية على المسلمين وعلى رأسهم أمريكا ليخلصوا بهم أسيرات المسلمين وأسراهم، فإن القوم مجرمون لا يفهمون إلا لغة القوة.


كما أكرر تحريضي لمجاهدي الإسلام في دول التحالف الصليبي ألا يدخروا وسعًا في النكاية في ذلك التحالف، وأن يستعينوا بالله، ثم يحرصوا على كتمان إعدادهم، وأن يحذروا من الجواسيس من حولهم، وبعد أن يتأكدوا من شرعية مهاجمة أهدافهم فليقدموا، متوكلين على ربهم، وإخوانهم في جماعة قاعدة الجهاد لن يدخروا وسعًا -بإذن الله- في إعانتهم بما يستطيعون، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين﴾.


كما أتقدم بعزائي وتهنئتي للأمة المسلمة عامة وللمجاهدين في جزيرة العرب ويمن الإيمان والحكمة خاصة على استشهاد الأخوين الكريمين فضيلة الشيخ إبراهيم الربيش وفضيلة الشيخ نصر بن علي الآنيسي رحمهما الله رحمة واسعة، وألحقنا بهما غير خزايا ولا ندامى ولا مفتونين، ورفع درجتهما في العليين، وعوض عنهما أهلهما وإخوانهما خير العوض، فقد كان الشيخان -رحمهما الله- قدوة للعلماء العالمين، والدعاة الصادقين، وأهل الثبات الذين ثبتوا على الحق الذي اعتقدوه رغم العوائق والصعاب والمحن، ولم يثنهم الأسر ولا التعلق بالأهل والدنيا والوطن عن السير في طلب رضا ربهم والحرص على نيل موعوده، فجزاهما خير الجزاء على ما ضربا للمسلمين من قدوة وأسوة. وأثابهما على ذلك صحبة الأنبياء والشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقًا.
وإني على ثقة من طريقي إلى الله رب السنا والشروق
فإن عافني الغدر أو عقني فإني أمين لعهدي الوثيق
أخي أخذوك على إثرنا وفوج على إثر فوج جديد
فإن أنا مت فإني شهيد وأنت ستمضي لنصر مجيد
قد اختارنا الله في دعوته وإنا سنمضي على سنته
فمنا الذين قضوا نحبهم ومنا الحفيظ على ذمته
أخي فامض لا تلتفت للورا طريقك قد خضبته الدما
ولا تلتفت ها هنا أو هنا ولا تتطلع لغير السما


وكذلك أود قبل البدء أن أبارك لإخواننا أسود الإسلام في شام الرباط والجهاد على ما من الله به عليهم من فتح درعا المرابطة بمدد من ربهم، ثم إدلب الصامدة بفضل منه ونعمة، ثم فتح جسر الشغور بتوفيق من الله وكرم، وعلى فتوحاتهم في القلمون، فالحمد لله على نعمائه.
فاحفظوا يا أحبابنا هذه النعم بالشكر والطاعة والاتحاد والتآلف، وإياكم أن تضيعوها بالظلم والتعدي والتنازع، واعلموا أن الله سبحانه وتعالى مطلع على ما في قلوبكم وسرائركم، ويثيبكم عليه، قال عز من قائل: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ فأروا الله من سرائركم ما يرضيه عنكم، واعقدوا نية عازمة صادقة أن تكون ثمرة جهادكم دولة إسلامية، تمهد للخلافة على منهاج النبوة قريبًا إن شاء الله.
وأسأل الله أن يتم عليكم فتح الشام وتطهيرها من رجس النصيريين البعثيين والصفويين والعلمانيين، حتى تعود منطلقًا للفتوحات ومبعثًا للغزوات وبوابةً لفتح بيت المقدس وقيام الخلافة على منهاج النبوة، التي تقوم على رضا المسلمين وشوراهم، وتنشر العدل وتحفظ الحرمات، وتوفي بالعهود ولا تنقض البيعات، ويتحقق فيها قول الحق سبحانه: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾، وتحرر أراضي المسلمين السليبة، وتنشر الدعوة والجهاد. ويتنزه القائمون عليها عن التصارع على السلطة، واتخاذ تكفير المسلمين والافتراء عليهم وسيلةً لذلك.
وأذكر إخواني في الشام والعراق بل وفي كل مكان بفريضة الوحدة وضرورتها وبركتها، وخطورة الخلاف وشؤمه وشره، وأنا في حياتي لمست بنفسي بركات الوحدة وخيرها، فلنتحد جميعًا ضد عدونا المتحد علينا، ولنكف عن دعوات التكفير والتحقير والدعوة للتفجير، ولنتواضع جميعًا لله سبحانه وتعالى، ونسير في طريقنا نحو الخلافة الراشدة على منهاج النبوة صفًا واحدًا، يبني كل منا على جهد إخوانه، بدلًا من أن يسعى في تدميرهم وتشويههم وإقصائهم، والزعم بأن الخير فيه وحده ومن معه، وأن من سواهم لا حق لهم في الشورى، لأنهم إما قد ارتدوا أو على وشك طمعًا في الاستئثار بالسلطة.
وأقول لإخواني المجاهدين في الشام: إن الأمة المسلمة في الشام أمانة في أعناقكم، فارفقوا بها، وكونوا لها خدمًا وحماةً، ولا تتسلطوا عليها كما يتسلط الملوك الغاصبون للملك على من يحكمونهم، فينطبق عليكم قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إني -إن شاء الله- لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم”.
وأقول لإخواني المجاهدين في الشام: لا بد أن تعلنوا للأمة -كما أعلنتم من قبل- إعلانًا واضحًا لا خفاء فيه ولا لبس أنكم تسعون لأن تكون الشريعة الإسلامية هي الحاكمة وهي المرجعية العليا، التي لا تعلوها مرجعية.
وأنكم تنقادون للتحاكم إليها إذا دعاكم لذلك أهل الفضل المشهود لهم بالنزاهة والعدالة، مثل المبادرة التي دعا لها أخونا الفاضل العالم العامل الشيخ أبو محمد المقدسي لحسم الخلافات بين الجماعات المجاهدة في الشام والعراق، وأنكم لا يمكن أن تتهربوا من ذلك بشتى الحيل، وأنكم لا يمكن أن تتخذوا تمكنكم وسيطرتكم على منطقة أو مناطق ذريعة لأن تتعالوا عن التحاكم للشريعة.
وأنكم تثقون بأفاضل العلماء العاملين المناصرين للجهاد، وتضعون ثقتكم فيهم، وأن من يطعن فيهم، ويتهرب من دعوتهم للتحاكم للشريعة، إنما يفعل ذلك لأغراض سياسية وأطماع توسعية، وأنه يسعى بذلك للتهرب من تحمل تبعات أفعاله، والتملص من التحقيق في التهم الخطيرة التي توجه له.
وأنكم تحاربون الغلو والتنطع في نفس الوقت الذي تحاربون في التفريط والتسيب وتمييع أساسيات العقيدة والشريعة.
وعليكم أن تؤكدوا للأمة المسلمة أن جهادكم لا يقتصر فقط على إسقاط نظام بشار الأسد، بل هو جهاد مستمر حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا سفلى، قال تعال: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾، وما أحكم تعليق شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على هذه الآية الكريمة حين قال: “فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله”.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”.
كما يجب أن تعقدوا النية على أن دولتكم القادمة -وشيكًا بإذن الله- تكون دولة ممهدة للخلافة على منهاج النبوة، دولة تقوم على الشورى وأخوة الإسلام ووحدة ديار المسلمين، ولا تفرق بين مسلم ومسلم على أساس من الوطنية أو القومية، دولة لا تعترف بمرجعية الدولة الوطنية العلمانية، بل كل المسلمين فيها إخوة متكافئون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمنون تكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم”.
وأن المسلم في هذه الدولة من أي أرض هو صاحب السيادة، وما سوى المسلمين يعاملون بما قررته لهم الشريعة من حقوق وأوجبت عليهم من واجبات.
كما أود هنا أن أكرر ما دعوت إليه ودعا إليه من قبل الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله؛ من أن يشكل المجاهدون والدعاة الصادقون والعلماء العاملون وأعيان المسلمين وتجارهم نواه مجلس للحل والعقد، بأن يهاجروا للمناطق المحررة في بلاد المسلمين، ليتدارسوا في أمور الأمة الخطيرة، وما يجب اتخاذه من قرارات مصيرية، التي لا يجب أن تستأثر بها قلة قليلة خلافًا لمنهاج الصحابة والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.


كما أود أن أهنئ إخواني الكرام مجاهدي الإسلام في شرق إفريقيا على عملياتهم المباركة الموفقة في مقديشيو وكينيا ضد الصليبيين الغزاة وأعوانهم العملاء المرتدين.
وأحملهم أمانة الدفاع عن المسلمين في شرق إفريقيا ووسطها، وألا يدخروا وسعًا في الدفاع عنهم وعن حرماتهم وكرامتهم.
وأحرضهم على قتال المرتدين الخونة، الذين جلبوا الصليبيين لديار الصومال المسلمة، فأبيدوا خضراءهم، واستعينوا بالله عليهم، وعلى حكومتهم وأعوانهم، فقد قال الله سبحانه عن اليهود والنصارى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾.


كما أود قبل الإشارة لما يجري في اليمن أن أؤكد لإخواني المسلمين عامة والمجاهدين خاصة، أننا يجب أن نوحد صفوفنا، فلا يعقل أن نبدأ في مدافعة هذه الحملة الصليبية الرافضية العلمانية النصيرية، ونحن نثير الخلافات بيننا، ثم يدعو مثيروها لتفجير رؤوس من يخالفهم.
ثم يزعم قائلهم أنهم خرجوا من ضيق التنظيمات لسعة الدولة، وما هو إلا كذب مركب بعضه فوق بعض.
فأما الكذبة الأولى فهي زعمهم أنهم خرجوا من ضيق التنظيمات لسعة الدولة، مع أنهم كانوا جزءًا من دولة إسلامية.
وأما الكذبة الثانية، فهي افتراؤهم على أبي حمزة المهاجر رحمه الله، بأنه قد خرج من القاعدة للدولة. برغم إقرارهم الموثق بأن دولة العراق الإسلامية كانت مبايعة سرًا لجماعة قاعدة الجهاد.
وأما الكذبة الثالثة، فهي رميهم لأبي حمزة المهاجر بالغدر ونكث العهد الذي بينه وبين أميره الشيخ أسامة بن لادن رحمهما الله.
وأما الكذبة الرابعة، فهي كذبهم على أنفسهم وإقرارتهم الموثقة الصريحة على ولائهم وسمعهم وطاعتهم لأمراء القاعدة باعتبارهم أصحاب الولاية عليهم، بالإضافة للقرائن العملية الكثيرة، التي كانوا يطلبون فيها الإذن من إمارتهم، أو تعدل من تصرفاتهم.
وأما الكذبة الخامسة فهي رميهم للقاعدة بالانحراف المؤدي للتكفير، وسبهم لها بالسباب البذئ، دون أن يكلفوا أنفسهم تقديم أي دليل، بل بما تناقضه وتخالفه الأدلة الصريحة المتكررة، كل هذا ليبرروا مطامعهم السياسية.
قال الله سبحانه: ﴿فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما”.
وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: “ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله”.
والكذب فسق، وسباب المسلم فسوق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”. والفسق مانع من تولي أية ولاية دينية لقوله سبحانه: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾.
أما داهية الدواهي فهي تهربهم من التحاكم للشريعة لما دعوا لها، وشهد عليهم به الشيخ أبو محمد المقدسي حفظه الله، بعد أن صبر على مماطلاتهم ومراوغتهم عامًا كاملًا. تهربًا من أن يواجهوا التهم التي ادعيت عليهم وتكاثرت وازدحمت.
يا أهل التقوى ويا أهل الدين ويا أهل تعظيم حرمات المسلمين، ويا كل مسلم حريص على إحياء سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وسنة خلفائه الراشدين -رضوان الله عليهم- إن لنا رسالتين واضحتين موجزتين:
الأولى: للأمة المسلمة، وهي أننا لا نريد أن نحكم المسلمين، ولكننا نريد أن يحكم الإسلام المسلمين على يد من هو أهل لذلك منا أو من غيرنا.
والرسالة الثانية: للمجاهدين والعاملين على نصرة الإسلام وإحياء خلافة النبوة، وهي أن الخلافة الراشدة التي أمرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بمتابعتها قد أعقبها الملك العضوض، الذي حذرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- منه، والذي كان رائده عبد الملك بن مروان، الذي أرسل الحجاج للحجاز، فرمى الكعبة بالمنجنيق حتى احترقت، وقتل في المسجد الحرام سيدنا عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، واستخف ببقايا الصحابة -رضوان الله عليهم- في المدينة، وختم في أعناقهم وفي أيديهم، ليذلهم بذلك، وقتل ما لا يحصى من الصحابة والتابعين وأفاضل المسلمين.
ونحن ومن قبلنا -ولله الفضل علينا والمنة- قد أفنينا أعمارنا، وقدمنا كل هذه التضحيات -التي نسأل الله أن يتقبلها منا خالصة لوجهه- لنعيد خلافة النبوة، وبعد كل هذه الخطوات الشاسعة التي قطعت، والنتائج الخطيرة التي تحققت، جاء من يريد استغلال شوق المسلمين لخلافة النبوة ليحيي به ملكًا عضوضًا، لا يبالي بالتهرب من التحاكم الشرعي بلا اكتراث، وتكفير المعارض بلا دليل، وتفجير رأس المنتقد بلا كرامة، والتفاخر بالغصب والقهر بلا مبالاة، ونكث البيعة بجرأة، واحتقار من سواه باستخفاف، وغصب حق الأمة باستعلاء، فيصيح ناطقه متفاخرًا: من نشاور؟ وعلى من افتأتنا؟ ويعلنها متباهيًا: أخذناها مغالبة وغصبًا، أعدناها بحد السيف قهرًا، وقد ضربت رقاب القوم ضربًا.
إخواني المجاهدين المخلصين والدعاة العاملين وأنصار الشريعة الصادقين، إذا كان ما نزعمه حقًا من أننا على منهاج النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين -رضوان الله عليهم- فعلينا ان نعيد خلافة المنهاج، ونتصدى لخلافة الحجاج، علينا أن نعيد خلافة النبوة والرحمة، ونتصدى لخلاقة القسوة والظلمة، علينا أن نعيد خلافة الصديق والفاروق وعلي وعثمان، ونتصدى لخلافة ابن زياد وسنان بن أنس وابن مروان، علينا أن نعيد الخلافة الراشدة، التي على منهج سيدنا عبد الرحمن بن عوف، الذي قال لسيدنا علي رضي الله عنهما: “أما بعد يا علي. فإني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، وعلينا أن نتصدى لخلافة عبد الملك بن مروان، الذي قال لولده: إذا مت، فشمر وائتزر، والبس جلد النمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه.
علينا أن نتصدى للملك العضوض، حتى وإن سماه دعاته بخلافة النبوة، فالملك العضوض هو الذي حول عبد الملك بن مروان من أزهد وأفقه شباب المدينة للملك الجبار، الذي رمى جنوده الكعبة بالمنجنيق، واستحلوا المسجد الحرام، وختموا في أعناق الصحابة رضوان الله عليهم، وقتلوا خيار الأمة.
وهو الذي حول آل سعود من أنصار لدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- إلى حكومة مرتدة، تقودها عصابة منهمكة في كل أنواع الفساد المالي والخلقي والسياسي، عصابة تتحاكم لغير الشريعة، وتشرع الربا، وتنشر الفساد، وتسلم البلاد والعباد لأعداء الإسلام.
والملك العضوض ليس مخالفًا فقط لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه رضوان الله عليهم، ولكنه يؤدي حتمًا للملك الجبري، الذي ينحي الشريعة، ويسلم ديار الإسلام لأعدائه، وهذا هو تاريخ آل سعود حجة شاهدة ناطقة، وساعتئذ يندم من أعان هؤلاء أو سكت عنهم، ليس فقط لإضاعته لتضحيات الأجيال، ولكن لأنه مهد لهذا الفساد بيده ولسانه.
فهل وصلت الرسالتان؟ ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
ولذا فإني أناشد كل المجاهدين، فأقول: تعالوا إلى كلمة سواء، فنحن في أمس الحاجة لأن نتحد، ولأن ندافع سويًا عن حرماتنا، ولأن نبني سويًا خلافتنا على منهاج النبوة، ولأن يكمل اللاحق منا جهد السابق، لا أن ينكث عهده، ويسبه، ويدعو للخروج عليه.
فيا أهل التقوى ويا أهل الدين ويا أهل تعظيم حرمات المسلمين أين أنتم؟ هل من سامع؟ هل من مجيب؟ أليس منكم رجل رشيد؟


ومن أشد ميادين الحملة الصليبية الصفوية العلمانية اليوم ميدان اليمن.
وقد تقنع فيها أتباع الصفويين بأنهم من الثوار. وأهل اليمن أدرى بمن هم الثوار.
فيا أهلنا في اليمن إن ثورتكم قد سرقت، فلقد ثرتم على الرئيس الفاسد المخلوع علي عبد الله صالح، فتحالف معه الحوثيون اليوم، الذين يدعون أنهم أنصار الثورة الشعبية، وما هم إلا أنصار إيران ومطامعها، وهاهم اليوم ينصرون المخلوع، الذي ثار عليه الشعب اليمني، بل ويتظاهرون في صنعاء مع حلفائه مطالبين بتولي ولده للرئاسة، وهذا دليل على أنهم لا مبدأ لهم ولا ثوابت، بل هم انتفاعيون يسعون للسيطرة على البلاد بكل طريقة.
فمن ينسى تحالفهم مع اليساريين في حروب المناطق الوسطى ثم الحزب الاشتراكي في حرب عام 1994 م؟
كذلك من ينسى تاريخ الحوثيين مع علي عبد الله صالح؟
فقد انضم أربعة آلاف شاب من تنظيم (الشباب المؤمن) بعد خروجه من حزب الحق لحزب المؤتمر الشعبي العام.
وتم التحالف بين الحوثيين وحزب المؤتمر ضد تيار الإصلاح، وتلقى الحوثيون الدعم المادي من الرئيس، ووقف الحوثيون في جانب حزب الرئيس في الانتخابات في مواجهة التجمع اليمني للإصلاح.
وبعد ذلك حاربوا علي عبد الله صالح حروبًا عديدة، ووصفوه بالطاغوت الموال لليهود المرتد إلى آخر أوصافهم.
ورغم هتافهم المخادع: الموت لأمريكا، فما زال الحوثيون -حتى اليوم- يكررون عروضهم على الغرب بمساعدته في محاربة الجهاد أو ما يسميه الإرهاب، كما كان يتعاون على عبد الله صالح حليفهم الرئيسي مع الغرب في ذلك.
بينما لم نسمع عن طلقة واحدة أطلقوها على أمريكا.
بينما مجاهدو الإسلام عامة، وفي جماعة قاعدة الجهاد خاصة، ينكون في أمريكا بفضل الله من عقود.
ومع ذلك يفترون فيقولون: إن المجاهدين عملاء لأمريكا، لأنهم جاهدوا ضد الاتحاد السوفيتي، إذن فالخوميني عميل عراقي ففرنسي، لأنه لجأ للعراق ثم لفرنسا، وتمكن فيها من التواصل مع الإعلام والساسة في العالم، وعاد لطهران بطائرة فرنسية،
فهل هذه المسيرة القرآنية أم المسيرة الإبليسية؟
فعلى الأمة المسلمة في اليمن أن تكتشف حقيقة هذه السياسة المخادعة الكاذبة.
وهذه السياسة الشيطانية المكيافيلية هي نفس سياسة سادتهم في إيران الذين تواطؤوا مع الأمريكان على غزو أفغانستان، ودخل أتباعهم العراق على ظهور الدبابات الأمريكية، ومع ذلك ما زالوا يهتفون الموت لأمريكا الموت لإسرائيل، حتى بعد أن تنكر الأمريكان لتوقفهم عن ترديد هذا الشعار المخادع بعيد الغزوات المباركات على أمريكا.
ولا تستحي إيران وأعوانها من الحوثيين وحزب الله من التباكي على الظلم الواقع عليهم، بينما هم الذين يقفون اليوم مع المجرم الطاغية السفاك بن السفاح بشار الأسد ضد الأمة المسلمة السورية المظلومة، ومن قبل أيدوا حافظ الأسد في قتله للمسلمين في مذبحة حماة.
وهذا ديدنهم، فقد وقفوا من قبل وتواطئوا مع الأمريكان عند غزوهم لأفغانستان، ثم دخلوا بغداد على ظهور الدبابات الأمريكية، ومن قبل تحالفوا مع التتار على إسقاط بغداد، وتحالفوا مع الصليبيين في الحملات الصليبية، ثم تحالف الصفويون مع الإفرنج ضد الدولة العثمانية، وبهذا يتبين أن شعار الموت لأمريكا ما هو إلا كذبة لخداع المغفلين، فقد تخلوا عن هذا الشعار بعد الغزوات المباركات في الحادي عشر من سبتمبر لترضى أمريكا عنهم، ولكن بوش لم يرض.
أما شعار الموت لإسرائيل فهو كذبة أخرى، فكيف يتمنى الموت لإسرائيل من وقع على ميثاق الأمم المتحدة، الذي يضمن سلامة جميع دولها بما فيها إسرائيل، فإيران وقعت على هذا الميثاق، وحسن نصر الله وحزب الله أعضاء في الحكومة اللبنانية، التي وقعت على هذا الميثاق، وحسن نصر الله أكد أنه لا مطامع له في تحرير فلسطين، لأن هذا شأن الفلسطينيين لا شأنه.
بل قال مثله حتى عن لبنان حيث رضي بأن تحدد الحكومة اللبنانية التي يعتبرها عميلة للأمريكان , هل مزارع شبعا لبنانية أم لا؟
وما يقوله حسن نصر الله من تخاريف لا يستغرب عليه، فهو يدمن الكذب، ويدمن إظهار غير ما يبطن، فهو يدين سرًا بولاية الفقيه، ولكنه يعلن ظاهرًا أنه أمين حزب سياسي، يؤمن بالدولة العلمانية.
ولكن حسن نصر الله، ليس حركة جهادية ولا حركة ممانعة ولا حركة تحرر وطني، إنه ذراع من أذرع الاستخبارات الإيرانية الصفوية الرافضية، وهو يقاتل من أجل تمدد المشروع الصفوي الرافضي، هذه هي الحقيقة التي ظهرت واضحة بلا خفاء، وظهر حسن نصر الله كشريك أساسي للطغاة الجبابرة الصفويين الجدد والبعثيين النصيريين، وهم يذبحون المسلمين في الشام والعراق واليمن.
والتلاعب بالشعارات هو ديدن كل أتباع إيران خدمة لمخطط الصفويين الجدد للسيطرة على العالم الإسلامي.
والحوثيون بوصفهم خدام الرافضة الصفويين الجدد في اليمن يسعون لتحقيق هذا المخطط، ولذلك يروجون لشبه الرافضة وأكاذيبها، فسيبون الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ومثال ذلك سب الهالك حسين بدر الدين الحوثي لسيدنا عمر رضي الله عنه، حين زعم أنه سبب بلاء المسلمين، لأنه من ولى معاوية -رضي الله عنه- على الشام، وهذا الهالك كذاب من الكذابين، ومن كان كذوبًا فعليه أن يكون ذكورًا، فإن كان سيدنا عمر -رضي الله عنه- قد ولى سيدنا معاوية -رضي الله عنه- على الشام، فإن سيدنا الحسن -رضي الله عنه وعن أبيه- هو الذي تنازل لمعاوية -رضي الله عنه- وبايعه بالإمارة العامة على كل المسلمين، وتابعه في ذلك سيدنا الحسين رضي الله عنهما، إذن فسيدانا الحسن والحسين -رضي الله عنهما- أولى بالذم -على مذهب هؤلاء الكذابين- من سيدنا عمر رضي الله عنه.
وآل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رضي الله عنهم قد ظلموا مرتين:
الأولى: من المتسلطين الظلمة الذين قتلوهم واضطهدوهم وآذوهم.
ومرة أخرى: ممن استغل الانتساب إليهم ليجني منافع مادية ومكاسب سياسية.
وأنا هنا أود أن أتوقف قليلًا عند بعض الحقائق التاريخية التي تعلو على النزاع، لأقتبس بإيجاز دروسًا من مدرسة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإمام آل البيت أسد الله الغالب سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- هو الذي بايع سيدنا أبا بكر رضي الله عنه، وقاتل تحت قيادته المرتدين، ثم بايع سيدنا عمر -رضي الله عنه- وكان في ولايته معينًا ومشيرًان ورضي باختيار المسلمين لسيدنا عثمان -رضي الله عنه- وكان في ولايته مشيرًا وقاضيًا، ولما انتهت إليه الخلافة أصر على أن تكون بيعته بيعة عامة، وليست بيعة سر، فقال -رضي الله عنه- للصحابة حين ألحوا عليه ليقبل الخلافة: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرًا، ولكن أخرج إلى المسجد، فمن شاء أن يبايعني بايعني، فخرج إلى المسجد فبايعه الناس، وفي رواية: لا أفعل إلا عن ملأ وشورى.
فنستفيد من سيرته العطرة -رضي الله عنه- أن الخلافة تكون بالشورى وباختيار المسلمين، ولا تنحصر في بني هاشم، بل تجوز في كل قريش، وأن البيعة لا تكون سرًا من مجهولين، بلا لا بد أن تكون بيعة عامة، فمن شاء بايع ومن شاء لم يبايع، فإن اتفق جمهور أهل الحل والعقد على رجل فهو إمام المسلمين، ومن عقدها سرًا وخفية وخلسة ببيعة الأقلية المجهولين، فقد خالف نهج آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه رضوان الله عليهم، وليس على منهاج النبوة.
أما سيدنا الحسن -رضي الله عنه- فقد تنازل عن البيعة وهو في منعة وقوة وشوكة، حتى يحقن دماء المسلمين، وبايع سيدنا معاوية رضي الله عنه.
فنستفيد من سيرته العطرة أن التنازل لحقن دماء المسلمين شرف، وكفى بشرف يبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونستفيد من سيرته أن سيدنا معاوية أهل للخلافة ببيعة سيدنا الحسن وسائر الصحابة رضوان الله عليهم له، وفرح المسلمون بهذه البيعة التي حقنت دماء المسلمين.
أما سيدنا الحسين -رضي الله عنه- فقد كان كارهًا للصلح مع معاوية، وكان يرى استمرار الحرب، ولكنه نزل على اجتهاد أخيه الأكبر رضي الله عنهما، فبايع سيدنا معاوية رضي الله عنهما، والحسن والحسين ومن قبلهما علي -رضوان الله عليهم- لم يكونوا في بيعاتهم لغيرهم جبناء، فيرهبهم الباطل، ولا كذابين فيغشون الأمة، وظل سيدنا الحسين وفيًا لبيعة سيدنا معاوية رضي الله عنهما، ولم يخرج في ولايته، ولما تولى يزيد لم يقبل به، لأنه رآه غير أهل للخلافة، وتولاها بالغلبة، وليس بشورى المسلمين، وكان ترك سيدنا الحسين -رضي الله عنه- للخروج على سيدنا معاوية -رضي الله عنه- عن حق، وكان رفضه لمبايعة يزيد وخروجه عليه طلبًا للحق، وكان في كلا الموقفين مريدًا للحق، وفي الموقف الأول لم يكن خانعًا ولا خائفًا، وفي الموقف الثاني لم يكن باغيًا ولا مسرفًا.
ولما أراد الخروج نصحه كثير من الصحابة -رضوان الله عليهم- بألا يخرج، وألا يثق ببيعات أهل العراق، وكان رأيهم هو الصواب، وقد لخص الفرزدق الشاعر أحوال الناس لسيدنا الحسين -رضوان الله عليهم- لما سأله عن حال أهل الكوفة، فقال الفرزدق: “القلوب معك، والسيوف مع بني أمية”.
فنستفيد من سيرته أن الخلافة تكون بالشورى، وتجوز في كل قريش، وأن سيدنا معاوية -رضي الله عنه- أهل لها، ونستفيد من سيرته ضرورة الوفاء بالعهد والبيعة وعدم نكثها، ونستفيد من سيرته أن من لم يرض بمن ليس أهلًا للخلافة فليس بآثم، ومن لم يرض بمن تولى أمر المسلمين بالسيف فليس بآثم، فإن سيدنا الحسين -رضي الله عنه- لم يرفض فقط ولاية يزيد، ولكنه أيضًا خرج عليه، ونستفيد من سيرته درسًا عظيمًا آخر، وهو أن تأهل المرشح للخلافة وحده لا يكفي، بل لا بد أن تكون الظروف والأحوال مواتية والمقومات متوفرة لقيام الخلافة، فإن مشاريع الإصلاح وإعادة الخلافة على منهاج النبوة لا يكفي فيها فقط النوايا الحسنة أو العواطف الجياشة أو بيعات من لا يثبت في الشدائد.
ولذلك نبه الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- على هذا المعنى أكثر من مرة، فقد كان يرى أن الظروف الآن غير مهيئة لإعلان إمارة إسلامية، وفي آخر كلمة له -التي أيد فيها الثورات العربية ومدحها- طالب بتكوين نواة لمجلس أهل للحل والعقد، لتنظر في القرارات الخطيرة المتعلقة بمصير الأمة، التي لا يجب أن تستأثر بها قلة قليلة خلافًا لمنهاج الصحابة والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.


وأعود لأهلنا في اليمن، فأقول لهم: إن ثورتكم التي سرقت، لم يسرقها الحوثيون وعلي عبد الله صالح فقط، بل شاركهم في السرقة عبد ربه الأمريكي، والأحزاب اليمنية التي قبلت بحصة من مغانم الدنيا، حين هب حكام الخليج ليطفئوا شعلة ثورتكم حتى لا تحرق قصورهم، وكان الثمن الذي أعلنه سراق الثورة أو تستروا عليه هو إعانة أمريكا أو غض الطرف عن إفسادها وجرائمها في اليمن ضد المجاهدين بأيديهم وألسنتهم وأقلامهم وأنصارهم وكل حر شريف في اليمن، ولكن المهم أن كل أطراف المستنقع السياسي شاركوا في العدوان الأمريكي على اليمن، إما بالفعل كعلي عبد الله صالح وعبد ربه الأمريكي والحوثيين أصحاب القرار اليوم في صنعاء، وإما بالقول كما ينادي العلمانيون، وكما يعرض الحوثيون في إعلامهم من تقديم الخدمات للشيطان الأكبر -الذي يهتفون بموته- من أجل محاربة المجاهدين، ثم هناك من شارك بالسكوت، والساكت عن الحق شيطان أخرس.
وقد استعان الحوثيون للوصول للحكم في اليمن بتحالفهم السابق والحالي مع علي عبد الله صالح، واستعانوا أيضًا بالمساومات مع حلفاء علي عبد الله صالح، الذين أيدوه لعقود عبر لعبة الديمقراطية, والذين انقلبوا عليه بعد ذلك، لما خرجوا من سوق المساومات خاسرين. ولكن لما ثار الشعب على علي عبد الله صالح، أضاع حلفاؤه القدامى وسائر السياسيين سيل الثورة في مستنقعات المساومات، ومنحوه الحصانة، وقبلوا بالتنحي الظاهري للفاسد المخلوع، وعينوا مكانه نائب الفاسد المخلوع، وساروا جميعًا -كما كانوا في عهد علي عبد الله صالح- في طريق التنازل للأمريكان، والتواطئ المباشر وغير المباشر معهم.
ونائب الفاسد المخلوع عبد ربه الأمريكي قدم التنازل تلو التنازل للحوثيين، ثم لما اشتدت الحرب هرب للسعودية، ويحاول أن يقنع الأمة المسلمة في اليمن بأن أمريكا وربيبتها السعودية ستدافعان عنها.
والأمريكان والسعوديون لن يدافعوا عن اليمن، فأما أمهم أمريكا فهي تدافع عن مصالحها، وهي مستعدة لأن تتحالف مع الشيطان من أجل تحصيلها، وهي الآن تتملص من حكام منطقة الخليج، وتعقد رغمًا عنهم اتفاقًا مع إيران.
أما السعوديون فهم عملاء الأمريكان من عقود، وهي الشراكة التي أسسها أبوهم عبد العزيز مع روزفلت بعد أن قفز من الولاء لبريطانيا إلى الولاء لأمريكا في نهاية الحرب العالمية الثانية. فآل سعود رضعوا الذل للأمريكان وعليه تربوا وفي أحضانه نشأوا.
والسعوديون أعجز من أن يدافعوا عن الجزيرة العربية، فهم السبب في عجز الحكومة السعودية عن أن يكون لها جيش قوي، مع أنها أكثر دول المنطقة إنفاقًا على الدفاع، ولكنهم يضيعون ميزانيات الدفاع الجبارة بين السرقة وبين إنفاقها بعقلية الاستقدام والاستئجار، فيعتمدون على غيرهم في الدفاع عن أنفسهم، وهاهي باكستان التي عقدوا عليها آمالهم صفعتهم على قفاهم، واختارت مصالحها بعيدًا عنهم، بعد كل الدعم الذي قدموه لها.
لن يدافع عن جزيرة العرب إلا الشرفاء الأوفياء أهل الإسلام والحمية، وعلى رأسهم المجاهدون.
والأمريكان وآل سعود يروجون لإسلام أمريكي، إسلام بلا جهاد، إسلام يسبح بحمد الحاكم الفرد، الذي لا تختاره الأمة ولا ترضى به، والذي من حقه أن يرتكب كل الكبائر والموبقات، ولا يحاسبه أحد على خوضه في دماء المسلمين وحرماتهم، والذي يعتبر البلاد والعباد إرثًا عن آبائه، والذي تحيط به حشود من المنافقين من محترفي النفاق من الموظفين والجنود والإعلاميين وعلماء السوء، الذين ينشرون فقه الذلة والخنوع، وهو الإسلام الذي تسعى أمريكا اليوم لفرضه في اليمن عبر تحالف عبد ربه الأمريكي مع أساتذته في العمالة لأمريكا آل سعود، بعد أن تخلت عن عميلها السابق علي عبد الله صالح، الذي قدم نفسه لإيران كمرتزق لصالحها، طالما تدفع الفواتير.
والسعوديون لن يدافعوا عن اليمن ليس لأنهم فقط عملاء الأمريكان، ولكن لأنهم أعجز من أن يدافعوا عن أنفسهم فكيف يدافعون عن غيرهم.
فمن الذي أصر على أن يبقي السعودية من أضعف دولة في المنطقة مع أنها الأكثر ثروة، والأزيد في الإنفاق العسكري، إن سياسة آل سعود بتفويض الدفاع عنهم للأمريكان وبالانصراف لسرقاتهم ولملذاتهم، هي التي مكنت الأمريكان من أن يحتفظوا بهم كحراس لحقول النفط، وكجلادي مخابرات يحمونهم من حملات المجاهدين، ويعتمدون في كل شيء على ما تقرره أمريكا، وينصرفون تمامًا عن بناء أية قوة ذاتية فعالة.
ثم هم إن دافعوا عن اليمن فسيدافعون عنها لإعادة عبد ربه الأمريكي نائب المخلوع للسلطة ليزيد من التمكين للنفوذ الأمريكي، الذين يتودد له الحوثيون اليوم، ويعرضون عليه خدماتهم في محاربة الجهاد باسم الإرهاب، وهي نفس الخدمات التي قدمها من قبل أسيادهم في طهران ضد أفغانستان والعراق.
فالمقصد أن جزيرة العرب واليمن لن يدافع عنها ضد الخطرين الأمريكي والصفوي إلا المخلصون الشرفاء من المسلمين وإلا المجاهدون.
يجب أن نكفر بآل سعود وعبد ربه الأمريكي وعلي عبد الله صالح وكل هؤلاء العملاء، الذين مكنوا الأمريكان والصفويين من رقابنا.
وأحرار وأشراف الجزيرة العربية عامة وقبائلها الأبية خاصة عليهم أن يقفوا اليوم في الصف الأول للدفاع عن جزيرة العرب وعن يمن الإيمان والحكمة وعن الحرمين الشريفين ضد عدوان الصليبيين والصفويين، وهذه القبائل الأبية مدعوة اليوم لأن تجدد تاريخها المجيد يوم أن كانت مدد الفتوح وزاد الجهاد، وعليهم أن ينصروا المجاهدين، ويدعموهم ويساندوهم، وأن يتصدوا لمخططات أمريكا لشراء ذمم منافقيهم، ومؤامراتها لإفساد أبنائهم.
فيا أهل الإسلام عامة وفي جزيرة العرب ويمن الإيمان والحكمة خاصة، علينا أن نقف اليوم صفًا واحدًا ضد العدوان الصليبي الصفوي، وأن نخمد خرافات التفرقة، التي تنادي بتفجير رؤوس مخالفيها، فإن الصليبيين والصفويين يعملون على تفجير رؤوسنا جميعًا.
وأكتفي بهذا القدر، وألقاكم في حلقة قادمة إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
شعبان 1437 هـ

الربيع الإسلامي | الحلقة الثامنة
شمس النصر تشرق من نوسانتارا

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه،
أيها الإخوة المسلمون في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد،
فهذه هي الحلقة الثامنة من حلقات سلسلة (الربيع الإسلامي)، وكنت قد تحدثت في الحلقتين الأولى والثانية عن الموقف الواجب تجاه الحملة الصليبية على العراق والشام، وعن الجريمة الباكستانية الأمريكية ضد وزيرستان. وتحدثت عن الخلافة المزعومة، التي ادعاها البغدادي وجماعته، كما أكدت على ضرورة وحدة المجاهدين، وقدمت مبادرةً في هذا الشأن، وبينت خطورة تفجير الخلاف في الصف الجهادي.
وفي الحلقة الثالثة تحدثت عن خلافة النبوة، وأن أهم معالمها التحاكم للشريعة، وأشرت لأن ركني الخلافة هما الشورى والتمكن، وبينت كيف يختار الخليفة على منهاج النبوة، وأن من أهم صفاته العدالة.
وفي الحلقة الرابعة تحدثت عن الرد على بعض الشبهات والتساؤلات مثل: إمارة الاستيلاء، وبيعة الأقلية، وهل يأثم من لم يبايع مغتصب الخلافة أو من ليس بأهل لها، وهل التريث في إعلان الخلافة لحين الظرف المناسب جريمة؟ وبينت أن من يجيز بيعة الأقلية إنما ينصر أكاذيب الرافضة حول بيعة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه.
وتحدثت عن استدلال البعض بكلام للإمام أحمد -رحمه الله- عن الإمام المستولي بالسيف، وبينت أن البغدادي ومن معه في أعناقهم بيعة برضاهم لإمام مستول هو الملا محمد عمر -رحمه الله- زعم متحدثهم -زورًا وبهتانًا- أنهم نكثوها من أكثر من تسع سنوات، وتحدثت كذلك عن استدلال البعض بكلام للإمام النووي –رحمه الله- عن عدم اشتراط إجماع أهل الحل والعقد، وبينت أنه دليل على جماعة البغدادي، فإن النووي -رحمه الله- تكلم عمن يتيسر اجتماعهم من رؤوس الناس، ولم يتكلم عمن تم إخفاؤهم من المجاهيل. فبيعة مجهولة المكان مجهولة الزمان من مجهولين، نقلها لنا من جربنا عليه الكذب.
وفي الحلقة الخامسة تطرقت لإجابة سؤالين:
الأول: هل الظروف الآن مهيأة لإعلان الخلافة؟
والثاني: إذا لم تكن الظروف الآن مهيأةً لإعلان قيام الخلافة، فما هو البديل؟
وفي الحلقة السادسة تحدثت عن الخطر الصفوي.
وفي الحلقة السابعة تحدثت عن الأحداث الخطيرة التي تجري في اليمن.
وبمراجعتي لنص الحلقة الأولى وجدت خطأً قد وقعت فيه دون قصد، وأود أن أصححه، فالعود للحق أحمد، وهو أني قلت:
“وفي المقابل فإن البغدادي لم يذكر المسلمين في غزة ولا في أفغانستان وباكستان ووزيرستان بكلمة واحدة، بينما الإمارة الإسلامية مواقفها الكريمة النبيلة القولية والعملية مستمرة وواضحة ومشكورة”.
وقد وجدت البغدادي بعيد إعلانه المزعوم للخلافة قد ذكر كلمة أفغانستان وباكستان مرةً واحدةً في كلمة له في رمضان بعنوان (رسالة إلى المجاهدين والأمة الإسلامية في شهر رمضان)، أما غزة ووزيرستان فلم يخصهما بشيء على رغم الحرق والدمار والقصف الذي كانا يتعرضان له، ولذا فإني أصحح عبارتي إلى العبارة التالية:
“وفي المقابل فإن البغدادي عند إعلانه المزعوم للخلافة لم يخص المسلمين في غزة ووزيرستان ولا مجاهدي باكستان وأفغانستان بكلمة واحدة، بينما الإمارة الإسلامية مواقفها الكريمة النبيلة القولية والعملية مستمرة وواضحة ومشكورة”.
وكل خطأ يتبين أو يبين لي فأنا راجع عنه بعون الله، فما أنا إلا بشر يصيب ويخطئ.
وأود هنا أن أضيف شيئًا آخر، وهو أن الإمارة الإسلامية كان موقفها نبيلًا وكريمًا في حملة الجيش الباكستاني الخائن والأمريكان على وزيرستان، وقدمت ما تستطيع من عون لإخوانها المهاجرين، حتى لأولئك الذين تمردوا عليها وسبوها ووصفوا جنودها بأنهم عملاء الاستخبارات الباكستانية. فجزى الله الإمارة الإسلامية خير الجزاء.
وفي هذه الحلقة أود أن أتحدث عن ثغر الإسلام الشرقي في شرق آسيا، في إندونيسيا والفلبين وماليزيا وما جاورها.


إخواني المسلمين في شرق آسيا، أنتم تمثلون ثقلًا عدديًا يعد أكبر ثقل عددي للمسلمين، وأنتم بوابة بلاد الإسلام الشرقية، والواجب عليكم في حماية عقيدة الإسلام وحرمات المسلمين كبير وعظيم.
وأنتم في معركة مع الحلف الصليبي المعتدي على الإسلام والمسلمين، كما أنكم أيضًا في معركة عقدية وسياسية مع العلمانيين وأعداء الدين، وعباد صنم الوطنية والقومية.
فمعركتكم متعددة الجبهات ومتنوعة الأسلحة:
فهي معركة بالجهاد المسلح لضرب المصالح الأمريكية والغربية المنتشرة في كل مكان، فتتبعوها حتى تدفع أمريكا وشركاؤها ثمن جرائمهم، وهو النهج الذي توصل له اجتهاد الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- وإخوانه، لتخليص الأمة المسلمة من شر المعتدين عليها، فبسقوط هبل العصر أمريكا سيسقط توابعه بإذن الله، ويسهل القضاء على الأعداء الأضعف منه. فهذه هي الأولوية الأولى في الجهاد المسلح اليوم والله أعلم.
كما أن عليكم واجبًا بالجهاد لصد عادية الصليبيين على المسلمين في الفلبين ولإغاثة إخوانكم المسلمين من إجرام الصليبيين في جزر الملوك وغيرها من أنحاء إندونيسيا، وكذلك عليكم واجب إعانة ودعم إخوانكم المسلمين في جنوب تايلاند.
كما أن عليكم واجب النفير لنصرة إخوانكم المسلمين في ساحات الجهاد المختلفة، وللنكاية في العدو الصليبي المعتدي على ديار الإسلام.
وقد كان للعديد من إخوانكم قصب السبق في ذلك، فقد نفر العديد منهم وهاجر لساحات الجهاد وخاصةً لأفغانستان في وقت الجهاد ضد الروس، ثم هاجر العديد منهم للإمارة الإسلامية في أفغانستان، وقد شهدت في قندهار زيارة عدد من كبرائكم للشيخ أسامة بن لادن رحمه الله، وتعاهدهم معه على حمل رسالته والسير على طريقته.
واستجابةً لدعوات الشيخ أسامة بن لادن فقد قام العديد من أبطالكم بالتصدي للعدوان الصليبي على المسلمين في الفلبين، وكذلك بالانتقام من التحالف الصليبي في بالي وجاكرتا.
وسرت دعوة الشيخ أسامة بين الأفاضل من علمائكم الذين حرضوا الأمة على مقاومة العدوان الصليبي اليهودي على الإسلام والمسلمين.
وبالإضافة لمعركة الجهاد المسلح فمعركتكم أيضًا معركة بالبيان والدعوة والتوعية، لتنبيه الشعوب المسلمة إلى خطر النظم العلمانية، التي تنبذ التحاكم للشريعة، وتنهج مناهج الديمقراطية والدولة الوطنية القومية، التي تفرق المسلمين لأكثر من خمسين قسمًا.
إخواني المسلمين في نوسانتارا عليكم ببذل الجهد والطاقة لبيان عقيدة التوحيد لجماهير الأمة المسلمة، وبيان مناقضتها لعقيدة البانكشيلا الخبيثة، التي تدعو للإيمان بالمبادئ الخمسة: الإله الواحد والقومية والإنسانية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، تلك العقيدة التي سعى في فرضها عليكم الحكام المعادون للإسلام بقوة الحديد والنار والترغيب والترهيب. لقد بينتم أيها الإخوة الأفاضل من قبل أنها عقيدة تناقض عقيدة الإسلام، فاستمروا في نهجكم المبارك، وأسأل الله أن يعينكم حتى تقدموا لأمتكم المسلمة في نوسانتارا عقيدة التوحيد خالصةً نقيةً كما أنزلت على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشرها أصحابه الكرام رضوان الله عليهم.
وهي أيضًا معركة بالبيان لإيقاظ روح الوحدة بين المسلمين، ولبيان أننا جميعًا من سواحل الأطلسي حتى تركستان الشرقية أمة واحدة يجمعها دين واحد وعقيدة واحدة، لا فرق بين أسود وأحمر ولا بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى.
وأنا أدعو الدعاة الصادقين منكم أن يبينوا للأمة الخطوات الطيبة المباركة التي خطاها المجاهدون بقيادة الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- لتوحيد صفوف المسلمين وتجميعهم ضد أعدائهم.
فقد سعى الشيخ أسامة لتحريض الأمة على هدف واحد وهو جهاد اليهود والصليبيين وهبل العصر أمريكا، وسعى في تجميع الجماعات الجهادية، فأنشأ الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين، وبايع الإمارة الإسلامية في أفغانستان، ودعا المسلمين لبيعتها ليتوحدوا تحت راية واحدة، فاستجيبوا لهذا النداء المبارك، وأكملوا طريق الإمام المجدد رحمه الله.
وعلى الدعاة الصادقين أن يبينوا للأمة المسلمة في شرق آسيا ما هي الدولة المسلمة التي ندعو لها، وأنها دولة الرضا والشورى والعدل، وليست دولة الغصب والقهر والتفجير والنسف.
دولة تقوم على التحاكم للشريعة لا على التهرب منها.
دولة تقوم على الوفاء بالعهود لا نكثها.
دولة تقوم على حفظ حرمات المسلمين والمجاهدين، لا على تكفيرهم وسبهم واتهامهم بأنهم عملاء المخابرات ولا على استباحة دمائهم.
دولة تهتدي بهدي القرآن الكريم، الذي أنزل الله فيه: (وأمرهم شورى بينهم)، لا ببدعة البغدادي التي تقول: (وأمركم شورى بيننا).
إنها دولة تهتدي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال: “أول من يغير سنتي رجل من بني أمية”. حسنه الشيخ الألباني رحمه الله، وقال: “ولعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة، وجعله وراثةً”. وقال صلى الله عليه وسلم: “أوصيكم بتقوى اللّه والسّمع والطّاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين، فتمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ”.
دولة تهتدي بهدي الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم. قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ” إنّه لا خلافة إلا عن مشورة”. وهذا سند صحيح مسلسل بالثقات بفضل الله.
وقال سيدنا عبد الرحمن بن عوف لسيدنا علي-رضي الله عنهما- في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري رحمه الله: “أمّا بعد يا عليّ إنّي قد نظرت في أمر النّاس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلنّ على نفسك سبيلًا. فقال: أبايعك على سنّة اللّه ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرّحمن وبايعه النّاس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون”.
إنها دولة الخلافة على منهاج النبوة، التي لا تهتدي بهدي الحجاج بن يوسف ولا أبي مسلم الخراساني، ولا بتضليل متحدث البغدادي الذي يفخر بأنهم أخذوها مغالبةً وغصبًا بتفجير وتفخيخ ونسف.
ومعركتكم أيضًا معركة سياسية لحشد الأمة المسلمة وتنظيمها لتسير نحو التغيير المنشود للدفاع عن أراضي المسلمين وردع أكابر المجرمين ونشر دعوة التوحيد والوحدة الإسلامية والدعوة لإقامة الحكومة المسلمة، التي تجمع المسلمين تحت خلافة واحدة بالرضا والشورى. وهذا الحشد والتنظيم يتطلب منكم عملًا دؤوبًا بين أوساط الأمة المتعددة، فيتطلب العمل بين عامة الأمة في المدن والقرى والأرياف لنشر عقيدة التوحيد وتحذيرهم من مخاطر التبشير والتنصير، ويتطلب منكم العمل بين الشباب والطلاب لتوعيتهم بالواجب عليهم تجاه أمتهم ولمقاومة دعوات الإلحاد والعلمانية والشيوعية، ويتطلب منكم العمل بين المهنيين والتجار والمتعلمين لبيان فساد النظام الديمقراطي العلماني القومي، وما جره على المسلمين من تفرق وفساد.
وهي أيضًا معركة اجتماعية لتقديم خدمات التعليم والعناية الصحية والرعاية الاجتماعية والإغاثة من الكوارث للأمة المسلمة، ولمقاومة جهود المنصرين والشيوعيين.
ومعركتكم أيضًا معركة بالتربية والتوجيه لنرتفع بسلوكنا إلى مستوى شريعتنا وأحكامها وآدابها.
فكيف نطلب من الأمة أن تصدقنا في مطالبتنا بتحكيم الشريعة، إذا كانت هناك فئة من المنتسبين للجهاد تتهرب من التحاكم للشريعة، وتجعل الشريعة قسمين: قسم تطبقه على غيرها، وقسم تتهرب من تطبيقه على نفسها.
كيف يؤتمن على تحكيم الشريعة من يتهربون بشتى الحيل من التحاكم للشريعة، حتى لا يؤاخذوا على ما يتهمون به، وحتى لا يواجهوا الأدلة التي يقدمها خصومهم ضدهم أمام محكمة شرعية مستقلة.
كيف نقنع الأمة أننا سنفي بعهودنا معها إذا كان من بيننا من يقر على نفسه بالمواثيق المؤكدة، ويعلن أنه يدين الله بها، أي يجعلها عقيدةً له، ثم يتنكر لتلك العقيدة بعد أشهر.
كيف يصدق المسلمون أننا ندافع عن حرماتهم، إذا كان من بيننا من يخوض في دماء المسلمين، ويثير فتنًا يسقط فيها الآلاف من المجاهدين.
كيف نقنع الأمة أننا لا نكفر المسلمين، إذا كان هناك من ينتسب للجهاد ويزعم زعامة المسلمين، وهو يكفر خصومه بلا دليل، بل بالكذب والبهتان، وأحيانًا يكفرهم بالطاعات.
كيف نقنع الأمة بأننا نسعى للشورى والخلافة الراشدة على منهاج النبوة، إذا كان هناك من يفخر بأنه قد وصل لما يسميه خلافةً بلا شورى وبتفجير وتفخيخ ونسف.
كيف نقنع الأمة أننا نسعى لخلافة على منهاج النبوة، إذا كان هناك من يزعم أنه صار خليفةً ببيعة قلة مجهولين سلبوا الأمة حقها، لا نعرف لهم اسمًا ولا حتى كنيةً، ولا عددًا ولا صفةً ولا تاريخًا، ولا نعرف أين اجتمعوا ولا متى، وعندما اجتمعوا من وافق ومن خالف، ومن رضي ومن كره، ومن خالف ماذا فعل به؟
يا أمتنا المسلمة في نوسانتارا وفي سائر ديار الإسلام إن رسالتنا لك واضحة جلية.
نحن نريد التحاكم للشريعة، ولا نريد التهرب من التحاكم إليها، وتقسيمها لقسمين، على طريقة آل سعود.
نحن نريد الشورى، ولا نريد بطش الحجاج بن يوسف، فنحن نريد خلافة المنهاج لا خلافة الحجاج.
نحن نريد سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ولا نريد ملكًا عضوضًا.
نحن نريد أن تثقي فينا وأننا نفي بعهودنا، ولا نتقلب فيها كسعر الدولار في سوق العملة.
نحن نريد أن نثبت لك أننا رحماء بك حريصون عليك مدافعون عن حرماتك، ولا نثير الفتن التي يسقط فيها الآلاف من خيار المسلمين.
نحن نريد توحيد الأمة لا تفريقها، وحشدها لا تشتيتها.
ولذا فنحن نبرأ من أفعال البغدادي ومن معه، فنحن لسنا مثلهم ولا منهم، وحقًا ما كان هذا منهجنا، ولن يكون بإذن الله.
يا أمتنا المسلمة في نوسانتارا وفي كل مكان إن معركتنا الأساسية هي مع العدو الأكبر، الذي يحاصر العالم الإسلامي بقواته، ويسلب ثرواته، ويفرض عليه نظامه الدولي، ويسلط عليه العملاء الخونة السراق، ويسعى بالتخويف والإرهاب وما يسميه بالشرعية الدولية لفرض الفساد والانحلال والفاحشة، والعبث بنظم تعليمنا لتترك العفة والفضيلة، وتلهث وراء المنفعة واللذة.
العدو الذي يدعم إسرائيل التي تحتل ثالث الحرمين، والعدو الذي فصل بالقوة تيمور الشرقية عن إندونيسيا، بينما يصر على أن يبقي مسلمي الشيشان وجنوب الفلبين وفطامي وكشمير وفلسطين تحت القهر والظلم والقتل والعدوان.
ومعركتنا مع العدو الأكبر تؤدي حتمًا للصدام مع وكلائه المعتدين على حريتك وثرواتك وعقيدتك.
نحن نريد لك -يا أمتنا المسلمة في نوسانتارا وفي كل مكان- الحرية والكرامة والعزة والتحرر من قيود الذل والهوان وتحكم العملاء السراق الخونة.
نحن نقف مع كل مظلمة لك ولو كانت صغيرةً، فكل من ظلم من أمتنا المسلمة أو من الكفار فنحن نؤيده في دفع الظلم عنه، فهذا هو ديننا، وهذه هي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم. قال الله سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “شهدت حلف المطيّبين مع عمومتي، وأنا غلام، فما أحبّ أنّ لي حمر النّعم وأنّي أنكثه”. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد”. وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: “من قتل دون مظلمته فهو شهيد”.
فكل معتقل حبس ظلمًا فنحن معه، وكل عمال في مصنع قطعت عنهم أجورهم ظلمًا فنحن معهم، وكل قرية قطعت عنها الخدمات ظلمًا فنحن معها، وكل من قتلته شرطة عبيد أمريكا ظلمًا فنحن معه، وكل امرأة أو فتاة أو يتيم أو أرملة اعتدي عليهم أو أهينوا أو حرموا من حقوقهم ظلمًا وعدوانًا فنحن معهم، وكل من أكل حقه ظلمًا وعدوانًا من مسلم أو كافر فنحن معه.
وكل من اعتدى عليك يا أمتنا الغالية ففرض نفسه عليك خليفةً -كما زعم- بلا شورى ولا رضا ولا أهلية بالتفجير والتفخيخ والنسف والدعاية الكاذبة والإعلام الباطل فنحن ضده، وكل مطالبة لك بحكم الشورى والعدل والرضا والاتفاق بين المسلمين والعودة لنهج الخلفاء الراشدين فنحن معها.


يا أمتنا المسلمة في نوسانتارا وفي كل مكان إن القاعدة ليست تنظيمًا ولا جماعةً ولا أفرعًا ولا أعدادًا ولا عدةً فقط، بل هي قبل كل ذلك وأهم من كل ذلك رسالة، فهذه رسالتنا لك.
أسأل الله أن تكون خالصةً لوجهه موافقةً لشرعه، ومقبولةً منك.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ربيع الأول 1437هـ

الربيع الإسلامي | الحلقة التاسعة
المسلمين في تركستان الشرقية

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه،
أيها الإخوة المسلمون في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد،
فهذه هي الحلقة التاسعة من حلقات سلسلة (الربيع الإسلامي)، وكنت قد تحدثت في الحلقتين الأولى والثانية عن الموقف الواجب تجاه الحملة الصليبية على العراق والشام، وعن الجريمة الباكستانية الأمريكية ضد وزيرستان. وتحدثت عن الخلافة المزعومة، التي ادعاها ابراهيم البدري وجماعته، كما أكدت على ضرورة وحدة المجاهدين، وقدمت مبادرة في هذا الشأن، وبينت خطورة تفجير الخلاف في الصف الجهادي.
وفي الحلقة الثالثة تحدثت عن خلافة النبوة، وأن أهم معالمها التحاكم للشريعة، وأشرت لأن ركني الخلافة هما الشورى والتمكن، وبينت كيف يختار الخليفة على منهاج النبوة، وأن من أهم صفاته العدالة.
وفي الحلقة الرابعة تحدثت عن الرد على بعض الشبهات والتساؤلات مثل: إمارة الاستيلاء، وبيعة الأقلية، وهل يأثم من لم يبايع مغتصب الخلافة أو من ليس بأهل لها، وهل التريث في إعلان الخلافة لحين الظرف المناسب جريمة؟ وبينت أن من يجيز بيعة الأقلية إنما ينصر أكاذيب الرافضة حول بيعة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه.
وتحدثت عن استدلال البعض بكلام للإمام أحمد -رحمه الله- عن الإمام المستولي بالسيف، وبينت أن إبراهيم البدري ومن معه في أعناقهم بيعة برضاهم لإمام مستول هو الملا محمد عمر -رحمه الله- زعم متحدثهم -زورًا وبهتانًا- أنهم نكثوها من أكثر من تسع سنوات، وتحدثت كذلك عن استدلال البعض بكلام للإمام النووي –رحمه الله- عن عدم اشتراط إجماع أهل الحل والعقد، وبينت أنه دليل على جماعة إبراهيم البدري، فإن النووي -رحمه الله- تكلم عمن يتيسر اجتماعهم من رؤوس الناس، ولم يتكلم عمن تم إخفاؤهم من المجاهيل. فبيعة مجهولة المكان مجهولة الزمان من مجهولين، نقلها لنا من جربنا عليه الكذب.
وفي الحلقة الخامسة تطرقت لإجابة سؤالين:
الأول: هل الظروف الآن مهيأة لإعلان الخلافة؟
والثاني: إذا لم تكن الظروف الآن مهيأة لإعلان قيام الخلافة، فما هو البديل؟
وفي الحلقة السادسة تحدثت عن الخطر الصفوي.
وفي الحلقة السابعة تحدثت عن الأحداث الخطيرة التي تجري في اليمن.
وفي الحلقة الثامنة تحدثت عن المسلمين في شرق آسيا.
وفي هذه الحلقة أود أن أتحدث عن المسلمين في تركستان الشرقية.


تركستان الشرقية ذلك القطر المنسي من ديار الإسلام، الذي يلاقي إخواننا وأهلنا المسلمون فيه قهر المحتل الصيني الملحد، بالقتل والتعذيب والسجن والسعي لتغيير عقيدتهم ونشر الفواحش والمخدرات بينهم، ومنعهم من أداء شعائر دينهم، وقتل الأجنة في بطون نسائهم، واستغلال ثروات بلادهم وسرقتها، وجعل أراضيهم ميدانًا لتجاربهم ونفاياتهم النووية، ونزع الحجاب عن نسائهم، وإغراق بلادهم بملايين الصينيين الملحدين، كل هذه الفظائع المستمرة تمارس ضد هؤلاء المسلمين الصامدين المتمسكين بدينهم في وجه عواصف الإلحاد والإجرام الصيني.
ولم يرضخ مسلمو تركستان الشرقية لهذا الظلم والإجرام، بل هبوا في انتفاضات متعددة زادت عن أربعين انتفاضة، ثم تحولت لحركة جهادية مستمرة، ضد الغزاة الملاحدة الصينيين.


إخواني المسلمين في تركستان الشرقية، إن أمامكم معركة طويلة، أسأل الله أن يعينكم عليها بعونه وتوفيقه.
فأمامكم معركة قاسية ضد المحتل الملحد الصيني، الذي يغزو بلادكم بملايين المحتلين، وهي معركة تحتاج لإعداد وحشد وتحريض وتوعية للأمة المسلمة في تركستان.
وأمامكم معركة لدعوة أهلكم المسلمين في تركستان للعودة لأحكام وآداب الإسلام ونبذ دعوات الإلحاد والانحلال، التي يبثها العدو الصيني الملحد.
وأمامكم معركة تربوية لتنشئة الشباب والنشء على حب طلب العلم ودراسة أصول العقيدة وأحكام الشريعة، ليتخرج من بينكم دعاة إلى الحق، يقودون الأمة للعودة للإسلام.
وأمامكم معركة بالجهاد والقتال لنصرة إخوانكم المجاهدين في كل ساحات الجهاد، فعلى المسلم إذا ضيق عليه في وطنه أن يهاجر لإقامة الدين ونصرته حيثما استطاع، فنحن أمة واحدة قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا”. وقال صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
فبلاد المسلمين بمنزلة البلد الواحد، فإذا لم يستطع المسلم الجهاد والإعداد في بلده فليهاجر، فالهجرة من سنن المرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم- وأتباعهم. قال الله سبحانه في القرآن ذاكرًا قول سيدنا موسى عليه السلام: ﴿ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكمًا وجعلني من المرسلين﴾، وقال عز من قائل: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾.
فالشيخ عبد الله عزام والشيخ أبو مصعب الزرقاوي -رحمهما الله- سعيا للجهاد في فلسطين، فلما ضيق عليهما، ولم يتمكنا من جهاد اليهود من وطنيهما، هاجرا لباكستان ثم أفغانستان، ليشاركا المجاهدين الأفغان، ثم هاجر الشيخ أبو مصعب لإيران ثم للعراق، والشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- هاجر لباكستان ثم للسودان وبعدها لأفغانستان، وأنشأ حركة إسلامية عالمية تهدد الكفر العالمي، ثم أنشأ الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين، ثم بايع أمير المؤمنين الملا محمد عمر -رحمهما الله- ليوحد المسلمين، وبايعه أيضًا -ببيعتهم للشيخ أسامة بن لادن- الشيخ أبو مصعب الزرقاوي والشيخ أبو حمزة المهاجر والشيخ أبو عمر البغدادي رحمهم الله، وبايعه المجاهدون من المغرب الإسلامي ومن جزيرة العرب، ثم بعد استشهاده -رحمه الله- بايع جماعة قاعدة الجهاد إخوة الصومال وإخوة شبه القارة الهندية، وكل هذا ببركة الهجرة والوحدة وعدم التفرق.
وكذلك هاجر الشيخ أبو محمد التركستاني -رحمه الله- للإمارة الإسلامية في أفغانستان، وبايعها وروادكم الأبرار.
وآوت الإمارة الإسلامية مجاهدي ومهاجري تركستان الشرقية مع إخوانهم من سائر ديار المسلمين.
فالمقصد أن الشيخ عبد الله عزام والشيخ أسامة بن لادن والشيخ أبا مصعب السوري والشيخ أبا مصعب الزرقاوي والشيخ أبا محمد التركستاني وغيرهم من أعلام المجاهدين لما ضيق عليهم في أوطانهم هاجروا لنصرة الإسلام، ففتح الله عليهم، مصداقًا لقول الحق سبحانه: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعةً ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورًا رحيمًا﴾.
وعلينا أن نتذكر بأن الصهاينة في إعدادهم للاستيلاء على فلسطين قاتلوا مع الحلفاء في الحربين العالميتين في أوروبا وليبيا ومصر والشام، وها أنتم ترون بأنفسكم في شام الرباط والجهاد كيف جمع الكفر أحلافه، فالرافضة الصفويون جمعوا أوباشهم من أفغانستان وإيران والعراق ولبنان، واجتمع الصليبيون من غربيين وشرقيين مع العلمانيين واللادينيين والقوميين لقتال المسلمين، واتفقوا على ألا تقوم في شام الرباط والجهاد دولة مسلمة مجاهدة.
وقد عرفت جبال ووديان أفغانستان مجاهدي تركستان الشرقية الغيورين، فجاهدوا دفاعًا عن الإمارة الإسلامية ضد المنافقين، الذين كانت تدعمهم روسيا وإيران وأمريكا وأوروبا. ولما شنت أمريكا وحلفاؤها وعملاؤها حملتهم الصليبية الأخيرة على أفغانستان جاهد مجاهدو تركستان الشرقية في توره بوره ثم في وزيرستان والعديد من أنحاء أفغانستان.
ولم يتوقف جهادهم رغم استهدافهم من الحكومة الباكستانية الخائنة والتحالف الصليبي الأمريكي.
ولما قام الجهاد المبارك في شام الرباط والجهاد كان مجاهدو تركستان الشرقية من السباقين لنصرة إخوانهم في الشام.
فجهادهم في الشام يثبت أن الربيع العربي الذي أضاعه طلاب المساومات والتنازل للعلمانيين من بعض الجماعات التي تنتسب للعمل الإسلامي، وأغرقوه في أوحال العلمانية والدساتير الوضعية والتحاكم لأهواء البشر والدولة الوطنية والرابطة القومية، هذا الربيع العربي الضائع الفاشل سيصحح مساره -بإذن الله- الربيع الإسلامي، الذي يؤمن بحاكمية الشريعة وأخوة المؤمنين ووحدة ديار الإسلام، ويسعى بالدعوة لله والجهاد في سبيله لإعادة الخلافة على منهاج النبوة، حتى يكون الدين كله لله.
ونصركم القادم -بإذن الله- في الشام سيثبت للشعوب المظلومة في مصر وتونس أن طريق الدعوة والجهاد هو الطريق الصحيح لانتصار الأمة، وهو بشرى الربيع الإسلامي المنتصر بإذن الله.
إخواني مجاهدي الإسلام من تركستان الشرقية إنكم بجهادكم للدفاع عن الإمارة الإسلامية في أفغانستان قبل وبعد الغزو الصليبي، ثم بجهادكم في وزيرستان ثم مع إخوانكم المهاجرين في شام الرباط عقر دار المؤمنين تثبتون أننا أمة واحدة، لا تعرف الفوارق القومية ولا الحدود الأرضية. إنكم تؤكدون على معنى وحدة المجاهدين ضد الحملة الصليبية الصفوية النصيرية العلمانية الشرسة، التي تسعى لاستئصال الجهاد والإسلام في تحالف شيطاني بين الرافضة والصليبيين والنصيرية والروس.
إن هذه الحملة الشرسة تتطلب منا جميعًا أن نقف متحدين في وجهها، وأن ننبذ دعاوى الفرقة وشق الصفوف بالخرافات والهوس، إننا يجب أن نشكل رأيًا عامًا ضد دعاوى الفرقة والتشرذم بالدعاوى الكاذبة، والمزاعم الباطلة، والألقاب الجوفاء التي لا تستند لواقع عملي، ولا لمستند شرعي، بل تسعى لأن تخالف سنة الخلفاء الراشدين، وتحيي فينا سنة الملك العضوض، والتي تخالف خلافة المنهاج، وتوافق خلافات الحجاج.
إن من يريد أن يفرض نفسه على المسلمين بالسكاكين الحاذقة والطلقات الفالقة والدعاوى المارقة والشطحات المفرقة، إنما يرتكب جريمة مضاعفة، فهو ليس فقط منابذًا لسنة الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- ومتبعًا لسنة أخلاف الحجاج بن يوسف الذين حذر منهم سيدنا عمر -رضي الله عنه- فقال: “إني -إن شاء الله- لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم”. ولكنه أيضًا ساع لتفريق الصف المجاهد بالباطل، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لجمع الشمل، كل هذا ليحقق مآرب ومطامع يتلهف عليها، تفتقد للشرعية وتعوزها الواقعية، فلم يجد لها سبيلًا إلا التكفير والسب والدعوة لسفك الدم الحرام ورمي الحرائر العفيفات بالزنا ووصم أهل الفضل بأنهم عملاء الاستخبارات، والفرار من الشورى، والتهرب من التحاكم للشريعة. فقدم بهذا خدمة لا تقدر بثمن لأعداء الإسلام.
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في ذم التحايل على الشريعة:
“قال شيخنا -رضي الله عنه- [يقصد ابن تيمية رحمه الله]: وقد جاء حديث آخر يوافق هذا مرفوعًا وموقوفًا من حديث ابن عباس: “يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء: يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه، والسحت بالهدية، والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع”.
إلى أ ن قال رحمه الله:
“وأما استحلال القتل باسم الارهاب -الذي تسميه ولاة الجور سياسة وهيبة وناموسًا وحرمة للملك- فهو أظهر من أن يذكر”.
وقال أيضا -رحمه الله- عن التكفير بالظلم والجهل:
“فإذا ظفرت برجل واحد -من أولى العلم- طالب للدليل محكم له متبع للحق -حيث كان وأين كان ومع من كان- زالت الوحشة، وحصلت الألفة، ولو خالفك فإنه يخالفك ويعذرك، والجاهل الظالم يخالفك بلا حجة، ويكفرك أو يبدعك بلا حجة، وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة وسيرته الذميمة، فلا تغتر بكثرة هذا الضرب، فإن الآلاف المؤلفة منهم لا يعدلون بشخص واحد من أهل العلم، والواحد من أهل العلم يعدل بملء الأرض منهم”.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
أمتنا المسلمة هاهم أبناؤك المجاهدون يكتبون تاريخك المجيد بعون الله، وفي الصف الأول منهم إخواننا مجاهدو تركستان المسلمة، الذين يدافعون عن الإسلام والمسلمين في تركستان وأفغانستان والشام، فواجب علينا أن نساندهم ونؤيدهم وندعمهم، وندعم كل مجاهد ومسلم ومظلوم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الربيع الإسلامي | الحلقة العاشرة
شرق إفريقيا ثغر الإسلام الجنوبي

(الجزء الأول)

بسمِ الله والحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله وآلِه وصحبِه ومن والاه،

أيها الإخوةُ المسلمون في كلِ مكانٍ السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
وبعدُ،
فهذه هي الحلقةُ العاشرةُ من حلقاتِ سلسلةِ (الربيعِ الإسلاميِ)، التي شرعتُ فيها تبشيرًا بالخلافةِ على منهاجِ النبوةِ، وتنفيرًا من الجورِ والفسادِ والإفسادِ، أطوفُ فيها مع إخواني الكرامِ على بلادِ الإسلامِ، لأبشرَهم بأن الربيعَ الحقيقيَ هو ربيعُ الإسلامِ المنتصرُ القادمُ لا محالةَ بإذنِ الله.
وكنتُ قد تحدثتُ في الحلقات الخمسِ الأولى عن الموقفِ الواجبِ تجاهِ الحملةِ الصليبيةِ على العراقِ والشامِ، وعن الجريمةِ الباكستانيةِ الأمريكيةِ ضد وزيرستانَ. وتحدثتُ عن الخلافةِ المزعومةِ، التي ادعاها إبراهيمُ البدريُ ومن معه، كما أكدتُ على ضرورةِ وحدةِ المجاهدين، وقدمت مبادرةً في هذا الشأنِ، وبينت خطورةَ تفجيرِ الخلافِ في الصفِ الجهاديِ.
وفي الحلقةِ السادسةِ تحدثت عن الخطرِ الصفويِ.
وفي السابعةِ تحدثتُ عن الأحداثِ الخطيرةِ التي تجري في اليمنِ.
وفي الثامنةِ تحدثت عن المسلمين في شرقِ آسيا.
وفي التاسعة تحدثت عن المسلمين في تركستان الشرقية.
وفي هذه الحلقةِ أودُ أن أتحدثَ عن المسلمين في شرقِ إفريقيا.


ولعل من المفيدِ أن أقُدِّمَ لهذه الحلَقةِ بلمحةٍ تاريخيةٍ موجزةٍ عن ثغرِ الإسلامِ الصامدِ في شرقِ إفريقيا، الذي اتصل بالإسلامِ منذُ بعثةِ النبيِ صلى اللهُ عليه وسلم، فقد هاجرتْ فئةٌ من الرعيلِ الأولِ من الصحابةِ -رضوانُ اللهِ عليهم- للحبشةِ، وأسلم على يدِهم النجاشيُ ملكُها، وصلى عليه النبي -صلى اللهُ عليه وسلم- بعد وفاتِه.
وبعد أن اهتدى العربُ لنورِ الإسلامِ رحل منهم تجارٌ لشرقِ إفريقيا، فنشروا الإسلامَ، ودخل الناسُ في دين اللهِ أفواجًا، ولكنَّ هذا الاهتداءَ لدينِ اللهِ سبحانه أزعج الصليبيةَ في شرقِ إفريقيا متمثلةً في الحبشةِ، التي أدركت -كما أدركتِ النصرانيةُ في الشمالِ- أنها لو تركتِ الناسَ يتصلون بالمسلمين لسادتْ دعوةُ المسلمين بينهم، فبدأتْ مملكةُ الحبشةِ النصرانيةِ في اعتداءاتِها على المسلمين، كما هي حتى اليومِ، وكما هو حالُ كنيستِها الأمِ في مصرَ، التي تتربصُ بالمسلمين الدوائرَ، وتساندُ كلَ طاغيةٍ طاغوتٍ جبارٍ يعتدي على المسلمين.
وكان من مظاهرِ هذا العداءِ هجومُ الأحباشِ على مدينةِ مصوعَ، وتقتيلُهم للمسلمين وتمثيلُهم بهم، ثم شجع الأحباشُ ثلةً من القراصنةِ للهجومِ على مدينةِ جَدةَ سنةَ ثلاثةٍ وثمانينَ هجريةً، فقتلوا ونهبوا ودمروا السفنَ الراسيةَ، ليُخَفِفوا الضغطَ على الجبهةِ الشماليةِ مع الرومِ، ولكنَّ الخليفةَ عبدَ الملكِ بنِ مروانَ كان حاسمًا، فأرسل حملةً استولت على جزرِ دهلكَ، واتخذ منها قاعدةً لمراقبةِ تحركاتِ الأحباشِ، والانطلاقِ نحو السواحلِ الإفريقيةِ، فعم الأمنُ وانتشر الإسلامُ بالدعوةِ والتجارةِ وسكونِ النفوسِ له، وهو دينُ الفطرةِ، وخنستِ الكنيسةُ الحبشيةُ، وأنشأ المسلمون مدينةَ هررَ في القرنِ الهجريِ الأولِ، وبقيت مستقلةً عن الحبشةِ حتى غزتها جيوشُ منليكُ الثاني ملكُ الحبشةِ في عامِ ألفٍ وثلاثمائةٍ وأربعةَ عشرَ هجريٍ، الموافقِ لعامِ ألفٍ وثمانمائةٍ وستةٍ وتسعين ميلاديٍ.
وانفصل ساحلُ شرقِ إفريقيا عن الحبشةِ عقديًا وسياسيًا، وخضع الشرقُ الإفريقيُ المسلمُ -بما فيه الجزءُ المسلمٌ من الحبشةِ- لسلطانِ دولِ الخلافةِ المتعاقبةِ.
ودارت صراعاتٌ طاحنةٌ على مرِ القرونِ بين الإسلامِ والنصرانيةِ وخاصةً كنيسةَ الحبشةِ، ولكنَّ الإسلامَ استمر في انتشارِه، حتى صار أغلبُ سكانِ شرقِ إفريقيا من المسلمين، ودخل أكثرُ سكانِ إثيوبيا الإسلامَ، بل إن إثيوبيا الحاليةَ ستون في المائةِ من سكانِها مسلمون.
ومع ضعفِ الدولِ الإسلاميةِ بدأ الأوربيون في احتلالِ شرقِ إفريقيا، فجاء البرتغاليون ثم انزاحوا، ، فتحالفت معهم الحبشةُ ضد المسلمين.
ولم يستسلمِ المسلمون بل قاوموا بشدةٍ، وقامت حركاتٌ مجاهدةٌ متعددةٌ، منها جهادُ سلطنةِ عدلَ، التي تقوى ظهرُها بدخولِ العثمانيين لمصرَ عامَ تِسعِمائةٍ وثلاثةٍ وعشرين للهِجرةِ، فسيطرت على البحرِ الأحمرِ، وأسست أسطولًا فيه، وجعلت قاعدتَه مدينةَ زيلعَ، فقوى ذلك عزيمةَ المسلمين، فقاموا يهاجمون الأحباشَ النصارى، وتوسعت سلطنةُ عدلَ، فضمت إليها الصومالَ وأجزاءَ من الحبشة، وأسلم أهالي العديدِ من مناطقِها، فاستغاثتِ الكنيسةُ الحبشيةُ الأرثوذكسيةُ بأوروبا عامةً والبرتغالِ خاصةً، وعرضت أن تكونَ الكنيسةُ الأرثوذكسيةُ جزءًا من الكنيسةِ الكاثوليكيةِ مع احتفاظِها بمذهبِها في عامِ تِسعمائةٍ واثنين وأربعين للهِجرةِ، فجاء جيشٌ برتغاليٌ، ونزل في مصوعَ عامَ تِسعِمائةٍ وتسعةٍ وأربعين، ولكنَّ المسلمين هزموه شرَ هزيمةٍ، واستطاع سلطانُ عدلَ الإمامُ محمدٌ بنُ إبراهيمَ فتحَ مقاطعةِ تجره في وسطِ الحبشةِ ما بين عامي تِسعِمائةٍ وخمسةٍ وأربعين وتِسعِمائةٍ وسبعةٍ وأربعين، ثم جاءت قوةٌ برتغاليةٌ للحبشةِ عامَ تِسعِمائةٍ وخمسين، فدارت بينها وبين قواتِ الإمامِ محمدٍ بنِ إبراهيمَ معركةٌ حاميةٌ وسطَ بلادِ الحبشةِ قربَ بحيرةِ تانا، قُتِل فيها الإمامُ وهُزِم جيشُه.
وبدأتِ الحملاتُ الصليبيةُ المعاصرةُ، فتعاونت معها مملكةُ الحبشةِ النصرانية.
وباستيلاءِ الإنجليزِ على مصرَ -في عامِ ألفٍ وثلاثمائةٍ هجريٍ الموافقِ لعامِ ألفِ وثمانمائةٍ واثنين وثمانين ميلاديٍ- استولَوا على المناطقِ التي كانت تابعةً لخديوي مصر نيابةً عن الدولةِ العثمانيةِ في شرقِ إفريقيا، وكان مركزُها في هررَ، وتتبعُها ثلاثُ محافظاتٍ: تاجورا وزيلعُ وبربره، وأمرت بريطانيا القواتِ المصريةَ أن تخليَ أماكنَها في شرقِ إفريقيا لتخلقَ فراغًا عسكريًا سياسيًا يُمَكَّنُ الغربَ المحتلِ من تقسيمِ شرقِ إفريقيا مع نصارى الأحباشِ.
وكان حاكمُ مصرَ وقتَئذٍ الخديوي توفيقُ، الذي لم يكن إلا عميلًا للإنجليزِ، وقد حكم عليه ثلاثةٌ من كبارِ شيوخِ الأزهرِ، وهم الشيخُ محمدٌ عِلِيش والشيخُ حسنٌ العدويُ والشيخُ الخلفاويُ بالمروقِ من الدينِ؛ لانحيازِه إلى الجيشِ المحاربِ لبلادِه.
وكان رئيسُ وزرائِه هو الأرمنيَ النصرانيَ نوبارَ باشا، فأصدر أوامرَه بإخلاءِ هررَ وموانئِ الصومالِ، غير أنَّ حاكمَ هررَ أخبره بأنَّ عمليةَ الإخلاءِ صعبةٌ جدًا، لأنَّ الجنودَ والموظفين المصريين مندمجون مع أهالي الإقليمِ، وخاصةً عن طريقِ الزواجِ، وأنَّ الفوضى ستعمُ البلادَ بعد الإخلاءِ، فعزله، وعيَّن حاكمًا آخرَ، وجعله تحت إشرافِ الضابطِ الإنجليزيِ العميدِ هنترَ، الذي فوضه بوقفِ راتبِ أيِ موظفٍ أو ضابطٍ يتأخرُ في الإخلاءِ.
وقد رفض الجنودُ المصريون إخلاءَ هررَ، وشكلوا مع الأهالي كتلةً واحدةً لمواجهةِ الغزاةِ الأجانبِ. وكذلك أصدر نوبارُ أوامرَه لحاكمِ زيلعَ بإخلائِها.
وهذه الحادثةُ تبينُ الدورَ الخبيثَ، الذي تلعبُه الحكوماتُ العميلةُ المرتدةُ في مناصرةِ العدوِ الصليبيِ وإعانتِه على احتلالِ ديارِ المسلمين، وهو الدورُ الذي ما زالت تمارسُه حتى اليومِ الحكوماتُ العميلةُ المرتدةُ في شرقِ إفريقيا وسائرِ العالمِ الإسلاميِ.
وتبينُ هذه الحادثةُ؛ أن المسلمين في مصرَ وشرقِ إفريقيا كانوا يعتبرون أنفسَهم أمةً واحدةً في مواجهةِ العدوِ الصليبيِ، وكانوا يدينون بالولاءِ للدولةِ العثمانيةِ باعتبارِها رمزَ الخلافةِ المتبقي، رغمَ كلِ الفسادِ الذي لحق بها.
وهذه الحادثةُ وأمثالُها لا تجدُها في كتبِ التاريخِ المدرسيِ العربيةِ، كما لا تجدُ فيها شيئًا عن معركةِ أنوالَ ولا جهادِ القَوقازِ ولا تركستانَ الشرقيةِ.
وهذه الحوادثُ تدعونا لوقفةٍ لنتأملَ لماذا اكتسحنا الاحتلالُ الكافرُ من تركستانَ الشرقيةِ ووسطِ آسيا حتى سواحلِ الأطلسيِ، ومن القوقازِ حتى وسطِ إفريقيا.
لقد هزمنا العدوُ الكافرُ لسببين رئيسيين:
الأولُ: هو تفوقُه علينا في السلاحِ.
والثاني: هو الفسادُ السياسيُ، الذي أفسد حياةَ المسلمين.
أما تفوقُه علينا في السلاحِ: فلأنه سبقنا سبقًا شاسعًا في العلومِ الطبيعيةِ، التي تخلفنا فيها، لأن المسلمين على مدى قرونٍ شغلوا عقولَهم بأغلوطاتِ علمِ الكلامِ وشطحات التصوفِ المنحرفِ، فانصرفوا عما أمرهم دينُهم به من التفكرِ في مخلوقاتِ اللهِ وعمارةِ الأرضِ، وانشغلوا بما نهاهم عنه من الجدالِ والتفكرِ فيما لم يُخلقوا لأجلِه.
ويكفي فقط النظرُ في كتابِ طبقاتِ الأولياءِ لعبدِ الوهابِ الشعرانيِ -الذي كان من كبارِ علماءِ عصرِه- لترى لأي حدٍ انحدر التصوفُ المنحرفُ بعقولِ المسلمين.
ففي هذا الكتابِ -وغيرِه من كتبِه- يدعو الشعرانيُ -صراحةً- إلى الاعتقادِ بولايةِ طائفةٍ من المجانينِ والفسقة ِوالشواذِ والإباحيين بل والمجاهرين بالكفرِ الصريحِ، ويدعو إلى عدمِ اعتراضِ المريدِ على شيخِه مهما رأى منه من خروجٍ على الدينِ والعقلِ والآدابِ، ويسوقُ قصصًا وحكاياتٍ، يَعِفُ القلمُ واللسانُ عن ذكرِها.
ومن مساخرِه المبكيةِ ما حكاه عن عبدِ اللهِ المجذوبِ، الذي وصفه بأنه كان من الراسخين وكان كثيرَ الكشفِ، وكان عملُه صحنَ الحشيشِ، وبيعَه، وعَدَّ من كراماتِه أنَّ من يشتري منه الحشيشَ يتوبُ منه ولا يعودُ إليه، فعَدَّ تجارةَ الحشيشِ من أفعالِ الأولياءِ، ولم يذكرْ لماذا لم يتبِ البائعُ والمشتري قبل الصفقةِ، وهل لا بد أن يأخذَ الوليُ المالَ الحرامَ، ويسكرُ التائبُ من الحشيشِ أولًا، حتى تتمَ أركانُ التوبةِ؟
إن أمةً تقدسُ تجارَ الحشيشِ لا بد أن تنهزمَ، يقولُ الحقُ سبحانه: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.
وكان ينهى عن التشنيعِ على الفلاسفةِ وتنقيصِهم، ويُنَفِّر ممن يذمُهم، ويقول: هؤلاءِ عقلاء.
وهكذا جمع بين الانحرافين: تعظيمِ علمِ الكلامِ، وخرافاتِ التصوفِ المنحرفِ.
فهذان الانحرافان شغلا عقولَ المسلمين عن التفكرِ في مخلوقاتِ اللهِ، يقولُ الحقُ سبحانه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ الله يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾، ويقولُ عز من قائلٍ: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ﴾. فعلمُ الكلامِ -القائمُ على قواعدِ الفلسفةِ اليونانيةِ التي حطمها العلمُ الحديثُ- أنهك عقولَ العلماءِ في أغلوطاتٍ لا تصنعُ طلقةً، ولا تُنتجُ مِدفعًا، ولا تُسيرُ سفينةً، والتصوفُ المنحرفُ غيبَهم عن الدنيا، ومنعهم من إنكارِ المنكرِ، وزين لهم ولايةَ الفساقِ والمنحرفين بل والمجاهرين بالكفرِ الصريحِ، فسلبهم تعظيمَ الأوامرِ والنواهيِ، والتحاكمَ للشريعةِ، والولاية للمؤمنين والبراءةَ من الكافرين.
ولذلك يَسهُلُ على من تورط في التصوفِ المنحرفِ أن يقبلَ بحكمِ الحاكمِ المرتدِ الفاسقِ المبدلِ للشريعةِ طالما أن المشايخَ يرضَون عنه، بل وربما عدَه من أولياءِ اللهِ، كما حكى الشعرانيُ عن سيدِه محمدٍ الحَضَرِيِّ، أنه خطب الجمعةَ فقال: ” وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ لَكُمْ إِلَّا إِبْلِيسُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ”.
ويسهُلُ عليه أيضًا أن يرضى بمن يتعاونُ مع الكفارِ على احتلالِ ديارِ المسلمين، طالما أن المشايخَ يرضون عنه، ويتقبلُ أيضًا أن يتركَ الجهادَ العينيَ ضد الكفارِ الغزاةِ لديارِ الإسلام ، لأن المشايخَ والأولياءَ المزيفين سيتكفلون بذلك، فهم يقضون حاجاتِ الناسِ، بل كلابُهم تقضي حوائجَهم، كما حكى الشعرانيُ وغيرُه عن أبي الخيرِ الكليباتي.
ولذلك يُصرحُ الأمريكانُ بوجوبِ تأييدِ الفرقِ الصوفيةِ المنحرفةِ، فقد أكد معهدُ راندَ على ذلك، فجاء في كتابِ (بناءُ شبكاتٍ إسلاميةٍ معتدلةٍ): أن الشركاءَ المحتملين للولاياتِ المتحدةِ والغربِ يقعون ضمنَ ثلاثِ فئاتٍ: العلمانيين والمسلمين التحرريين والتقليديين المعتدلين بما فيهم الصوفيةُ.
ويعتبرُهم كتابُ (الإسلامُ المدنيُ الديمقراطيُ) من الحداثيين، الذين يجبُ دعمُهم وتقويةُ مكانتِهم.
ويتضحُ ذلك بجلاءٍ في دعمِ الأمريكانِ والغربِ والإثيوبيين لجماعاتِ الصوفيةِ في الصومالِ، الذين يحاربون المجاهدين في صفوفِ التحالفِ الصليبيِ.
وكذلك تؤكدُ دارُ الإفتاءِ المصريةُ السيسيةُ الصهيوأمريكيةُ على ضرورةِ دعمِ التياراتِ الصوفيةِ في الصومالِ في مواجهةِ مجاهدي حركةِ شبابِ المجاهدين.
وفي الوقت الذي كانت عقولُ علماءِ المسلمين غارقةً في جدلِ أغاليطِ الكلامِ وشطحاتِ التصوفِ المنحرفِ، كانت أوروبا قد بدأت تستيقظُ، وتُعِدُ العدةَ لمحاربةِ المسلمين، فبدأتْ بالتخلصِ من لاهوتِ الكنيسةِ الفلسفيِ، وانطلقت في اكتشافِ أسرارِ الطبيعةِ، وشرعوا في الكشوفاتِ الجغرافيةِ طمعًا في الثروةِ وسعيًا لهزيمةِ المسلمين.
وكان من روادِ تلك الكشوفِ؛ ملكُ البرتغالِ هنري الملاحُ الممتلئُ بالحقدِ الصليبيِ على المسلمين، والذي باركه البابا نيقولا الخامس قبل ولادةِ الشعرانيِ بقرابةِ أربعين سنةً في رسالةٍ له، جاء فيها: “إن سروري العظيمَ أن نعلمَ أن ولدَنا العزيزَ هنري أميرَ البرتغالِ قد سار في خطى أبيه الملكِ جون بوصفِه جنديًا قادرًا من جنودِ المسيحِ ليقضيَ على أعداءِ اللهِ وأعداءِ المسيحِ من المسلمين الكفرةِ”.
وهنري هذا شارك مع أبيه يوحنا الأولِ في انتزاعِ سبتةَ من المسلمين قبلَ ولادةِ الشعرانيِ بقرابةِ ثمانين عامًا، ثم أنشأ -لما تولى الملكَ- أولَ أكاديميةٍ لعلومِ الملاحةِ في أوروبا، تضُمُ مجموعةً من كبارِ العلماءِ البحريين، كما أنشأ مرصدًا، وعمِل على جمعِ المعلوماتِ من السفنِ العائدةِ من الخارجِ عن السواحلِ الإفريقيةِ، كما عمِل على تحسينِ بناءِ السفنِ، حتى وصلتْ حمولةُ السفينةُ في ذلك الوقتِ ما بين ثمانين ومئةِ طنٍ.
وأرسل الحملاتِ لغربِ إفريقيا، ثم بعده اجتاز البرتغاليون خطَ الاستواءِ، ووصلوا لرأسِ الرجاءِ الصالحِ قبل ولادةِ الشعرانيِ بخمسِ سنين، ثم وصلوا للهندِ بعد ولادتِه بخمسِ سنين.
وكان الملكُ هنري الملاحُ يَهْدُفُ لإقامةِ إمبراطوريةٍ برتغاليةٍ مسيحيةٍ في إفريقيا تنشرُ فيها النصرانيةَ، وتمتدُ حتى بلادِ غانةَ، للوصولِ لملكِ الحبشةِ القديسِ يوحنا، ليستمدَ منه العونَ الروحيَ والعسكريَ لطردِ المسلمين أو لتعميدِهم كنصارى.
كلُ هذا وعقولُ المسلمين وعلمائِهم في غيبوبةِ علمِ الكلامِ الذي حطمه العلمُ الحديثُ، وخرافاتِ التصوفِ المنحرفِ، الذي يُقدسُ المجانينَ وأهلَ الفواحشِ وتجارَ الحشيشِ والزنادقةَ.
أما العاملُ الثاني الذي أدى لهزيمتِنا: فهو الفسادُ السياسيُ، والملكُ العضوضُ، الذي أدى لانحسارِ الجهادِ والانشغالِ بالقتالِ الداخليِ وتكديسِ المالِ الحرامِ، الذي أدى للترفِ، الذي من لوازمِه الترفُ العقليُ، والانصرافُ عن العلومِ المعينةِ على الجهادِ.
وقد غفل كثيرٌ من المسلمين عن خطورةِ الفسادِ السياسيِ مع تحذيرِ النبيِ -صلى اللهُ عليه وسلم- وخلفائِه الراشدين -رضوانُ اللهِ عليهم- منه.
قال النبيُ صلى اللهُ عليه وسلم: “لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ، عُرْوَةً عُرْوَةً، فكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ، تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ”.
وقال عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنه: “مَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِن الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا”.
لقد سقطتِ الخلافةُ لانحدارِها من الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ إلى الملكِ العضوضِ، الذي يقومُ على سلبِ حقِ المسلمين في الشورى والاستبدادِ والظلمِ والتعدي على الحرماتِ وتحريمِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ.
ومن المضحكاتِ المبكياتِ أني لما أوردتُ أدلةَ السنةِ الصحيحةِ المتواترةِ على أن الشورى ركنٌ أصيلٌ في الخلافةِ الراشدةِ مبينًا مدى فسادِ سلطةِ البدريِ، التي قامتْ كمثالٍ شديدِ السوءِ للملكِ العضوضِ المقترنِ بالتكفيرِ النفعيِ، رد عليَّ أحدُهم: بأنَّ من متأخري الشافعيةِ من أجاز انعقادَ الخلافةِ بأربعين شخصًا.
فأنا أقدمُ الأدلةَ الصحيحةَ من أصحِ كتبِ السنةِ ومن عملِ الخلفاءِ الراشدين المتكررِ المجمعِ عليه، وهو يأتي بأقوالٍ تبررُ الملكَ العضوضَ، وتخالفُ ما نص عليه أكابرُ العلماءِ. أقوالٌ كُتِبَت في عصورِ الانحطاطِ، حيثُ كان مماليكُ مصرَ يزيلون خليفةً ويُعينونَ آخرَ، ومن قبلِهم كان الجنودُ الأتراكُ في بغدادَ يجرون الخليفةَ من على كرسيِه فيطرحونه أرضًا، ومن الخلفاءِ من انتهى أمرُه متسولًا، ومنهم من أصابه العمى، ومنهم من سمَّلوا عينيه. إلى آخرِ مهازلِ الحكمِ العضوضِ، الذي أدى بنا لهذه الهزائمِ الكارثيةِ أمامَ الغربِ الصليبيِ.
ومعنى كلامِه: لو أن رجلًا -له من الأبناءِ والأحفادِ أربعون- في قريةٍ في وادٍ في أطرافِ بلادِ المسلمين يجوزُ له أن يعلنَ نفسَه خليفةً ببعتِهم له.
كلُ هذه المخالفةِ لمنهجِ الخلفاءِ الراشدين تعصبًا أو انخداعًا أو انتفاعًا بجماعةِ إبراهيمِ البدريِ، حسبنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ.
وانهزمنا أيضًا لأن الفسادَ السياسيَ أدى لتفرقِنا، وصارت دولةُ الخلافةِ دويلاتٍ ممزقةً متناحرةً.
ويأتي اليومَ من يسعى لهدمِ ما بناه الروادُ -من أمثالِ الشيخِ أسامةَ رحمه اللهُ وصحبه- بتوحيدِ المسلمين والمجاهدين، فيشقُ الصفَ، وينكثُ البيعةَ، التي اعتبرها دينًا يدينُ به، ويعلنُ نفسَه خليفةً بلا بيعةٍ ولا تمكنٍ، ويعلنُ متحدثُه الحربَ على كلِ من لم يبايعْهم، بل وكلُ من يقاتلُهم فهو مرتدٌ، حتى وإن كان ساعيًا في تحكيمِ الشريعةِ.
ولما بدأتِ الحملةُ الأمريكيةُ الجويةُ على الشامِ والعراقِ عرضنا عليهم مبادرةً للتعاونِ في صدِها، فكان جزاؤنا السبَ والتكفيرَ والتهديدَ بالأراجيفِ والتخاريفِ، ولما كررنا عليهم السؤالَ مراتٍ: ما هو بيانُكم الرسميُ عن أدلةِ تكفيرِنا، ومن هم الذين عقدوا -ما يسمونها خلافةً- لإبراهيمَ البدريَ لم ينطِقوا بحرفٍ، على خلافِ سيلانِ ألسنتِهم بالتكفيرِ والسبِ، وعجزوا وانقطعوا، فدخلوا في قولِ الحقِ سبحانه: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
ونحن -بفضلِ اللهِ- دعونا ولا زلنا ندعو لوحدةِ المسلمين والمجاهدين حولَ كلمةِ التوحيدِ، ونناشدُ كلَ مسلمٍ ومجاهدٍ: أن تعالَوا لنتفقَ ونتحدَ ونتعاونَ على إقامةِ خلافةِ النبوةِ وتحكيمِ الشريعةِ وتحريرِ ديارِ المسلمين، تعالَوا ولا تتفرقوا عصبياتٍ ووطنياتٍ ومجموعاتٍ، ولا يهولَنكم ضجيجُ أمريكا وعجيجُها، فهي لا تخلقُ ولا ترزقُ، ولا تحيي ولا تميتُ.
ألا هل بلغتْ اللهم فاشهدْ.
وأكتفي بهذا القدرِ، وأواصلُ في حلقةٍ قادمةٍ -إن شاء اللهُ- الحديثَ عن المسلمين في شرقِ إفريقيا.
وآخر دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِ العالمين، وصلى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبِه وسلم. والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.

الربيع الإسلامي | الحلقة الحادية عشر
شرق إفريقيا ثغر الإسلام الجنوبي
(الجزء الثاني)

بسمِ الله والحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله وآلِه وصحبِه ومن والاه،
أيها الإخوةُ المسلمون في كلِ مكانٍ السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
وبعدُ،
سردتُ في الجزءِ الأولِ من هذه الحلقةِ نبذةً موجزةً عن تاريخِ المسلمين في شرقِ إفريقيا.
وتوقفتُ عند أوامرِ بريطانيا للجيشِ المصريِ بإخلاءِ قواعدِه في شرقِ إفريقيا.
وأودُ أن أواصلَ هذا السردَ الموجزَ بسرعةٍ.
فبعد أن خرجَتْ القواتُ المصريةُ -كآخرِ ممثلٍ للدولةِ العثمانيةِ المتهالكةِ- من شرقِ إفريقيا، أطلقتِ الدولُ الأوروبيةُ يدَ منليكَ الثاني ملكِ الحبشةِ في غزوِ مناطقِ المسلمين، والتنكيلِ بهم، فاستولى على هررَ، وإقليمِ الأوجادينِ وأجزاءَ من الصومالِ، وقُسِم بقيةُ الصومالِ بين الإيطاليين والفرنسيين والإنجليزِ، واستولى الإنجليزُ على كينيا وزنجبار، والألمانُ على تنجانيقا.
وصاحبت توسعَ الأحباشِ واستيلاءَ الصليبيين على شرقِ إفريقيا حركةٌ تنصيريةٌ واسعةٌ، قُوبلت من الشعبِ الصوماليِ بثورةٍ عارمةٍ، حمل رايةَ الجهادِ فيها محمدٌ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حسنٍ، الذي أُطْلِقَ عليه أسدُ الصحراءِ، فقاوم الاستعمارَ النصرانيَ، واستمرت حركتُه مدةَ اثنتين وعشرين سنةً، ظهرت فيها بطولاتٌ رائعةٌ، لا زالت مضربَ الأمثالِ.
وبعد أن هلك منليكُ الثاني خلفَه حفيدُه (ليج إياسو)، الذي اعتنق الإسلامَ، واتصل مع محمدٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حسنٍ، وسعى في توحيدِ المسلمين ضد الحلفاءِ، وأخذ في تقويةِ علاقاتِه مع الدولةِ العثمانيةِ.
فأصدرتِ الكنيسةُ قرارًا بحرمانِه من التاجِ الحبشيِ، وحرضتِ النصارى ضده، وكذلك حرضتْ دولُ التحالفِ -بريطانيا وفرنسا وإيطاليا- قبائلَ شيوا ضده، فزحفت على العاصمةِ، وعينتِ الكنيسةُ ابنةَ منليكِ زوديتو إمبراطورةً، وعينتِ ابنَ عمِها راس تافاري -الذي تسمى بهيلا سلاسي- وصيًا ووريثًا، وهو الذي استولى على الحكمِ فيما بعد، وطارد ليج إياسو حتى قبض عليه وقتله.
وكان هيلا سيلاسي شديدَ العداءِ للإسلامِ، وقام بالعديدِ من المذابحِ ضد المسلمين في هررَ والأوجادينِ والحبشةِ وإرتريا، وكان يُظهرُ هذا العداءَ علنًا في خطبِه.
وبانتهاءِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ تم تقسيمُ الصومالِ، ثم مكنت بريطانيا الحبشةَ من الاستيلاءِ على ما سُمي بالصومالِ البريطانيِ، واستولت فرنسا على جيبوتي، وخضعت إرتريا للاحتلالِ الدوليِ.
أما السودانُ فقد نشأت فيه الحركةُ المهديةُ بقيادةِ محمدٍ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ، الذي أعلن نفسَه المهديَ المنتظرَ، وخاض حروبًا ضد الإنجليزِ، واستطاع دخولَ الخرطومِ في عامِ ألفٍ وثلاثِمائةٍ وثلاثةٍ هجريٍ، الموافقِ للسادسِ والعشرين من ينايرَ لعامِ ألفٍ وثمانِمائةٍ وخمسةٍ وثمانين ميلاديٍ، وقَتَلَ جوردونَ الحاكمَ الإنجليزيَ، الذي يعتبرُه الإنجليزُ من أبطالِهم.
وفي عامِ ألفٍ وثلاثِمائةٍ وأربعةَ عشرَ هجريٍ، الموافقِ لعامِ ألفٍ وثمانمائةٍ وستةٍ وتسعين ميلاديٍ أرسلت بريطانيا حملةً مكونةً من عدةِ فرقٍ بريطانيةٍ ومصريةٍ بقيادةِ اللوردِ كتشنرَ لاستعادةِ السودانِ، وبعد عدةِ معاركَ أبلى فيها أتباعُ الحركةِ المهديةِ بلاءً حسناً، وأظهروا فيها ضروباً من البسالةِ والشجاعةِ في مواجهةِ جيشٍ يتفوقُ عليهم بمعداتِه وأسلحتِه، بعد تلك المعاركِ تمكن ذلك الجيشُ من دخولِ أمْ درمانَ عاصمةِ المهديِ بعد هزيمةِ خليفتِه؛ عبدِ اللهِ التعايشيِ في معركةِ كرري، شمالَ أمْ درمانَ في عامِ ألفٍ وثلاثِمائةٍ وستةَ عشرَ هجريٍ، الموافقِ للثاني من سبتمبرَ من عامِ ألفٍ وثمانِمئةٍ وثمانيةٍ وتسعين ميلاديٍ. واستطاع الجيشُ المصريُ الإنجليزيُ المكونُ من خمسةٍ وعشرين ألفَ جنديٍ -المزود بمدافعِ وبنادقِ المكسيم واللي إنفيلد الحديثةِ ومدفعيتِه الثقيلةِ وقواربِه الحربيةِ- أن يهزمَ جيشَ الخليفةِ المكونَ من خمسين ألفَ جنديٍ، والمسلحَ بالحرابِ والسيوفِ وبعضِ البنادقِ القديمةِ. فقُتِلَ منهم أحدَ عشرَ ألفاً وجُرح ستةَ عشرَ ألفاً، وأُسر أربعةُ آلافٍ، رغمَ البسالةِ الشديدةِ التي أبدَوها، بينما قُتلَ من الجيشِ البريطانيِ المصريِ ثمانيةٌ وأربعون، وجُرح مائتان وثمانيةٌ وثلاثون.
ومعركةُ كرري تحتاجُ لوقفةٍ بل وقفاتٍ.
فما حدث في معركةِ كرري لا زال يتكررُ حتى اليومِ. فمن الذي أعان الأمريكانَ على حصارِ العراقِ؟ ومن الذي أعانهم على ضربِه؟ ومن الذي أعان على غزوِ أفغانستانَ؟ ومن الذي يحاصرُ غزةَ؟ ومن الذي يُطاردُ المجاهدين ويعتقلُهم ويعذبُهم ويقتلُهم لحسابِ أمريكا؟ أليستِ الأنظمةُ الفاسدةُ في مصرَ والسُعوديةِ والإمارات واليمنِ والعراقِ والأردنِ وباكستانَ والجزائرِ ومالي؟ ألم توفرْ هذه الأنظمةُ وغيرُها الدعمَ كلَ الدعمِ للأمريكانِ والغربيين في حملتِهم الصليبيةِ الجديدةِ على الإسلامِ باسمِ الحربِ على الإرهابِ.
تغيرتِ الوجوهُ والأسماءُ، ولم تتغيرِ الحقائقُ والمآسي والخياناتُ. ذهب كتشنرُ البريطاني وجاء كتشنريون من جلدتنا. هذه واحدةٌ.
والثانيةُ أن ما حدث في كرري قد تكرر -ولا زال يتكررُ- في أرجاءِ عالمِنا الإسلاميِ منذ قرابةِ قرنين من الزمانِ، فعلى امتدادِ العالمِ الإسلاميِ كانتِ القواتُ الصليبيةُ الغازيةُ في حملتِها الصليبيةِ الاستعماريةِ تُواجَهُ بمقاومةٍ باسلةٍ، ولكن كان التفوقُ في السلاحِ يحسمُ المعركةَ لصالحِ الغزاةِ الصليببيين.
فلماذا تخلفنا عن فنونِ القتالِ وعلومِه؟ ولماذا تقدموا علينا؟
تخلفنا لأسبابٍ كثيرةٍ: منها ضعفُنا وفسادُنا السياسيُ، الذي صرف قوانا في التقاتلِ الداخليِ وخرب اقتصادَنا، وكان من نتائج الفساد السياسي انصرافُنا لأغلوطاتِ علمِ الكلامِ وشطحاتِ التصوفِ المنحرفِ والخرافاتِ، الذي أهملنا به النظرَ في العلومِ الطبيعيةِ، ومنها سيطرةُ الغربِ علينا وعلى مواردِنا وثرواتِنا وبالتالي حرمانُنا من أي استغلالٍ سليمٍ لها في التقدمِ وبناءِ القوةِ الذاتيةِ.
ولكن كان الفسادُ السياسيُ -الذي بدأ باغتصابِ السلطة بغيرِ شورى، وبتغييرِ سنةِ النبيِ -صلى اللهُ عليه وسلم- وخلفائِه الراشدين في الحكمِ، وتأسيسِ الملكِ العضوضِ- هو الفسادُ الأساسيُ، الذي تفرعت منه بقيةُ أنواعِ الفسادِ، مصداقًا لقولِ النبي صلى اللهُ عليه وسلم: “لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ، عُرْوَةً عُرْوَةً، فكَلما انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ، تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ” .
إخواني المجاهدين وأهلَنا المسلمين: دعوني أقصُ عليكم قصةَ الأمةِ المسلمةِ مع الفتوحاتِ والجهادِ في كلماتٍ، لنعلمَ كيف ولماذا وصلنا لهذا الاستضعافِ وتلك الهزائمِ.
لقد مرتْ حالاتُ الأمةِ المسلمةِ مع جهادِ وقتالِ أعدائِها بمراحلَ:
المرحلةُ الأولى: وهي مرحلةُ الفتوحاتِ في عهد النبي -صلى اللهُ عليه وسلم- وخلفائِه الراشدين -رضي اللهُ عنهم- وفيها تمت معظمُ الفتوحاتِ.
ثم المرحلةُ الثانيةُ: وهي مرحلةُ الفتوحاتِ في ملكِ بني أميةَ العضوضِ، فزادت بأقلَ مما في عهدِ الراشدين، فَفُتحتِ الأندلسُ، وبعضُ البلادِ في الشرقِ.
ثم المرحلةُ الثالثةُ: وهي النصفُ الأولُ من الدولةِ العباسيةِ، فتضاءلتْ فيها الفتوحاتُ جدًا، وبدأ التشققُ في الدولةِ، فانفصلتِ الأندلسُ من بدايتِها.
ثم المرحلةُ الرابعةُ: وبدأتْ بحلولِ النصفِ الثاني من الدولةِ العباسيةِ، و كانتِ الانشقاقاتُ قد زادت، وتسلط سلاطينُ السلاجقةُ والبويهيين على الخلفاءِ، وبدأت حملاتُ الصليبيين والتتارِ على المسلمين، ولكن المسلمين استطاعوا ردَ معظمِها.
ثم المرحلةُ الخامسةُ: وهي في نهايةِ الدولةِ العباسيةِ الشكليةِ، وبدايةِ الدولةِ العثمانيةِ، فسقطتِ الأندلسُ بيدِ الصليبيين، واستطاع العثمانيون فتحَ القسطنطينيةَ وأجزاءَ من شرقِ أوروبا.
ولكن فقدتِ الخلافةُ العثمانيةُ معظم البلادِ شرقَ العراقِ، وقام الصفويون كخنجرٍ في خاصرةِ المسلمين متعاونين مع البرتغاليين.
ثم المرحلةُ السادسةُ: وهي مرحلةُ الهجومِ الصليبيِ الشيوعيِ على ديارِ الإسلامِ، الذي انتهى بسقوطِ الدولةِ العثمانيةِ، وتفتتِ أجزائِها بيدِ الكفارِ الغزاةِ.
ثم المرحلةُ السابعةُ: وهي مرحلةُ الملكِ الجبريِ، الذي تميز بانسحابِ الغزاةِ الشكليِ، وقيامِ الدولِ الوطنيةِ التابعةِ.
فالناظرُ في هذه المراحلِ يرى أن الضعفَ والفسادَ واستيلاءَ الأعداءِ على ديارِ الإسلامِ يتناسبُ مع مدى الفسادِ السياسيِ في بلادِ المسلمين.
فلما تولى الفسقةُ المتغلبون المغتصبون للأمرِ بالسيفِ نتج عن ذلك إبطالُ الشورى، وتوليةُ من لا يستحقُ، وأصبح الملكُ مغنمًا يُستلبُ بالسيفِ، أو كما قال أحدهم: بتفجيرٍ وتفخيخٍ ونسفٍ، لا شأنَ للأمةِ به، وورَّثه من لا يستحقون لأبنائِهم، فدارت عجلةُ الفسادِ السياسيِ، فأدى إلى الانغماسِ في الشهواتِ والمالِ الحرامِ، والقتالِ على الملكِ، والانشغالِ التدريجيِ عن الجهادِ، وتضاؤلِ الفتوحِ.
وبالانصرافِ عن الجهادِ انشغلتِ الأمةُ بالجدلِ، الذي صرفها عن النظرِ في علومِ الطبيعةِ، وبالانغماسِ في اللهوِ ظهر التصوفُ المنحرفُ، الذي غاب في الشطحاتِ والخرافاتِ، والذي يستغلُه اليومَ الغازي الأجنبيُ الصليبيُ في قتالِ المجاهدين، كما يحدثُ في الشيشانِ وشرقِ إفريقيا.
وتعطلتِ الفتوحاتُ، ثم بدأ العدوُ في الانقضاضِ على ديارِ الإسلامِ، فتحول الجهادُ من جهادِ الطلبِ لجهادِ الدفعِ، إلى أن جاء العثمانيون -جزاهم اللهُ عن الإسلامِ خيرَ الجزاءِ- ففتحوا القسطنطينيةَ، قبيلَ سقوطِ غرناطةَ بأربعين سنةٍ، ووحدوا الجزءَ الأكبرَ من ديارِ الإسلامِ، وأخروا الغزوَ الصليبيَ لديارِ الإسلامِ لخمسةِ قرونٍ. ولكن كان لا بد أن تسقطَ دولتُهم، نظرًا للظلمِ والفسادِ الذي انتشر فيها، وأدى لإدخالِ القوانينِ الأوروبيةِ، ونشوءِ النزعةِ الوطنيةِ ثم العلمانيةِ.
وبوهنِ الدولةِ العثمانيةِ بدأتِ الحملةُ الصليبيةُ المعاصرةُ.
ومقصدي أن أؤكدَ على خطورةِ وجرمِ الفسادِ السياسيِ، الذي بدأ بالاستئثارِ بالسلطةِ، فنحن لم نصحُ في الصباحِ لننتقلَ فجأةً من الخلافةِ الراشدةِ إلى ملكِ الحكامِ المرتدين العملاءِ الجبريِ، ولكن ما نعانيه هو حصيلةُ قرونٍ من الفسادِ السياسيِ، الذي تفرعت عنه أنواعٌ مختلفةٌ من الفسادِ.
مصداقًا لقولِ الصديقِ -رضي اللهُ عنه- للمرأةِ الأحمسيةِ، التي سألته: “قَالَتْ مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الصَّالِحِ؟ الَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ أَئِمَّتُكُمْ” . فهذا الأثرُ العظيمُ يبينُ العَلاقةَ المباشرةَ بين الفسادِ السياسيِ وانحطاطِ الأمةِ.
أما تشادُ فقد نشأتْ فيها حركةٌ جهاديةٌ بقيادةِ الأميرِ رابحٍ وابنِه فضلِ اللهِ في عامِ ألفٍ ومائتين وسبعةٍ وتسعين هجريٍ،ـ الموافقِ لعامِ ألفٍ وثمانِمائةٍ وتسعةٍ وسبعين ميلاديٍ، وأَنشأتْ إمارةً إسلاميةً عاصمتُها (ديكوا)، وبعد وقائعَ عديدةٍ قُتلَ فيها القائدُ الفرنسيُ لامي، واستُشهِد فيها الأميرُ رابحٌ ثم ابنُه فضلُ اللهِ -رحمهما اللهُ- استطاع الفرنسيون الاستيلاءَ على عاصمةِ تلك الإمارةِ المجاهدةِ في عامِ ألفٍ وثلاثِمائةٍ وسبعةٍ وعشرين هجريٍ، الموافقِ لعامِ ألفٍ وتِسعِمائةٍ وتسعةٍ ميلاديٍ.
وبعد القضاءِ على المقاومةِ الإسلاميةِ في البلادِ جمع الفرنسيون أربعَمائةٍ من العلماءِ وذبحوهم بالساطورِ في مذبحةِ كبكبَ عامَ ألفٍ وثلاثِمائةٍ وستةٍ وثلاثين هجريٍ، الموافقِ لعامِ ألفٍ وتِسعِمائةٍ وثمانيةَ عشرَ ميلاديٍ.
وسُميت مدينةُ قصيري، التي قُتل على أبوابِها لامي باسمِ فورت لامي، والتي صارت فيما بعد انجامينا عاصمةُ تشادَ.
وهكذا استولت القوى الغربيةُ الصليبيةُ على شرقِ إفريقيا، فيما عدا إثيوبيا التي احتلتها إيطاليا فيما بعد في عامِ ألفٍ وتِسعِمائةٍ وخمسةٍ وثلاثين ميلاديٍ. ثم استقلت من إيطاليا بمساعدةِ الحلفاءِ في نهايةِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ.
ومع مجيءِ عقدِ الخمسينات بدأتِ الدولُ الغربيةُ تمنحُ مستعمراتِها استقلالًا شكليًا، فنشأت حكومةٌ -منحتها بريطانيا الاستقلالَ- في كينيا في عامِ ألفٍ وتِسعمائةٍ وثلاثةٍ وستين ميلاديٍ.
وقد قامت هذه الحكومةُ باضطهاد المسلمين، فاستولت على مناطقَ من الصومالِ، واستخدمت سياسةَ القمعِ وقَتلَ الآلافِ من المسلمين.
ومرت منطقةُ شرقِ إفريقيا بحالةٍ من الفوضى السياسيةِ تميزت باضطهادِ المسلمين والسعيِ في فرضِ القوانينِ العلمانيةِ عليهم، مثلما حدث في الصومالِ وكينيا وإثيوبيا وتنزانيا ووسطِ إفريقيا.
ومع بدايةِ التسعيناتِ بدأت تنشطُ الحركاتُ الإسلاميةُ الدعويةُ والجهاديةُ في المنطقةِ، وتزامن هذا مع انتقالِ الشيخِ أسامةَ بنِ لادنٍ -رحمه اللهُ- وإخوانِه للسودانِ، فبدأ اهتمامُه بشرقِ إفريقيا، والتقى بعددٍ من زعمائِها المجاهدين مثل الشيخِ حسنِ حرسي رحمه اللهُ، وأرسل كبارَ إخوانِه -مثل الشيخِ أبي عبيدةَ البنشيريِ والشيخِ أبي حفصٍ القائدِ رحمهما اللهُ- وعددًا من إخوانِهما لكينيا والأوجادينِ والصومالِ.
ولما غزت أمريكا الصومالَ شارك إخوانُ الشيخِ أسامةَ -رحمه اللهُ- مع إخوانِهم من مجاهدي الصومالِ في الجهادِ ضدها، ثم جاءتِ المحاكمُ الإسلاميةُ، وما تلاها من الغزوِ الإثيوبيِ للصومالِ.
وقبيلَ نشوءِ المحاكمِ الإسلاميةِ نشأت حركةُ الشبابِ المجاهدين الإسلاميةِ، وفتح اللهُ عليها، فقاومتْ موجاتِ الغزوِ الصليببيِ المتكررةَ والحكوماتِ العميلةَ، وأسستِ الولاياتِ الإسلاميةَ، وأرسلت ببيعتِها للشيخِ أسامةَ بنِ لادنٍ، فطلب منهم أن لا يعلنوها مبدئيًا، ثم بعد استشهادِه أعلنتِ الحركةُ بيعتها المباركة لجماعةِ قاعدةِ الجهادِ.
وقد وثق الإخوةُ -في مؤسسةِ الكتائبِ- هذه المرحلةَ بتفصيلٍ أوسعَ في عدةِ إصداراتٍ منها إصدارُ (مسيرةُ الصمودِ).
وهكذا نشأت في شرقِ إفريقيا -بفضلِ اللهِ ونعمتِه- نهضةٌ جهاديةٌ، تقودُها حركةٌ عقديةٌ، تنصرُ التوحيدَ وتدعو إليه، وتجمعُ المسلمين عليه، وتجتمعُ به مع إخوانِها المجاهدين من سواحلِ الهندِ إلى شواطئِ الأطلسيِ.
فتكسرت -بفضلِ اللهِ- على صخرتِها موجاتُ الغزوِ ومؤامراتُ الخيانةِ ودسائسُ العمالةِ.
فيا إخواني المسلمين في شرقِ إفريقيا ووسطِها، هلمَ إلى عزِ الدنيا وفوزِ الآخرة، هلمَ إلى الجهادِ لتحريرِكم من الظلمِ والطغيانِ والقهرِ والفسادِ، فقد ارتفعت له اليومَ في شرقِ قارتِكم رايةٌ خفاقةٌ، وقامت له منارةٌ شاهقةٌ، واستبان له نهجٌ واضحٌ.
هلموا اتحدوا مع إخوانِكم المجاهدين في الصومالِ، وقِفوا معهم صفًا واحدًا ضد أعدائِنا المتحدين علينا.
هلم لنحررَ شرقَ إفريقيا من جرائمِ الصليبيين، ونقيمَ فيها كِيانًا إسلاميًا، يحكمُ بالشرعِ، وينشرُ العدلَ، ويبسطُ الشورى، وينصرُ المظلومين.
هلم لنؤسس في شرقِ إفريقيا قاعدةً راسخةً للإسلامِ والجهادِ، تنصرُ أمتَها في كلِ مكانٍ، وتقتصُ ممن استباح حرماتِها، واعتدى على مقدساتِها.
هلم لنؤسسَ مع إخوانِنا المجاهدين صفًا جهاديًا كالبنيانِ المرصوصِ من كاشغرَ إلى تمبكتو ومن جروزني إلى مقديشيو.
إخواني المجاهدين في شرقِ إفريقيا؛ عليكم أن تدركوا عِظمَ المسؤوليةِ الملقاةِ على عاتقِكم، فإنكم لا تخوضون حربًا محليةً، ولكنكم تواجهون الحملةَ الصليبيةَ المعاصرةَ وحليفتَها إسرائيلَ، اللتين تسعيان للسيطرةِ على القرنِ الإفريقيِ، ومنابعِ النيلِ، وخنقِ الجهادِ الإسلاميِ في شرقِ إفريقيا وسائرِ الدنيا.
إن نهضتَكم الجهاديةَ تهددُ أمنَ إسرائيلَ، والكِيانَ المسيحيَ في الحبشةِ، والنفوذَ الأمريكيَ الصهيونيَ والفرنسيَ في شرقِ إفريقيا ووسطِها.
إخواني المجاهدين وأهلَنا المسلمين: إن هذه المعركةَ الجبارةَ لا يمكنُ أن نخوضَها شرعًا ولا عقلًا ونحن متفرقون، فلنحذرْ من دعاوى شقِ الصفِ ونكثِ العهدِ.
قال الحقُ سبحانه وتعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، وقال النبيُ صلى اللهُ عليه وسلم: “لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ أَلاَ وَلاَ غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ” .
فأسألُ اللهَ أن يجزيَ خيرَ الجزاءِ من وَفوَا ببيعاتِهم وعهودِهم.
إخواني المجاهدين وأهلي المسلمين: لقد بشرنا اللهُ -سبحانه وتعالى- بالظفرِ والنصرِ، فقال عز من قائلٍ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وبشرنا النبيُ -صلى اللهُ عليه وسلم- بعودةِ الخلافةِ على منهاجِ النبوةِ، فقال: “ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ” .
فلنتحدْ لنحررَ أرضَنا، ونعيدَ خلافَتنا، ونقتصَ من عدوِنا.
وأكتفي بهذا القدرِ وآخر دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِ العالمين، وصلى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبِه وسلم. والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.